قراءة في خطاب الحملة الانتخابية لأردوغان

مع احتدام المنافسة الانتخابية في تركيا للوصول إلى قصر شنكايا الرئاسي في أنقرة، قام رئيس الوزراء التركي ومرشح الرئاسة عن حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان بزيارة مدينتي سامسون وأرضروم في شمال شرق تركيا أمس، حيث شارك في عدة إفطارات رمضانية، وألقى عدة خطابات في المدينتين وسط حضور جماهيري كبير.

الاثنين، 07-07-2014 الساعة 18:41


مع احتدام المنافسة الانتخابية في تركيا للوصول إلى قصر شنكايا الرئاسي في أنقرة، قام رئيس الوزراء التركي ومرشح الرئاسة عن حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان بزيارة مدينتي سامسون وأرضروم في شمال شرق تركيا أمس، حيث شارك في عدة إفطارات رمضانية، وألقى عدة خطابات في المدينتين وسط حضور جماهيري كبير.

وجاء خطاب أردوغان الذي جمع بين السياسة والاقتصاد، وبين الإشادة والانتقاد، جاء بعضه عاطفياً يخاطب القلوب بلغة الإنسانية والمشاعر المتدفقة، وبعضه الآخر منطقياً يحدث العقول بلغة الأرقام والإحصاءات، في الوقت الذي يسعى فيه الزعيم التركي ليحظى بلقب أول رئيس منتخب من قبل الشعب في تاريخ الجمهورية التركية. ويمكننا خلال السطور التالية المرور على أبرز دلالات الخطاب الانتخابي لأردوغان.

حاول أردوغان بذكاء الإشارة إلى مكانة الشعب التركي، ودوره في اتخاذ القرار واختيار رئيسه من دون وسطاء أو وكلاء، حيث قال أردوغان: "إن الأمة التركية هي التي ستختار رئيسها الجديد، في العاشر من شهر آب/أغسطس المقبل، وليس أعضاء البرلمان كما كان يجري في السابق". وفي هذه الكلمات دعوة واضحة إلى الشعب لأخذ دوره في مستقبل جديد لتركيا.

وبروح عالية من التسامح حرص أردوغان على إظهار عدم تفريقه بين مكونات الشعب التركي حيث قال: "التفرقة بين البشر ليست من صفاتنا؛ لأننا نحب المخلوق من أجل الخالق، ولا نفرق بين الأتراك والأكراد واللاز والشركس والجورجيين؛ لأن الإنسانية موجودة فينا، فالله الذي خلقني خلقكم أيضاً، والبعض يمارس السياسة بالامتطاء على القومية الكردية والبعض يمارسها أيضاً بالامتطاء على القومية التركية، أما نحن فدخلنا معترك السياسة من أجل 77 مليون تركي، ولدينا وجود في كافة الولايات التركية".

من جهة أخرى لم يتورع أردوغان عن جلد المعارضة التركية بأسواط انتقاداته بذكر عدم قدرتها على الإتيان بمرشح من داخل صفوفها، ولا سيما حزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية.

ويذكر في هذا الإطار أن 5 أحزاب معارضة قد توافقت على إحسان أوغلو مرشحاً توافقياً، والذي بدوره قام بزيارة بعض المدن التركية، إلا أن اللقاءات التي كان يحضرها لم تتميز بالحضور الحاشد والكبير كما في لقاءات أردوغان.

ومن اللطائف الانتخابية أن إحسان أوغلو أراد أن ينزل إلى الجمهور، فأجرى حواراً مع المارة في شوارع مدينة سكاريا التركية، وعندما تجاذب أطراف الحديث مع أحد الشبان قال له الشاب: "جئت من الطريق الخطأ مع احترامي لك رئيس وزرائنا أردوغان بالنسبة لنا شيء مختلف".

وفي ذات الإطار صب أردوغان من جديد جام غضبه على رجل بنسلفانيا، في إشارة إلى زعيم حركة الخدمة فتح الله جولن، محاولاً الاستفادة مما حققه الاستقطاب الناشئ عن معاداة الجماعة من تحفيز وزيادة للتكاثف حول حزب العدالة والتنمية. وهنا يشار إلى أن جولن قد أرسل رسالة قبل أيام تدعو إلى التسامح وعودة العلاقات الأخوية، وقد وضعت عدة علامات استفهام حول أهدافها.

