قراءة في عودة العلاقات التركية الإسرائيلية

ضمن سياسية فن الممكن قبلت تركيا ما اقترحته إسرائيل بقبول دخول المساعدات التركية لغزة المحاصرة.

الثلاثاء، 28-06-2016 الساعة 15:46


ربما يرى البعض أن الاتفاق الذي حصل بين تركيا وإسرائيل على عودة العلاقات بين البلدين كسابق عهدها بأنه تنازل، أو بيع للقضية الفلسطينية من قبل الحكومة التركية، أو تركيا بشكل عام، لكن المتبصر بعين الواقعية سيرى أن هذا الاتفاق وإن سمي بالتطبيع ليس وليد اللحظة؛ فتركيا لديها علاقات مع إسرائيل منذ عام 1949، وكانت تركيا ثاني دولة مسلمة كبيرة تعترف بإسرائيل بعد إيران.

لكن هذه العلاقة تقلصت لأقل مستوى له خلال السنوات الست الماضية، خاصة بعد حادثة مافي مرمرة، تلك السفينة التي انطلقت من الشواطئ التركية ضمن قافلة الحرية باتجاه غزة لكسر الحصار عنها، وما تم بعدها من اعتداء من الجيش الإسرائيلي عليها، ومقتل تسعة من النشطاء الأتراك، وإصابة العشرات، واشترطت تركيا لعودة العلاقات لسابق عهدها ثلاثة شروط: الاعتذار، ودفع التعويضات لعائلات القتلى والجرحى، ورفع الحصار عن قطاع غزة المحاصر، إسرائيل بدورها رضخت للشرط الأول، وقام رئيس الوزراء الإسرائيلي بالاعتذار لتركيا رسمياً عام 2013، وقبلت تركيا الاعتذار، لكنها أبقت الدعوات القانونية التي أقامها الأتراك على المسؤولين الإسرائيليين قائمة في المحاكم التركية حتى يتم دفع التعويضات للعائلات التركية.

والآن، وبعد ثلاث سنوات، وافقت إسرائيل على الشرط الثاني، وقبلت بدفع التعويضات، هذا يعني ضمنياً اعتراف إسرائيل بذنبها بقتل النشطاء الأتراك، وهنا يعني إسقاط الدعاوى المقامة ضد ضباط إسرائليين تلقائياً، أما الشرط الثالث وضمن سياسية فن الممكن قبلت تركيا ما اقترحته إسرائيل بقبول دخول المساعدات التركية لغزة المحاصرة، وإنشاء مشفى تركي هناك، وتولي أمور محطة توليد الطاقة والماء، وبهذا ستكون تركيا بتماس مباشر مع الناس في غزة، وهو عملياً أفضل من إرسال المساعدات التي تنتهي في حينها، هذا إن وصلت لأهالي القطاع، وهنا استطاعت تركيا أن تكسر الحصار الذي لم يستطع أحد فكه عن غزة، وإن كان بشكل غير مباشر، حتى إن بعض الصحف الإسرائيلية؛ مثل هآريتس وجوراليزم، اعتبرت هذا الاتفاق نجاحاً للدبلوماسية التركية، وأن الفائز الأكبر هو حماس وتركيا، وأن تركيا اليوم ليست تركيا الأمس التي كانت تستورد الكثير من احتياجاتها للأجهزة، والقطع، والتكنولوجية العسكرية، وخاصة صواريخ كروز، والطائرات بدون طيار، وتحديث الدبابات العسكرية، وغيرها، أما اليوم فهي من الدول التي تصدّر تلك الأجهزة والتكنولوجيا، لكن السؤال هنا لماذا بهذا الوقت؟ وهل الظروف المحيطة بتركيا لها دور في هذا الاتفاق؟

لا شك أن الحرب القائمة في سوريا وما تلاها من تبعات اقتصادية وأمنية خطيرة على تركيا، والدعم الصريح من الولايات المتحدة الأمريكية لحزب PYD وحدات حماية الشعب الكردية، المصنف تركياً بأنه حزب إرهابي، ومحاولته السيطرة على الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا تحت مسمى قوات سوريا الديمقراطية، وتزامن ذلك مع إعلان حزب العمال الكردستاني المصنف حزب إرهابياً في تركيا، والمدعوم من الجارة إيران، إنهاء حالة الهدنة القائمة مع الحكومة التركية، وبدء عملياته المسلحة في الجنوب التركي، وعمليات التفجير الإرهابية في مدن تركية (أنقرة وإسطنبول) وما لها من تأثيرات سلبية في السياحة في تركيا، والتوتر الكبير في العلاقات التركية الروسية بعد إسقاط تركيا طائرة حربية روسية في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، والأضرار الكبيرة التي لحقت بالتجارة الخارجية التركية لروسيا، وتجاهل الولايات المتحدة الأمريكية للمخاوف التركية لما يحدث على حدودها جنوباً، كل هذه الأسباب جعلت تركيا تفكر في حليف الأمس، وخصوصاً بعد التقارب الروسي الإسرائيلي في الأزمة السورية، وتواجد قوات روسية على الأراضي السورية، فمن المصلحة القومية التركية عدم التقارب الروسي الإسرائيلي، وخاصة أن إسرائيل محرك السياسة العالمية، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط.

كان لا بد لتركيا أن تقوم بخطوة نحو الأمام لإعادة العلاقات الطبيعية لمكانها، والاستفادة من هذه العلاقة بما يخدم الشعب الفلسطيني بشكل عام، وأهل قطاع غزة بشكل خاص، ولهذا سيتم إرسال عشرة آلاف طن من المساعدات الإنسانية لقطاع غزة، يوم الجمعة، انطلاقاً من ميناء مرسين في تركيا، لتصل لمحتاجيها في القطاع، وبهذه المساعدات تكون أول خطوة عملية مفيدة للشعب الفلسطيني بدلاً من الشعارات الرنانة التي لا تغني ولا تسمن من جوع في زمن الكلمة فيه للأقوى.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة