في مفهوم تجديد الخطاب الديني

الشروع في تجديد الخطاب الديني في عمومياته هو إحدى خصائص الخطاب الديني الرشيد من حيث هو وفي كل عصر

الأربعاء، 14-01-2015 الساعة 09:18


كثر الحديث خلال هذه المرحلة، عن تجديد الخطاب الديني. وتعالت أصوات كثيرة تدعو إلى وجوب القيام بمراجعة جذرية وشاملة وعميقة للطرق والأساليب والقوالب والصيغ وللمناهج التي تعتمد في مجال تبليغ مبادئ الإسلام وأحكامه وتوجيهاته ومقاصد شريعته إلى الناس كافة، ونشر رسالته السمحة التي تسعى إلى الخير للإنسانية جمعاء، على نحو يجلي الحقائق، ويدحض الأباطيل، ويفند الشبهات، ويوضح معالم الحق للمسلمين، ولكل من يرغب في اكتساب المعرفة الصحيحة عن كل ما يتعلق بالإسلام.

ولئن كانت الدعوة إلى ضرورة الشروع في تجديد الخطاب الديني في عمومياته، والذي يقصد به تجديد تلك الطرق والأساليب والقوالب والصيغ والمناهج، هي إحدى خصائص الخطاب الديني الرشيد من حيث هو، وفي كل عصر، فإن المرحلة الحالية التي يمر بها العالم العربي الإسلامي، حيث تتصاعد موجات الكراهية والتطرف والعنف والإرهاب والتكفير التي انتشرت تحت دعاوى باطلة تتخذ من الإسلام مرجعية لها، تستدعي أن نجعل من تجديد الخطاب الديني، بصورة عامة، قضية تتصدر القضايا المهمة التي نوليها قدراً كبيراً من اهتماماتنا، بدءاً من تحرير هذه المسألة، وانتهاء بتحديد الغايات التي يقصد إليها من وراء هذا التجديد الذي بات من الواجبات الملحة، حتى لا نقول من أوجب الواجبات.

وحتى تكون هذه القضية واضحة الوضوح الكامل، فلا بد أن نقول إن تجديد الخطاب الديني، لا ينبغي أن يكون إضعافاً للدين في حياة المسلمين، بإقصائه أو بالتقليل من تأثيره، أو بالعبث به جهلاً وتفريطاً وانسياقاً مع الأهواء. فهذا الصنيع هو إلى التبديد أقرب منه إلى التجديد، على أي نحو من الأنحاء. وإلى ذلك فإن التجديد للخطاب الديني لا يعني التجديد لأصول الدين وثوابته، فهذه مسائل غير قابلة للتجديد أو التغيير، لأنها أركان يقوم عليها بنيان الإسلام وشريعته.

فالخطاب الديني إنما ينصرف إلى أشكال الدعوة والإرشاد على وجه الإجمال، التي هي ليست خطباً ومواعظ ودروساً يرددها كل من ينهض بهذه المهمة، بل هي في عمقها رسالة تنويرية تهدف إلى بناء العقول وترشيد السلوك، يفترض أن يتصدى لها وينهض بها من يملك مؤهلات وقدرات وإمكانات تجعله عارفاً بمقاصد الإسلام السمحة، ومؤثراً في محيطه، ومنفتحاً، في الوقت ذاته، على المتغيرات التي يشهدها العالم، حتى لا يبقى منعزلاً، منكفئاً على ذاته، يخاطب نفسه، ولا يوجّه خطابه إلى الآخرين.

وللتجديد، سواء أكان للخطاب الديني أم للفكر الإسلامي، ضوابط تحكمه، تنبع من طبيعة الغايات التي يسعى إليها. وما دام التجديد في هذا السياق، يتناول الخطاب الديني عموماً وفي جميع حقوله، فإن الغاية منه هي تجويد هذا الخطاب شكلاً ومضموناً، والارتقاء به، وإكسابه مقومات التكيّف مع العصر، من أجل أن يكون أداة لتبليغ الرسالة الإسلامية، ووسيلة لبناء الإنسان الذي يعرف دينه، وينفتح على عصره، ويندمج في محيطه، ويحترم من يخالفه في المعتقد والرأي والموقف وأسلوب الحياة، ويتحاور معه، ولا ينأى بنفسه عنه، أو يتخذ منه عدواً له لمجرد أنه يختلف معه في أمور كثيرة.

وإذا كان هذا الضرب من التجديد في الخطاب الديني، ضرورة مؤكدة تحتمها طبيعة الحرب التي تشن ضد الإسلام دين السماحة والمحبة بين البشر واللين في القول والرفق في المعاملة والسلام في الأرض، فإنه واجب ديني يرقى إلى مقام الواجبات الشرعية؛ لأن الردّ على الهجمات التي يتعرض لها الدين الحنيف، سواء من الداخل أو من الخارج، أي من داخل عالم المسلمين أو من خارجه من قبل المتطرفين المتعصبين الكارهين للإسلام جملة وتفصيلاً، مسؤولية مشتركة بين جميع مَن له صلة بالعمل الإسلامي العام، على تعدد قنواته وتنوع مجالاته واختلاف أغراضه.

وليس التجديد الذي نقول به ونؤكد عليه مجاراةً لما جرى في الغرب على سبيل المثال من فصل للدين عن الدنيا. وليس هو العمل المرتجل، أو الثائر العنيف الذي يفسد ولا يصلح، ولكنه التجديد الحكيم، والرشيد، والمسؤول، الذي يراعي مقاصد الشرع ويأخذ بفقه الأولويات، ويضع القائمون عليه في اعتبارهم المصلحة العامة والضرورات التي تقدر بقدرها، من دون تجاوز للثوابت في نصوص القرآن الكريم وصحيح الحديث النبوي. فهذه النصوص لا يلحقها التجديد، لأنها هي الثوابت القطعية والقواعد الكلية للدين الحنيف.

وليس من الحكمة ولا من العقل الراجح في شيء، أن نلتمس من التجربة الغربية في مجال التجديد الديني، وهو مصطلح ينطبق على ما جرى في الغرب خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين من صراع بين الكنيسة والمفكرين العقلانيين معياراً لما نريده من التجديد الذي ننشده ويتوجب أن نعمل من أجله. فإذا كانت المسيحية الغربية قد عرفت ما يذكر في التاريخ بالثورة على الدين، فإن تجديد الخطاب الديني في العالم الإسلامي، لا ينبغي أن يسير في هذا الاتجاه، لاختلاف طبيعة المسيحية ومقاصدها التي ثار عليها الغرب، وطبيعة الإسلام ومقاصده التي يحيا بها المسلمون. كما أن إطلاق الكلام على عواهنه بنقد النصوص الدينية واتهام الأمة الإسلامية كافة بأنها تريد القضاء على غيرها من أمم العالم، هو تجنٍّ غريبٌ وتفكير عجيب لم يصدر حتى من أشد أعداء الإسلام في أي عصر من العصور. فالتطرف الذي تتصف به قلة من المسلمين، هو انحراف عن الصراط المستقيم، وشذوذ لا يمكن أن يعمم على مليار ونصف المليار من المسلمين في العالم اليوم.

نعم، العالم الإسلامي يحتاج إلى حركة تجديدية فكرية وعلمية وفقهية وثقافية متناسقة ومحكمة، ومحكومة بالضوابط الشرعية، وتقوم على العلم والمعرفة والدراية والإحساس بالمسؤولية، وبالتقدير العميق لأمانة العلم، ولمسؤولية الفكر، ولرسالة أهل الذكر والإصلاح، لتعيد الفرع إلى أصله، ولتقوّم ما اعوج من سلوك بعض المسلمين، ولتطلق القوة الإصلاحية الكامنة في الدين في حياة الناس، لأنها جاءت أصلاً لإحيائها. قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم». فالإسلام دين الحياة والانفتاح، ويجب أن يحمى من دعاة الموت والانغلاق.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

مصادر إعلامية: صور المراقبة تظهر نقل أحد الأشخاص حقيبة من إحدى السيارتين إلى الأخرى