قراءات في مجزرة سوق دوما الشعبي

مجزرة سوق دوما الشعبي المروعة لم تكن المجزرة الأولى ولن تكون الأخيرة، إنما هي مشهد من مسلسل قتل للشعب السوري.

الأربعاء، 19-08-2015 الساعة 14:54

مجزرة سوق دوما الشعبي المروعة؛ لم تكن المجزرة الأولى ولن تكون الأخيرة إنما هي مشهد في حلقة من مسلسل طويل بأجزائه الأربعة الحافلة بمشاهد القتل اليومي الذي عاشه ويعيشه الشعب السوري منذ أن قرر الخلاص من نظام الأسد بكل ما يتضمنه هذا التعبير من تفاصيل.

 

ما حدث في ‫‏دوما‬‬ من مجزرة مروعة بحق المدنيين العزل؛ تعبير حقيقي عن وحشية من يقاتلهم السوريون من برابرة العصر والقتلة المأجورين المستوردين من كل أصقاع الأرض.

 

مجزرة سوق دوما الشعبي، هي النتيجة الحتمية لتخاذل المجتمع الدولي في دعم حرية الشعب السوري، وهي بالضرورة ناتج طبيعي للحديث عن حتمية الحل السياسي "التوافقي" الذي يمنح رأس نظام دمشق الحصانة ضد أي ملاحقة قانونية.

 

عندما يصرح وزير خارجية روسيا "لافروف" الداعم الرئيس لشخص بشار الأسد، بعد ساعات على مجزرة دوما بقوله: "دون أي خجل ندعم الرئيس الشرعي للجمهورية السورية"، نتيجة هذا التصريح سيكون مزيد من المجازر تنتظرها المدن السورية.

 

لنقرأ مجزرة دوما في سياقاتها ومحدداتها في تفاصيل اليوميات السورية. جاءت المجزرة المروعة على خلفية انهيار المفاوضات بين الاحتلال الإيراني لسوريا وفصيل أحرار الشام الثائر، التي حصلت على تفويض أهل الزبداني للحديث والتفاوض باسم المنطقة، ومن جهة أخرى انخراط تشكيلات من جيش الإسلام الذي يتخذ من دوما مقراً له، في معارك قريتي "كفريا، والفوعا" المواليتين لنظام دمشق في ريف إدلب شمالي البلاد.

 

عجز نظام الأسد ومليشيا ايران بفصائلهم كافة من اقتحام الزبداني، وقيام فصائل معارضة بقطع مياه عين الفيجة في وادي بردى عن مدينة دمشق، والتي تعتبر المصدر الرئيس الذي يغذي العاصمة السورية بالمياه، بغية الضغط على نظام الأسد وإيران التي تتحكم وتدير تفاصيل العمليات القتالية في الزبداني وغيرها من الجبهات ضد الشعب السوري، من أجل فك الحصار عن الزبداني أو وقف القصف عليها في أضعف الإيمان.

 

كما يذكر أن نظام الأسد استلم ستة طائرات "ميغ 31" الروسية الصنع الحديثة وهي من الطائرات الاعتراضية، إضافة إلى تسلم العديد من الصواريخ من طراز كورنت 5 المتطورة ومدفعية ميدان من عيار 130 ملم ضمن خطة بين روسيا وسوريا.

 

يبدو واضحاً مما سبق أن المجزرة لم تكن عشوائية بل مدبرة، وهي بمثابة الرد العملي على فشل إيران في "الزبداني".

 

أثناء زيارة ستيفن أوبراين مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية الجديد إلى دمشق.

قامت طائرات الاسد بارتكاب مجزرتها المروعة التي أزهقت زهاء مئة وعشرة أرواح بشرية، كان لهم عائلة أب وأم وأطفال، في سوق شعبية مزدحمة كان الضحايا يبحثون فيها عما يسد رمق أطفالهم، بينما كان الأطفال يحاولون عبثاً أن يساعدوا أهلهم على صعوبة الحياة التي فرضها عليهم نظام الأسد من خلال الحصار الجائر وبراميل الموت التي لا تفرق بين كبير وصغير.

 

ارتكبت طائرات الأسد جريمتها في ظل الصمت الدولي المطبق الذي أصبح سمة المجتمع الدولي عندما يتم الحديث عن مجازر الأسد بحق سوريا الوطن والإنسان.

 

بينما كان وزير إعلام النظام "عمران الزعبي" في طهران يندد بالعصابات الإرهابية والدول الداعمة لها ويشيد بصمود جيشة الباسل أمام المؤامرة الكونية ضد نظامه، قال الزعبي: إن أي مسار سياسي يمس الشعب السوري وخياره وحكومة سوريا وقيادتها "هو خيار فاشل وساقط ولا محل له من الإعراب"، وأضاف أن الأسد سيظل رئيساً لـسوريا إلا إذا قرر الشعب السوري خلاف ذلك.

 

مجزرة سوق دوما الشعبي وما قاله عمران الزعبي في طهران، يمكننا القول إلى حد بعيد إنهما رسالتان للمجتمع الدولي والمجتمع المحلي، أن نظام الأسد لن يتنازل عن السلطة في سوريا مهما كلفة الأمر، وأن الضغط عليه ورفض مقترحاته أو تقديم مقترحات تتضمن زوال نظامة نتيجتها الحتمية ما حصل في سوق دوما الشعبي.

 

وفي حقيقة الأمر هي رسالة إلى كل شخص يعتقد بحتمية الحل السياسي للأحداث في سوريا بل هي صفعة على وجهه لو كان يشعر، لون الدم على سواد ساحات دوما كان قطع آخر شعرة أو أمل في أي حديث عن حل سياسي في سوريا.

 

كيف يتخيل أحدهم أن أهل دوما وغيرها من المدن والبلدان في عموم سوريا ستتعايش مع من قتلهم وشردهم وفعل فيهم ما لم يفعله أي غازٍ في التاريخ وما أكثرهم.

 

الشيء المخجل المضحك المبكي أن يستغل محازبو قائد ما يعرف بـ "جيش الإسلام" هذه المجزرة للتدليل على صواب سياسة زهران علوش الرافضة فتح أي معركة مع النظام في قلب العاصمة دمشق، الأمر الذي تعتبره أطراف أخرى معارضة تخاذل زهران علوش في تقديم الدعم لبقية الجبهات القريبة في القلمون الشرقي.

 

وتعتبر مشجب يعلق به زهران علوش ومشايخه خذلانهم لمعظم مناطق ريف دمشق عبر سنوات الثورة الأربع.

 

إذا كانت كل نتيجة تلزم بالضرورة عن مقدمات لها، نستطيع القول إن سقوط معظم مناطق القلمون "قارة عدرا فليطة يبرود" على مرأى ومسمع زهران علوش وجيشة "جيش الإسلام" الذي رفض أن يقدم لهم أي نوع من أنواع الدعم رغم المناشدات الكثيرة له بأن يفعل دون أي استجابة منه، كانت نتيجته الحتمية أن تصل دوما إلى ما وصلت إليه اليوم من حصار ودمار، بعد سقوط كل تلك المناطق بيد مليشيا إيران وبقاء "دوما" معلقة في الهواء نتيجة سياسة زهران علوش ومشايخة الحكماء، الذين أصروا وما زالوا يصرون على منع فتح أي جبهة في عمق دمشق لتجنيبها الدمار على حد وصفهم فجنوا على دوما والشعب السوري ويلات الدمار والفرقة وفتحوا الباب على مصراعيه لأصحاب مشروع التخوين وشق الصفوف.

 

اليوم بات الجميع يطرح تساؤلاً واحداً، هل تحتاج دوما انتفاضة على غرار ما حدث في إدلب ضد "جمال معروف" قائد جبهة ثوار سوريا، التي فتحت باب الانتصارات الاستراتيجية وأصبحت مضرب المثل في إنجازاتها الثورية.

 

هنا لا نتحدث عن زهران علوش بشخصه بل بصفته قائد جيش الإسلام وما يمتلكة من قوة عسكرية ضاربة.

 

الذي أصبح همه الوحيد أرضاء أمريكا حتى لو تطلب ذلك أن يتخلى عن رايته ويرفع علم الثورة السورية حسب ما نقل عنه، ويسوق نفسه على أنه الفصيل الإسلامي الأكثر اعتدالاً وتنظيماً والأقدر على أن يحل مكان الأسد في حال سقوطه.

 

كاتب وباحث سوري

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة