في سوريا حمّالو حطب يحرِّضون والمُستهدَفون ينتحرون

بعيداً عن أي انحياز أو تبرير لما فعلته فتح الشام مؤخراً، هناك حقائق أكيدة لا بد من وضعها في الحسبان.

الجمعة، 27-01-2017 الساعة 09:17


بعيداً عن أي انحياز أو تبرير لما فعلته فتح الشام مؤخراً هناك حقائق أكيدة لا بد من وضعها في الحسبان عندما نريد أن نتبنى رأياً أو موقفاً عدلاً تجاه ما يجري من اقتتال وصراع على الأرض في هذه الأيام العصيبة.

ليس من الحكمة أبداً أن تبدأ فتح الشام بمواجهة أي فصيل مواجهة عسكرية مهما وصلها من معلومات وأدلة عن إعدادات أو احتمالات باتجاه تعرضها لهجوم أو إخراج من أي فصيل على الأرض.

التداخلات بين الفصائل تجعل لكل فصيل أعيناً وآذاناً داخل غيره، وخاصة فتح الشام داخل الفصائل الأخرى ويصلها الكثير الكثير، ولكن ليس في كل ما يصلها الأمانة والضمانة الكافيتان ليكون جازماً في كل الأوقات والأحوال.

ذكر مستشار كبير كان يعمل مع غرفة الموك منذ ثلاث سنوات، أن هناك أكثر من ثلاثة آلاف عنصر يتعامل مع الغرفة عن طريق ثلاثة متعاقدين في الشمال السوري فقط، ومهمة هؤلاء لا تقتصر أبداً على جمع المعلومات والإحداثيات... وهؤلاء يقبعون في صفوف الفصائل والمجموعات والمدنيين.

الحكمة في أتون الحرب المسعورة التي فيها حمالون كثر للحطب... حمالون موظفون مكلفون، وحمالون تابعون مرددون... هي حكمة تفويت الفرص المهلكة، وليس حكمة الهجوم الوقائي إذا افترضنا وجود التدبيرات أو الاستجابات للضغوطات عند بعض الأفراد في بعض الفصائل ضد فتح الشام.

ولا يمكن أصلاً أن نجزم بوجود فصيل كبير بأكمله يسعى للاحتراب واستئصال فصيل حارب وضحى معه لسنوات طويلة في الأحداث والوقائع... من المؤكد أن نفترض وجود قلة وأفراد ومندسين وبعض المغرر بهم، ومن المؤكد ألا نفترض الجمع والكليَّة.

"خذّل عنا ما استطعت" قول نبوي كريم يصلح أن يكون من أعمدة السياسة الشرعية المعاصرة، وجبهة النصرة تأخرت بالأخذ به وعندما فعلت لم تأخذ به بقوة واستمرار ولم تجعل مع تطبيقاته دعاية موجهة مناسبة وكافية.

قد يعتقد البعض أنه بتطبيق شعار "خذّل عنا ما استطعت" نكسب الدول ونرضي الحكومات، وإرضاؤهم أصلاً غاية لا تُدرك بدون تفريط شديد.

لكن هذا التطبيق يكسب الأصدقاء والمدنيين المحيطين الذين يرون أن الذرائع كلها قد دُفعت ونُزعت وما زال أصحاب الذرائع يظهرون العداوة والبغضاء فيتكاتف الناس مع الفصائل ويرفدونها ضد أعدائها.

ولو تطرف فصيل "فتح الشام" أو أي فصيل آخر في تطبيق الشعار الواضح الجازم؛ "أذلّةٍ على المؤمنين"، كان يمكن للفصيل أن يكسب الناس إلى حد كبير، وأن يضمن منهم الحماية والوقاية والسقاية والرفادة...

وقد يتعارض هذا الشعار مع التشدد الأمني ولكنه تعارض له حلول.

وهناك سياسيون في الداخل والخارج يريدون رصّ الصفوف العسكرية وهم موقنون أن الأطراف المساندة لنظام بشار ليس في أجندتها إلا الحسم العسكري واتفاقيات الاستسلام، ولو تتبع قادة فتح الشام هؤلاء السياسيين ثم انفتحوا تجاههم وتجاوبوا مع طروحاتهم وجهودهم لخذَّلوا عن إخوانهم ولأخرجوا فصيلهم من العزلة التي هو فيها، ولكنهم في فتح الشام بالغوا في انغلاقهم وريبتهم.

وفي فقه العمل الجمعي لم ينجح فصيل الجبهة ولا غيره في تأسيس وتأصيل الإطار العام الجامع الذي يبحث عن مشتركات جامعة مع أوسع طيف ممكن من أطياف الثورة والمجتمع، ثم تكوين الروابط بحدها الأدنى مع كل ألوان الطيف الثوري في هذه المواجهة الكبرى... فأصبح علم الثورة من المحرمات وتسمية سوريا من المكروهات وقد كان بالإمكان وضع عبارة الله أكبر على علم الثورة ثم رفعه احتراماً للذين رفعوه من الثوار الأوائل الذين قضى كثير منهم نحبه وليس فيهم من استحضر سايكس بيكو أو استلهم من الانتداب الفرنسي شيئاً.

وفي تسمية سوريا بدل الشام دفعٌ لمخاوف بعض المتذرعين الذين يستدلون بالتسمية أن هناك ما بعد سوريا إلى جوارها بعد الخلاص من استبداد الأسد... رغم أن تسمية الشام أحلى وأدلّ.

وغاب شعار "خذّل عنّا ما استطعت" عن الآخرين المعادين لفتح الشام وأخواتها أيضاً، بل استُبدل بالتحريض ضدها وضد من يقترب منها.

وتصدى المجلس الإسلامي السوري لهذا الأمر ولم ينظر إلى أهمية توحد وصلابة الجبهة العسكرية المواجهة لروسيا وإيران وستين مليشيا طائفية مع بقايا جيش بشار ومليشياته... غاب عنهم طرح "خذّل عنا ما استطعت" واستبدل بالتحريض ضد فتح الشام وغيرها، ومنذ أكثر من سنة اشتغل المجلس الإسلامي على عزل جبهة النصرة وحذر كل فصائل الجيش الحر منها في اجتماعات رسمية موسعة.

ولمّا تداعت الفصائل العسكرية للتوحد والاندماج بعد سقوط حلب سارع أبرز أمناء المجلس الإسلامي إلى التحذير من الاندماج، بل حرموه، في موجة غريبة لم يفهمها آلاف من الثوار والناشطين إلا أنها حملة مبرمجة تحت الضغط والأمر من دولٍ وجهات.

ثم وصل الأمر بأعضاء المجلس الإسلامي بعد ساعات من اندلاع أحداث الاقتتال الأخيرة إلى إصدار فتوى عاجلة جازمة بالنفير العام، وفتوى بفرضية القتال على كل الفصائل والأفراد ضد فتح الشام، وهم الذين رفضوا أن يصدروا فتوى النفير العام وعينية الجهاد ضد بشار الأسد ومن معه، واستمروا بتجاهل كل الدعوات والنداءات التي وجهت لهم من أجل ذلك على مدى سنة كاملة.

لقد حرّضوا تحريضاً شديداً سافراً باتجاه الاقتتال الذي لم يحسبوا حتى ميزانه وعواقبه... ومع هذا التحريض الذي صدر عنهم بالإجماع لا يستطيع أحد أن يُسكت الألسنة التي اتهمتهم بالتبعية والاستجابة إلى إملاءات الغرب وأجنداته.

لقد دُعي المجلس الإسلامي باستمرار ليلتقي مع كل الفصائل وليحاججها بل ليطلب منها ما يريد، وقيل لأمناء المجلس مراراً حتى من شرعيي الفصائل نفسها تعالوا واسمعوا منّا ثم اطلبوا منّا ما تشاؤون...

وقيل للأمناء: عندما تطلبوا منهم بشكل رسمي موثق أموراً في ثوابت الثورة وأسسها ولا يستجيبون تكونون قد ألزمتموهم الحجة أمام الله وأمام الثوار أجمعين.

والائتلاف السوري أكثر بعداً وكرهاً لشعار "خذّل عنّا ما استطعت"، وقد كان بيده أن يضغط على فتح الشام ومن معها لتُغير وتُبدل في أمور لا بد منها ثم تضغط على الدول المتحكمة لتمسح الاسم من لوائح الإرهاب التي أُعدَّت على الهوى الأمريكي وحده.

وعقد الائتلاف جلسات عديدة ليعلن جبهة فتح الشام إرهابية وأظنه سيفعل في القريب العاجل.

وعلى نهج المجلس والائتلاف يسير المفاوضون، وبعض المفاوضين قبل أن يعود من الأستانة أسهب في ذكر المآسي التي سببتها فتح الشام للثورة وأنكر العشير كله.

الجميع اليوم يتجاوب بسرعة ومهارة مع الإرادة الدولية التي توافق ساداتها على الإبقاء على بشار وعلى القضاء على كل الفصائل التي لن ترتضيه، ويبدؤون بالأكثر تشدداً وسيصلون بلا ريب تباعاً إلى كل فصيل يرفض هذه الإرادة.

اليوم في سوريا حمّالو حطب كثيرون يشعلون ويحرضون والمعنيون المُستهدَفون لا يُدركون ولا يفوّتون الفرص على حمالي الحطب، وينتحرون.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة