قراءة أمريكية لحرب أهلية في العراق

وزارة الداخلية العراقية سرحت من الخدمة أيضا عدة آلاف من قوات الأمن السنية الأخرى، في الأسابيع القليلة الماضية.

الجمعة، 25-12-2015 الساعة 20:00


تناقلت أنباء عن موقع الكونغرس الأمريكي الرسمي 11 ديسمبر/كانون الأول2015 أخباراً عن تزايد المخاوف الأمريكية من حرب طائفية جديدة في العراق، وقد ذكرتها الكاتبة "كريستينا ونغ" في مقالة لها بتاريخ 2015/11/12، بأن تزايد هذه المخاوف هو لدى إدارة أوباما نفسها، حيث ترى إدارة أوباما تزايد أعمال العنف الطائفية الجديدة في العراق بمجرد أخذ الجيش أراض من داعش في العراق وسوريا، فقد كان دخول المليشيات الشيعية لمدينة تكريت سبباً في وقوع مذابح بشرية وعمليات قتل ونهب وحرق لمساكن ومحلات تجارية تعود للسكان العراقيين السنة، باشرتها قوات الحشد الشعبي، التي يقودها هادي العامري المشهور بمواقفه الطائفية الداخلية، وولائه الخارجي للقيادة الطائفية في إيران.

ولا تخفي هذه القراءة الأمريكية أن هناك: "مسؤولين في الحكومة العراقية ذات الغالبية الشيعية المتحالفة مع إيران يتخذون خطوات لتوطيد السلطة، منها عمليات تطهير بهدوء للعراقيين السنة من ملفات من الجيش"؛ أي إن هناك سياسة ممنهجة متبعة لدى الحكومة العراقية في بغداد متفقاً عليها مع إيران ومجمعاً عليها بين القيادة السياسية في بغداد مع كافة المليشيات الشيعية المسيطرة على الأرض، باستبعاد أي شخص عراقي من أصل عربي وقومي وسني، وبالأخص في المناصب العليا، فلا يكون صاحب قرار سياسي أو صاحب صلاحيات أمنية أو عسكرية، وإذا ما تم تعين أحد من هؤلاء لأسباب الخداع الإعلامي والسياسي، فينبغي أن يكونوا فارغين من القيادة الحقيقية، وعاجزين عن الصلاحيات العسكرية، وأن يبقى دورهم إدارياً وشكلياً فقط.

على هذا الأساس تم تسريح عدة مئات من كبار المسؤولين السنة من الجيش العراقي، واستبدالهم بأعضاء من قيادات فيلق بدر، وهي المليشيا الشيعية التي تم إنشاؤها في إيران قبل إسقاط نظام الحكم السابق، والتي لا تزال على تواصل وتعاون مع إيران، وفقاً لمسؤول أمريكي ومصادر في المنطقة.

وقالت المصادر الأمريكية إن وزارة الداخلية العراقية سرحت من الخدمة أيضاً عدة آلاف من قوات الأمن السنية الأخرى، في الأسابيع القليلة الماضية، مع الاستمرار في اعتقال و"اختفاء" الآلاف من العراقيين السنة، هذا اعتراف صريح بأن الحكومة العراقية وأجهزتها الأمنية الرسمية والشعبية تمارس سياسة طائفية، مرتبطة بنفوذ إيران المتغلغل في الحكومة والدولة والأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية، حتى أن المسؤول الأمريكي الذي زار مؤخراً المنطقة، قال:" هذه القراءة واضحة جداً ولا تحتاج منا إلى جهد للتأكد ممّا نقول، وإن هذه المشكلة لا يزال الأمريكيون يواجهونها مع المسؤولين العراقيين منذ عشر سنوات".

تقول القراءة الأمريكية بكل صراحة إن: "واحداً من أكبر التحديات التي تواجه الإدارة الأمريكية في العراق هو النفوذ المتنامي لإيران المجاورة"، وبالتالي فإن تحرير أي محافظة عراقية من أيدي داعش سيكون محل مخاوف حقيقية من الإدارة الأمريكية بتعرضها إلى حرب أهلية، سواء كانت محافظة الرمادي أو الموصل، أو غيرها، فكل مدينة سنية معرضة للإبادة البشرية، ولذلك تخشى الإدارة الأمريكية أن يتم تحويلها إلى قوات جوية للنفوذ الإيراني في العراق، في طرد داعش أولاً، وأيضاً للقيام بحرب أهلية بين المليشيات الشيعية والحشد الشعبي ضد السكان العراقيين من السنة، الذين ستكون تهمتهم هي وقوفهم إلى جانب داعش قبل إخراجها من هذه المدن والمحافظات، بأيدي المليشيات الطائفية والطيران الأمريكي، ممّا يجعل الجيش الأمريكي شريكاً في الحرب الأهلية ضد المواطنين العراقيين السنة.

السناتور في الكونغرس الأمريكي ليندسي غراهام (RS.C)، وهو مرشح للرئاسة، يقول: "إن هذا غير صحي بالنسبة لنا"، وذلك بعد زيارته الأخيرة للعراق قبل شهر، فهو يرى عدم التوازن في القوة العسكرية بين المواطنين العراقيين الذين لا يؤيدون داعش، ويقول بأن القوة العسكرية المقاتلة الأكثر فتكاً على الأرض خارج المناطق الكردية في العراق هي بأيدي المليشيات الشيعية التي تسيطر عليها إيران.

وفي الرؤية الأمريكية يقول غراهام: "إننا لإيجاد توازن نحتاج إلى الجيش العراقي المقتدر، وكيف تعيد تنظيمه؟ مع حضور أكثر للغرب أو إرسال المزيد من القوات الأمريكية، وعن طريق جيل من العراقيين الذين يتمكنون من إفشال المليشيات الشيعية"، فالرؤية التي يقدمها السناتور غراهام عدم تقديم الدعم الأمريكي للجيش العراقي الحالي، الذي تسيطر عليه المليشيات والقيادات العسكرية الطائفية؛ لأن هذه القيادات تأخذ الأسلحة من أمريكا، وتنفذ بها الأوامر الإيرانية.

هذه القراءة محيرة للإدارة الأمريكية كيف يمكن إخراج العراق من هذه الأزمة الطائفية، فهذا الرأي يشارك فيه السناتور الأمريكي جون ماكين، وهو رئيس لجنة الخدمات المسلحة في مجلس الشيوخ، وقد زار العراق مع السناتور غراهام، ويقول زيادة عنه: "إنه غير متأكد ممّا يمكن عمله لجعل العراق موحداً"، وقال جون ماكين:" الحقيقة هي أن الإيرانيين لهم التأثير الطاغي في العراق اليوم"، مؤكداً مقولة أمريكية أصبحت قناعة ثابتة تقول: "رأيت اليد الثقيلة لإيران في الاجتماعات التي أجريناها مع قادة مختلفين من العراقيين، بما في ذلك العبادي".

هذه القراءة الأمريكية لن تستطيع أمريكا التوصل إلى نتيجة فيها، لأنها وهي تتعامل مع أحد الأطراف العراقيين؛ وهي الحكومة والأجهزة الأمنية والعسكرية الطائفية بعلمها وحكمها، فإنها وبعلمها وسكوتها تقوم بتنفيذ الأوامر الإيرانية دون معارضة أمريكية قوية، وفي نفس الوقت تخضع الإدارة لابتزاز المليشيات الطائفية العراقية والإيرانية فتمتنع عن تسليح المواطنين العراقيين السنة ولو بهدف محاربة داعش فقط؛ أي إن أمريكا لا تدعم الطرف الآخر في العراق؛ وهو الطرف السني، ولا تسمح بأن يكون له علاقات قوية مع محيطه العربي والتركي والكردي بكل حرية، بل تسمع وتخضع لكل التهم الطائفية التي أصدرها نوري المالكي والعبادي من بعده وغيرهم بأن وجود علاقات تعاون بين الدول العربية مع العراقيين السنة هو تدخل في الشؤون الداخلية العراقية، حتى لو كانت هذه العلاقات مع الحكومة التركية التي ترتبط بعلاقات جيدة معها؛ أي إن أمريكا تصنع المشكلة وتتذمر منها.

قد تكون أمريكا في الحقيقة متذمرة فعلاً من النفوذ الإيراني في العراق، ولكن طريقة تحرير النفوذ الإيراني من العراق لن تكون إلا عن طريق سياسة أمريكية متوازنة، ومن خلال انتخاب حكومة عراقية ممثلة لكل العراقيين، ولها علاقات قوية مع جيرانها العرب والأتراك، وليس حكومة طائفية خاضعة للأوامر الايرانية، أو خاضعة للمراجع المذهبية الشيعية العليا، فخضوع الحكومة العراقية للمراجع المذهبية الشيعية العليا سوف يبقي هذه الحكومة والدولة العراقية دولة وحكومة طائفية بامتياز، فإذا لم تعمل أمريكا على تغيير سياستها نحو مخلفات احتلالها العسكري للعراق بحزم وحكمة، فإن التذمر والتحذير الأمريكي سيبقيان على حالهما، والخطورة أن يسير باتجاه معاكس وأخطر لما هو موجود اليوم، فهو إذا لم يعالج أمريكياً ودولياً إما أن يؤدي إلى زيادة نفوذ داعش، أو الذهاب فعلاً إلى حرب أهلية طاحنة، والخشية أن تكون هذه الحرب الأهلية رؤية أمريكية لاستنزاف إيران والدول العربية لسنوات قادمة.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة