في العزوف عن الانتخابات التونسية؟!

أثرت الحالة الاقتصادية المتردية في بلاد الربيع العربي بشكل سلبي على المشوار السياسي للثورة.

الأربعاء، 31-12-2014 الساعة 13:10


انتهى مسار المرحلة المؤقتة في تونس، وانتهت معها مرحلة الثورة كفعل ثوري، لتبدأ مرحلة الدولة كحالة قانونية وشرعية مستمدة من شرعية الانتخابات التي جرت مؤخراً، والتي انتهت بفوز الباجي قائد السبسي – الذي قد ينظر إليه كامتداد للنظام القديم – وخروج المنصف المرزوقي، الذي قاد المرحلة الانتقالية كرئيس للبلاد.

لكن ما يثير النظر أثناء تفحص مجريات المرحلة المؤقتة هو البون الشاسع في نسب المشاركة في الانتخابات ما بين أولى الانتخابات بعد هروب بن علي، وبين آخرها التي جرت مؤخراً، حيث أشارت نسب المشاركة إلى انخفاض مثير، في مهد الربيع العربي، والتي قد توصف بأنها الحالة المثالية للديمقراطية الناشئة في المنطقة العربية، حيث بلغت فيها نسبة المشاركة الإجمالية حوالي 60 % مقارنة بـ 90% في انتخابات المجلس التأسيسي في 2011 وما يزيد الاستغراب هو أن الناخبين في 2011 هم نفسهم تقريباً في 2014!

وانطلاقاً من هذه النقطة، تطرح عشرات الأسئلة، حول الصور النفسية والعقلية التي كونها سكان تونس بشكل عام، حول الثورة، وما حققته، وما الذي يمكنها أن تحققه في المدى القريب أو المتوسط.

ولعل الحقل الاجتماعي، هو سيكون المعول عليه في تعليل نسبة الانخفاض التي شهدتها الانتخابات التونسية الأخيرة، ذلك أن الديمقرطية – التي كان انعدامها سبباً من أسباب قيام الثورات – لا تطلب لذاتها، بل هي أداة لتحقيق المنافع والمصالح على الصعيد الفردي والكلي، أي أن السياسة وضعت لرعاية مصالح الأمة، وهي توكل حسب عقدها الاجتماعي، من تراه الأكفأ لرعاية تلك المصالح المنشودة .

ولعل مقولات الثورة المصرية تشير إلى البعد الاجتماعي للديمقراطية المنشودة التي يجب أن تحقق: عيش، حرية، عدالة اجتماعية، فما يطلبه الشعب من موكله السياسي هو رعاية مصالحه على الصعيد الداخلي، والخارجي، والسياسي الذي يسعى للفوز بمنصب ما، يضع أمام المنتخبين برامجه التي يحثهم من خلالها على انتخابه، ومن شـأن هذه البرامج أن تنقل المخاطب – الذي سيوازن بين البرامج، أو من المفترض أن يوازن بينها – إلى حال أفضل من الذي عليه .

ومن هذه النقطة التي ثبتناها ننطلق إلى ما قبل الثورة، إلى لحظة خروج البوعزيزي الشاب الذي لم يجد فرصة عمل، حاله مثل حال الكثير، الذي ملوا العيش تحت وطأة الفقر، وعدم الاستقرار، والحرمان من الحقوق الأساسية، فباشروا عدة أعمال، قد لا تكون بالضرورة مناسبة لهم، إلى لحظة خروجه بعربته البسيطة المملوءة بالخضراوات – والتي تقرأ على أنها أقل الممكن من الحقوق-، ومنعه من قبل الشرطة – التي تمثل الوجه الحقيقي للسلطات التي تعد الأنفاس على شعوبها- وصفعه من قبل الشرطية – في مشهد يختصر القمع الممارس على الشعب – إلى لحظة القشة التي قصمت ظهر البعير المتمثل بحرق البوعزيزي لنفسه، التي بدورها مثلت اللحظة المناسبة مادياً ومعنوياً للانفجار الشعبي الذي كان يتغذى ويكبر يومياً بفعل القمع المستمر.

والأحداث التي تلت هذه المشاهد معروفة، لكن ما نريده من سوقها، هو استنطاق الجانب الاجتماعي منها، ووضعه على المحك لمعرفة سبب ما حدث، والتنبؤ بما سيحدث.

في الانتخابات الأولى – والتي بلغت نسبة المشاركة فيها كما أشرنا 90%-، كانت الدافعية مرتفعة، نسبة إلى الحالة الحالمة التي عاشها الشعب آنذاك، فالأحلام والآمال التي كانت تبنى في ذلك الوقت كانت كافية لدفع الناس إلى المشاركة الفاعلة، واختيار ممثلين يعتقد فيهم أنهم من الممكن تحقيق العدالة، ومنحهم المزيد من الوقت، والمزيد من الفرص لتحقيق وعودهم للشعب الذي كان البوعزيري يختصر آلامه بكل تفاصيله.

لكن ما إن بدأت الثورة بالانخطاف، بفعل الدولة العميقة المتجذرة، وبفعل أخطاء من حكم آنذاك، بحكم ارتفاع سقف المطالب، وجدة المستلم لدفة الحكم، وتعقد الحالة، وتعذر الإصلاح الاجتماعي في فترة وجيزة قياساً بمدى الفساد المتجذر سنوات، وعقليات الكثير التي لم تستطع الثورة تغييرها؛ فالثورة بحكم كونها حركة شعبية، تعتبر حالة عاطفية، وليست أداة فكرية أو مصدراً تثقيفياً إلا عندما تستقر، ويتم برمجتها كمشروع فكري، هذه العقليات مهدت لتطويع الثورة لمبادئ العهد القديم في محاولات إعادة توليده من جديد أو في محاولات الثورة المضادة أو في محاولات الفوضى والحرب.

وزادت الحالة الاقتصادية المتردية التي عاشتها جميع دول الربيع العربي الطين بلة، حيث أثرت بشكل سلبي على المشوار السياسي للثورة، حيث بدأ البعض بالتململ منه، والبحث عن طريق الخلاص من مخاطر الركود، مما دفع المال السياسي لطرح برامج سياسية تحت شعارات براقة، وتحقيق مكاسبه الذاتية، مما سبب عزوفاً عن المشاركة السياسية، وجاء العامل الأيدلولوجي ليزيد من تعقيد الوضع، حيث انحصرت كثير من المنافسة السياسية حول الأيديولوجيات كنظريات – وصف السبسي للمرزقي بأنه متطرف-، وماتت المشاريع كأفعال مترجمة أو ستترجم على أرض الواقع – اشتكى كثير من أهل سيدي بو زيد من التهميش، أي إن المنافسة الديمقراطية في البلاد العربية قد يصح القول بأنها تكتسي بعداً أيديولوجياً، مع غياب تنافس الإنجاز،- وهذا قد يعزى إلى حال المنطقة التي ما تزال تستمد رؤاها السياسية من عقلية الحزب الواحد صاحب النظرة الأيديولوجية الواحدة.

فلما غاب الإنجاز، وتعاظم الصراع الأيديولوجي، وظن البعض بأن الساحة السياسية باتت ملعباً تمارس فيه تمرير المصالح الضيقة على حساب المصالح العامة، بدأ العزوف يتبلور كحل أخير، يحمل في طياته تحذيراً للسياسيين، وفي نفس الوقت ينذر هذا العزوف بخطر عودة الماضي بثقله المتمثل في ترك السياسة للسياسيين، والاكتفاء بحالة الانعزال السلبي، الذي يصح لنا تسميته بـالاعتزال السياسي الشعبي، والاكتفاء بلقمة العيش التي كان فقدانها من أسباب التململ الشعبي من الحكام.

قد تكون السياسة ولعبتها في بلادنا لعنة، وقد تبقى لعنة، ما دمنا ننظر إليها كهدف بحد ذاته، لكن ما إن ننظر إليها كوسيلة للخدمة والعمران، وقام على شأنها من يوصف بـ"القوي الأمين" فقد يتغير حالنا، وتصبح آنذاك اللعبة الديمقراطية مجالاً للتنافس الشريف، وتصبح حركتها حركة لولبية في صعود دائم.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة