قارب الموت أمل النجاة

قصص ومشاهد تعكس خذلان وظلم العرب وانسلاخهم بالكامل من أي شكل من أشكال الإنسانية.

الخميس، 03-09-2015 الساعة 12:52


مرعبة تلك القصص التي نسمعها عن هجرة المسلمين إلى بلاد الغرب بحثاً عن الأمن والأمان المفقودَين في بلداننا، بخاصة بعد أحداث العراق وسوريا ثم مصر واليمن، مروراً بليبيا، فضلاً عن أحداث بورما والصومال وغيرها من بلاد المسلمين.

قصص ومشاهد تعكس خذلان وظلم العرب، وانسلاخهم بالكامل من أي شكل من أشكال الإنسانية، وتخليهم عن أخلاق أسلافهم وأجدادهم العرب الذين اشتهروا وتميزوا بها، وكانت لهم عنواناً أيام الجاهلية حتى جاء الإسلام ورسخها وتممها، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

العرب الذين كانوا يكرمون الضيف، ويوفون بالعهود والمواثيق، ويتنزهون عن الكذب.

العرب الذين كانوا يجيرون الأجير ويحمونه ويموتون دونه، بل ويقيمون الحروب لأجله إذا أعطوه الأمان وقبلوا استجارته؛ كما فعل هانئ بن قبيصة الشيباني عندما أجار النعمان بن المنذر وأهله وودائعه، بعد أن فر النعمان من كسرى واستجار بهانئ فقال له هانئ: "قد لزمني ذمامك، وأنا مانعك مما أمنع نفسي وأهلي وولدي منه ما بقي من عشيرتي الأدنين رجل".

وبعد أن غدر كسرى بالنعمان، أرسل لهانئ رسولاً ليحضر ما عنده من نساء النعمان وسلاحه وعتاده، وقال له: لا تكلفني أن أبعث إليك ولا إلى قومك بالجنود تقتل المقاتلة وتسبي الذرية. فأبى هانئ أن يسلم ما عنده التزاماً بعهده مع النعمان حتى بعد مقتله، فكانت واقعة ذي قار المشهورة التي انتصر فيها العرب على الفرس؛ فقامت حرب عظيمة وسالت فيها دماء كثيرة

دفاعاً عن الرجل الذي دخل في جوارهم حتى غلبوا الفرس.

وقد وثق أحد شعراء الجاهلية حق المستجير وإلتزام العرب بحمايته والدفاع عنه بقوله:

إني إذا الجار لم تُحَفظ محارمه***ولم يقبل دونه هيد ولا هاد

لا أخذل الجار بل أحمي مباءته***وليس جاري كعس بين أعواد

حتى جاء الإسلام ووثق هذا المبدأ الأخلاقي العظيم، فقد أجار النبي صلى الله عليه وسلم من استجار بامرأة من نساء المسلمين، عندما فر بعض الكفار يوم فتح مكة ودخلوا بيت أم هانئ وسألوها أن تجيرهم ففعلت وذهبت للنبي فأخبرته، فقال لها- كما في رواية البخاري-: ((مَرْحَباً بِأُمِّ هَانِئٍ .. قدْ أَجَرنَا مَنْ أَجَرتِ يَا أُمَّ هَانِئ)).

هذه امرأة مسلمة استجار بها كفار فأجارتهم، فما بالك بالمسلمين المستضعفين الفارين من بطش الكفار؟ فإن الأمر عند الله عظيم، وخذلانهم والتخلي عنهم أعظم.

فأين العرب اليوم من هانئ بن قبيصة الشيباني، وأين هم اليوم من أم هانئ، وأين هم من أخلاق أجدادهم، ونحن نرى يومياً مئات وربما آلاف الضحايا من السوريين والعراقيين ومن باقي بلدان المسلمين، ينتهي مصيرهم ليكونوا طعاماً للأسماك في البحار والمحيطات، بعد أن يموتوا غرقاً في رحلة المجهول وهم يستقلون قارب الموت في أمل النجاة إلى بر الأمان، هاربين من أوطانهم، تاركين أموالهم وبيوتهم، خوفاً على أرواحهم، وحفاظاً على أعراضهم، بعد أن استباحها الطغاة المتجبرون.

إن مما ينافي مبادئ الإسلام، وأخلاق العرب، وقيم الحضارة والإنسانية، أن تغلق الدول العربية أبوابها في وجوه الفارين من جحيم الحروب المفروضة عليهم في ديارهم، ويمنعوا أبناء عمومتهم وقبائلهم من إيوائهم والتخفيف عنهم، بما لهم من حق عليهم في الإسلام والعروبة والقرابة والجيرة.

قصص تشيب لها الولدان لما حل بهذه الشعوب المقهورة من كوارث ومصائب جعلتهم يفرون في رحلة الموت إلى أرض غير أرضهم، وأقوام غير أقوامهم، نروي لكم جانباً منها لعلها تُسهم في تحريك الشارع العربي للقيام بواجبه الشرعي والأخلاقي تجاه اللاجئين المسلمين.

أحد الناجين من موت محكم في رحلة المجهول يقول:

اتفقت مع مهرب ليقلني من تركيا إلى إيطاليا بحراً، وبعد معاناة لمدة أيام جاء موعد صعود المركب الذي اكتظ بالهاربين من الموت، رجالاً ونساء وأطفالاً، لينقلنا هذا المركب إلى سفينة كبيرة وسط البحر منها إلى إيطاليا، وما إن انطلقنا حتى أضعنا الطريق في البحر، وبعد عدة ساعات من التيه وسط الخوف والرعب الشديدين وصلنا إلى السفينة المقصودة التي تنتظر وصولنا ووصول قوارب أخرى وسط البحر حتى يكتمل العدد المفترض بما يقارب خمسمئة راكب، وفور وصولنا، وقبل أن نصعد إليها، تحركت السفينة بسرعة وبشكل غريب ومفاجئ، وتركتنا وسط عباب البحر في ظلام الليل الدامس، وحُبسنا لساعات طوال والبحر الهائج تتلاطم بنا أمواجه لا نعرف سبيلاً للرجوع، وامتلأ قاربنا بالمياه وغرق جزء منه، حتى سلمنا أمرنا لله وتيقنا جميعاً أن لا نجاة لنا من الموت، ولم يبق لنا إلا الدعاء والاستغفار فقد أوشك القارب على الغرق.

حتى تمكن أحدنا من الاتصال بخفر السواحل التركية فجاؤوا على الفور وأنقذونا، ثم تبين أن سبب فرار السفينة بهذه الصورة المفاجئة، أن المهرب الصغير صاحب القارب الصغير، لم يسلم المال إلى المهرب الكبير صاحب السفينة الكبيرة، فغادرت السفينة نكاية به وتركتنا وسط البحر نواجه الموت لولا تدخل عناية الله لنا وإنقاذنا من موت محتم.

مشهد يعكس لك جشع ووحشية هؤلاء التجار المهربين، وانعدام الأخلاق والمروءة والإنسانية لديهم .

ويقول لاجئ آخر: ركبت قارباً مطاطياً أنا وزوجتي وابنتي ومعنا آخرون متوجهين إلى جزر اليونان؛ أملاً أن ننطلق منها إلى أوروبا، حلم اللاجئين، وبعد انطلاق القارب بمسافة، قفز سائقه إلى البحر عائداً إلى مركز انطلاقه ناكثاً وعوده وعهوده قائلاً: عليكم الوصول لمبتغاكم بدوني أو تبقون وسط البحر، مشهد آخر يصور لنا إجرام هؤلاء المهربين وخستهم.

وتقول امرأة سورية: جمعت كل ما لدي من مال لدفعه ثمن خروج ولدي الصغير إلى أوروبا على أمل أن يجمعني وأخوته بعد فترة معه، وبعد الاتفاق مع أحد المكاتب لتأمين المبلغ عنده -حالي حال كثير من العوائل- نفاجأ بعد أيام بإغلاق المكتب وهروب أصحابه وبصحبتهم ملايين الدولارات من أموال الناس المساكين، التي كانت أمانات عندهم، فما استطعت إخراج ولدي، وﻻ حفظت مالي، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ويضيف لاجئ آخر: لقد رأيت الموت بعيني وأنا على وشك الغرق وسط البحر حتى نجاني الله، وما زالت مشاهد الرعب والخوف تشكل لي كابوساً مرعباً كلما تذكرتها.

وذكر لي شاب عراقي وصل اليونان بعد معاناة كبيرة في رحلة بحرية رافقها الرعب والخوف.

يقول: وصلت اليونان ليضعوني ومعي شخصان آخران في خزان للبانزين داخل شاحنة كبيرة أُعد لهذا الغرض، لا نستطيع الحركة ولا الكلام، ولا الوقوف أو الجلوس، وعلينا أن نستلقي على ظهورنا لمدة ثلاثة أيام حتى نصل لمحطتنا الثانية!!

يدفع اللاجئ مبالغ كبيرة في سبيل الوصول إلى بر الأمان، وهي معاناة أخرى تضاف إلى معاناة هؤلاء الناس، فمنهم من استدان ليفر إلى بر الأمان، وآخر باع بيته ومسكن عياله الوحيد، وآخر تخلى عن مصدر رزقه فباعه بثمن بخس، وكثير منهم يتعرضون لعمليات نصب واحتيال تذهب بها كل أموالهم، ليبدأ الواحد منهم مشوار حياته من جديد يتسول الشارع بحثاً عن لقمة خبز يسد بها جوع أهل بيته.

مشاهد وحوادث وقصص هؤلاء المستضعفين تدمي قلوبنا وتعكس حقيقة خذلان الدول العربية لهؤلاء المنكوبين، وتوجب علينا نحن الشعوب، أفراداً وجماعات، أن نسارع إلى تقديم يد العون والمساعدة لهم تجسيداً لمعاني الإنسانية والأخلاق الحميدة.

اقض الحوائج ما استطعت *** وكن لهمِّ أخيك فارج

فلخير أيام الفتى *** يوم قضى فيه الحوائج

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

مصادر إعلامية: صور المراقبة تظهر نقل أحد الأشخاص حقيبة من إحدى السيارتين إلى الأخرى