وعوداً إلى لغة الإحصاءات قام أردوغان بعرض للإنجازات التي قام بها حزب العدالة والتنمية في تركيا، مبشراً بإكمال المسيرة من خلال الإشارة إلى قدرة حزب العدالة والتنمية على تغيير ملامح المدن التركية، بما شهدته من نهضة اقتصادية ومعمارية.

وأضاف أردوغان: "تركيا خطت خطوات واسعة في تعزيز قوة اقتصادها، بارتفاع حجم الصادرات من 36 مليار دولار إلى 156 مليار دولار، والدخل القومي من 230 مليار دولار إلى 820 مليار دولار"، قائلاً: "في السابق كانت أسعار الفائدة التي تفرضها الدولة 63%، أما الآن فسعر الفائدة يتكون من خانة واحدة، فلاحظوا الفرق، وأقول إنه يجب أن يخفض أكثر من ذلك، فكلما تدنت أسعار الفائدة زاد معها حجم الاستثمارات في البلاد".

ووصولاً إلى النموذج الأمريكي في الحكم، لم يخف أردوغان تطلعاته إلى زيادة زخم صلاحيات منصب الرئاسة في تركيا، حيث قال أردوغان إن رئاسة الجمهورية ليست لإجراء اللقاءات الدبلوماسية فقط.

وفيما يتعلق بالشأن الدولي، وبالرغم من أن الدعاية الانتخابية تتركز على الشأن الداخلي، إلا أن ذلك لم يمنع من التأكيد على الوقوف مع الشعب المصري في مواجهته لتداعيات الانقلاب على الرئيس محمد مرسي، عندما رفع أردوغان إشارة رابعة وذكر الجمهور بأسماء البلتاجي ابنة القيادي الإخواني محمد البلتاجي التي قتلت خلال اعتصامات رابعة في العام الماضي. فيما لم يتطرق أردوغان للشأن السوري أو العراقي أو قضايا إقليمية أخرى في المنطقة.

وبمسحة من التواضع قال أردوغان: "من التراب جئنا وإلى التراب نعود"، في إشارة إلى نبذه للتكبر والعنجهية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن صحيفة (حريت) المعارضة ذكرت بشكل غير مباشر أردوغان بصفة التكبر، عندما عرضت صورة للمرشح إحسان أوغلو وهو يدخل منحنياً من باب قصير لزيارة أحد المقامات الصوفية، وعلقت على الصورة "غير المتكبرين فقط يمكنهم الدخول".

وبإبحاره عبر التاريخ التركي لم يغفل أردوغان ذكر محمد الفاتح ومن سماهم أجداده الفاتحين، رابطاً ذلك بمسيرة التنمية والتطوير على خطاهم، والإنشاءات والجسور التي سميت بأسمائهم، فضلاً عن تحقيق مشاريع كانوا يحلمون بتحقيقها.

وعبر منظور أوسع للعمق الاستراتيجي التركي المتمثل في أحد أبعاده بالعمق الإسلامي لتركيا من المشرق إلى المغرب، قال أردوغان: "إننا على ذات الطريق الذي سار عليه صلاح الدين الأيوبي وطارق بن زياد".

وعلى النقيض تماماً نجح أردوغان كمن يسير على حبل رقيق في عدم إغفال النهج العلماني الذي تقوم عليه الدولة التركية، من خلال الإشارة عدة مرات في الخطاب إلى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية.

وإجمالاً فقد بدا خطاب أردوغان الجامع لمعظم الشؤون المحلية خطاب الواثق بنفسه، كما لوحظ بوضوح الشعبية الكبيرة التي يحظى بها، والراحة النفسية المرسومة على وجهه مقارنة بالحال قبيل الانتخابات المحلية في مارس/آذار الماضي، ويرجع ذلك إلى أن نجاح الانتخابات المحلية شكل رافعة ودفعة معنوية لأردوغان ليتحدث بمنطق الخارج منتصراً من معركة لتوّه. وربما يرجع إلى التوقعات القائلة إن أردوغان سيفوز بالانتخابات الرئاسية دون الحاجة إلى الذهاب إلى جولة ثانية؛ بسبب الشعبية الكبيرة التي يحظى بها، وبسبب مواقف الحزب الأخيرة من التقارب والمرونة بشأن عملية السلام مع الأكراد. ويتوقع أيضاً وصول نسبة المشاركة في الانتخابات إلى أكثر من 75% ممن يحق لهم التصويت، ما لم تحدث مستجدات تؤثر على العملية الانتخابية ومخرجاتها.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة