في مواجهة "إيبولا"

تفشي وباء إيبولا المرعب في أربعة بلدان على الأقل في غربي أفريقيا (غينيا، وليبيريا، وسيراليون، ونيجيريا) لا يتطلب استجابة طارئة لوقف تفشي المرض فحسب.

السبت، 23-08-2014 الساعة 08:41


تفشي وباء إيبولا المرعب في أربعة بلدان على الأقل في غربي أفريقيا (غينيا، وليبيريا، وسيراليون، ونيجيريا) لا يتطلب استجابة طارئة لوقف تفشي المرض فحسب؛ بل يستدعي أيضاً إعادة النظر في بعض الافتراضات الأساسية بشأن الصحة العامة العالمية. نحن نعيش في عصر حيث تظهر أمراض معدية جديدة وتعاود أمراض أخرى الظهور، وهي أمراض قادرة على الانتشار بسرعة عبر الشبكات العالمية. ولهذا فإننا في احتياج إلى نظام عالمي لمكافحة الأمراض يتناسب مع الواقع على الأرض. ومن حسن الحظ أن هذا النظام في المتناول إذا استثمرنا على النحو اللائق.

إن مرض الإيبولا هو الأحدث في سلسلة من الأوبئة التي تفشت مؤخراً، والتي تتضمن أيضاً الإيدز، ومرض سارس، وأنفلونزا الخنازير، وأنفلونزا الطيور، وغيرها من الأمراض. والإيدز هو المرض الأشد فتكاً بين هذه الأمراض القاتلة، فقد حصد أرواح ما يقرب من 36 مليون شخص منذ عام 1981.

بطبيعة الحال، سوف يظل احتمال ظهور أوبئة أوسع انتشاراً وأكثر فجائية قائماً، مثل أنفلونزا عام 1918 أثناء الحرب العالمية الأولى، التي حصدت أرواح خمسين إلى مئة مليون إنسان (أكثر من الأرواح التي حصدتها الحرب ذاتها). ورغم النجاح في احتواء وباء سارس في عام 2003 حيث تسبب في وفاة أقل من 1000 شخص، فإن ذلك المرض كان على وشك تعطيل الحياة في العديد من اقتصادات شرقي آسيا بما في ذلك الصين.

هناك حقائق بالغة الأهمية ينبغي لنا أن نفهمها جيداً بشأن الإيبولا وغير ذلك من الأوبئة. فأولاً، أغلب الأمراض المعدية الحديثة حيوانية المنشأ، بمعنى أنها تبدأ في قطعان الحيوانات، وتحمل في بعض الأحيان تحوراً جينياً يمكنها من الانتقال إلى البشر. وربما انتقل مرض الإيبولا من الخفافيش؛ وكان منشأ فيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز حيوان الشمبانزي؛ كما نشأ مرض سارس على الأرجح من نوع من السنورات المتداولة في أسواق الحيوانات في جنوبي الصين؛ ونشأت سلالات الأنفلونزا مثلH1N1 وH7N9 من إعادة توليف بعض التركيبات الوراثية للفيروسات بين الحيوانات البرية وحيوانات المزارع . إن الأمراض الحيوانية المنشأ الجديدة سوف تظل قدراً محتوماً ما دام البشر يواصلون التعدي على أنظمة إيكولوجية جديدة (مثل مناطق الغابات النائية سابقاً)؛ وسوف تخلق صناعة المواد الغذائية المزيد من الظروف الملائمة لإعادة التركيب الجيني؛ كما يعمل تغير المناخ على خلط المواطن الطبيعية والتفاعلات بين الأنواع.

ثانياً، من المرجح بمجرد ظهور مرض معد جديد أن يكون انتشاره بالغ السرعة عبر رحلات الخطوط الجوية والسفن، والمدن الكبرى، والتجارة في المنتجات الحيوانية . وتُعَد هذه الأمراض الوبائية من السمات المميزة الجديدة للعولمة، والتي تفضح من خلال سلسلة الموت التي تخلفها من ورائها مدى الضعف الذي أصبح عليه العالم بسبب تمكين البشر والسلع من الانتقال والانتشار على نطاق واسع.

وثالثاً، الفقراء هم أول من يعاني وهم الأشد تضرراً. فالفقراء في المناطق الريفية يعيشون بالقرب من الحيوانات المصابة التي تنقل المرض أولاً. وهم كثيراً ما يصطادون ويأكلون لحوم حيوانات الأدغال، الأمر الذي يجعلهم عُرضة للعدوى. والواقع أن الأفراد من الفقراء، وهم أميون عادة، لا يدركون عموماً كيف تنتقل الأمراض المعدية خاصة الأمراض غير المألوفة، الأمر الذي يجعلهم أكثر عُرضة للعدوى وأكثر ميلاً إلى نقل العدوى إلى آخرين. فضلاً عن ذلك، ونظراً لسوء التغذية والافتقار إلى القدرة على الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية، فمن السهل أن تتغلب على أجهزتهم المناعية الضعيفة أشكال العدوى التي يستطيع الأفراد الأفضل تغذية والأوفر حظاً النجاة منها.

وبسبب الظروف السيئة طبياً، حيث لا يتوفر سوى قِلة من العاملين المحترفين في مجال الصحة، إذا توفروا على الإطلاق، لضمان الاستجابة الصحية العامة اللائقة لأي وباء (مثل عزل الأفراد المصابين، وتتبع المخالطين، والمراقبة، وما إلى ذلك) فإن تفشي المرض الأولي يكون أكثر حدة.

فرغم زيادة الاستثمارات في مجال الصحة العامة بشكل كبير بعد عام 2000 على النحو الذي أدى إلى نجاحات ملحوظة في معارك ضد الإيدز والسل والملاريا، فإن النقص كان ملحوظاً مؤخراً في الإنفاق العالمي على الصحة العامة نسبة إلى المطلوب.

والواقع أن البلدان المانحة، التي فشلت في توقع التحديات الجديدة والقديمة والتعامل معها بالشكل اللائق، فرضت على منظمة الصحة العالمية أزمة ميزانية منهكة، في حين انخفض تمويل الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا إلى ما دون المبالغ اللازمة لتحقيق النصر في الحرب ضد هذه الأمراض.

وهذه قائمة قصيرة بما نحتاج إلى القيام به على وجه السرعة. فأولاً، لابد أن تعمل الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، ودول الخليج، وبلدان شرقي آسيا، على إنشاء صندوق مرن بقيادة منظمة الصحة العالمية لمكافحة وباء الإيبولا الحالي، ربما بقيمة أولية تتراوح بين خمسين إلى مئة مليون دولار، في انتظار المزيد من التطورات. وهذا من شأنه أن يتيح الاستجابة السريعة من قِبَل أجهزة الصحة العامة على النحو الذي يتناسب مع التحدي المباشر.

ثانياً، يتعين على البلدان المانحة أن تسارع إلى توسيع ميزانية الصندوق العالمي وتعزيز تفويضه، بحيث يصبح صندوقاً للصحة العالمية مخصصاً للبلدان ذات الدخل المنخفض. ويتلخص هدف الصندوق الرئيسي في مساعدة البلدان الأكثر فقراً لإنشاء الأنظمة الصحية الأساسية في كل الأحياء الفقيرة والمجتمعات الريفية، وهو المفهوم المعروف بالتغطية الصحية الشاملة.

والحق أن المنطقتين الأعظم احتياجاً إلى العمل العاجل هما منطقة جنوبي الصحراء الكبرى في أفريقيا ومنطقة جنوبي آسيا، حيث الفقر المدقع والظروف الصحية الأسوأ على الإطلاق، وحيث تتفشى حتى الآن أمراض معدية يمكن الوقاية منها والسيطرة عليها.

وأخيراً، يتعين على البلدان المرتفعة الدخل أن تستثمر بشكل مستمر وبالقدر الكافي في مراقبة الأمراض العالمية، وقدرات منظمة الصحة العالمية في ما يتصل بإمداد المحتاجين بالمساعدة والعون، وأبحاث الطب الحيوي المنقذ للحياة، والتي قدمت بشكل منتظم فوائد هائلة للبشرية على مدى القرن الماضي. وعلى الرغم من شُح الميزانيات الوطنية، فمن التهور والاستهتار أن نجعل قدرة البشر على البقاء معلقة على اعتبارات مالية.

(الخليج الإماراتية)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة