قصة التنصت على أردوغان بين الداخل والخارج

ادّعى "أردال أكسونجور" النائب عن حزب الشعب الجمهوري أن المخابرات الأجنبية تتنصت منذ 8 أعوام ونصف على أردوغان.

الأربعاء، 15-07-2015 الساعة 10:50


تعرض العديد من زعماء العالم لعمليات تنصت من وكالة الأمن القومي الأمريكي، منهم رئيسة الوزراء الألمانية أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي هولاند، وقد كان لكليهما استنكار كبير وعلني على هذا التجسس الأمريكي، ليس على الرئيسين فقط، وإنما لما يمثله من اعتداء على دولتيهما، فالتنصت على أي رئيس وزراء أو رئيس جمهورية هو اعتداء على تلك الدولة التي يرأسها، وليس على شخص الرئيس فقط، فالتنصت المقصود على أسرار تلك الدولة أو الحكومة التي تباشر بعض أعمالها من خلال الاتصالات الهاتفية، التي من المفترض أن تكون خاضعة لأقصى درجات المراقبة ضد التنصت والتجسس الداخلي والخارجي.

فإذا ما وقع التنصت أو التجسس على شخصية كبيرة وتم العلم بذلك، وبالأخص عبر وسائل الإعلام العالمية، فإن الدولة المتنصت على رئيسها أمام خيار واحد وهو الدفاع عن نفسها، والاستنكار على أعلى المستويات السياسية، دون تجاهل حق الشكوى والتحاكم لدى الجهات المعنية، وقبل كل ذلك انتظار الاعتذار الرسمي على التجسس الذي وقع عليها، وأن يكون علنياً، كما أن فضح عملية التنصت أصبحت علنية ومعروفةً للجميع.

هذا السياق لا يمكن استثناء الحكومة التركية ورؤسائها ووزرائها منه، فقد تتعرض لعمليات تجسس من جهات داخلية أو خارجية، وبالأخص أن هناك من يمارس التنصت في عملية تجميع المعلومات، دون أن يكون هدفه العداء أو الإساءة إلى الرئيس أو الدولة التي يتم التنصت عليها، ولكن عندما يتم الكشف عن عمليات التنصت من جهات داخلية أو خارجية فإن ذلك لا بد أن يُحمل على أنه عمل عدائي لتلك الدولة، حتى لو كان من مهمات جمع المعلومات الاستخبارية فقط، ولذلك فإن الكشف عن عمليات تنصت وقعت في تركيا تعرض لها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ولمدة ثمانية سنوات، لا بد من التأكد منه أولاً، واستنكاره ثانياً، والتفكير السليم في معالجته ثالثاً.

أما التأكد منه فقد ادّعى "أردال أكسونجور"، نائب حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة في تركيا عن مدينة إزمير غرب البلاد، أن أجهزة المخابرات الأجنبية تتنصت منذ ثمانية أعوام ونصف على الرئيس رجب طيب أردوغان على مدار الأربع والعشرين ساعة، وقال أكسونجور، الذي زعم أنه اطلع شخصيّاً على وثائق تثبت تنصت أجهزة المخابرات الأجنبية على أردوغان: "ينبغي النظر بصورة جادة لما وراء التقرير الذي نشرته مجلة فوكس الألمانية التي ساقت فيه ادعاءات عن قيام وكالة الأمن الوطني الأمريكية بالتنصت على الاجتماع الذي عقدته السلطات التركية في مقر وزارة الخارجية في مارس/آذار 2014 بشأن مناقشة سيناريوهات واحتمالات شنّ عملية عسكرية ضد سوريا"، حسب زعمه.

هذا الزعم بعملية التنصت على أردوغان أعلنه نائب حزب الشعب الجمهوري في تصريحات أدلى بها في مؤتمر صحفي نظمه في المقر العام للحزب في أنقرة، أي أعلنه في مكان عام وعلى العلن وأمام الصحفيين، وهذا الإعلان وإن كان من حزب معارض لرئيس الوزراء في ذلك الوقت، ومن حزب منافس لحزب العدالة والتنمية، فهو قبل كل ذلك اعتداء على تركيا، ومن واجب كل الأحزاب السياسية في السلطة والمعارضة أن تدافع عن رئيس وزرائها عندما يتعرض لعملية تجسس أو تنصت خارجي، وبالأخص من وكالة الأمن القومي الأمريكية، لأنه تنصت على رئيس حكومة تركية- بغض النظر عن الحزب الذي ينتمي إليه- هو في النهاية يمثل الثقل الأكبر لأصوات الناخبين من الشعب التركي بحسب النظام السياسي البرلماني.

والفكرة التي حاول أكسونجور شرحها بأن "جميع شبكات الإنترنت الكبرى الرابطة بين القارتين الأمريكية والأوروبيّة تخرج من بريطانيا، حيث إن 90 في المئة من الشركات الموجودة في وادي السليكون تعمل مع وكالة الأمن القومي الأمريكي، وهي فتحت لها باباً خلفياً عندها، بمعنى أن لديها القدرة على سحب جميع المعطيات، لدرجة أنها تستطيع سحب كل شيء موجود داخل أجهزة الحاسوب الموجودة بين أيدينا اليوم. وإنها تنصتت على أردوغان طيلة ثمانية أعوام ونصف العام على مدار 24 ساعة. وهذا مثبت بالوثائق. ومع أن الجميع لم يطلعوا على هذه الوثائق، لكننا رأيناها".

هذا الشرح من أكسونجور لا يقلل من خطورة عملية التنصت التي تشمل ما يقرب من 10 آلاف شخص من تركيا، جميعهم مدرجون على قائمة وكالة الأمن الوطني الأمريكية، فهذا لا يقلل من خطورة التنصت، وأن عملية التجسس مخالفة للقانون، مهما كانت درجة خطورتها، أو الأشخاص الذين يتم التنصت عليهم، ولو بطريقة مهنية فاضحة لأسرار الناس الشخصية، أو أسرار المسؤولين السياسيين أو العسكريين، فالتسريبات تقول بأن عمليات التنصت تناولت إضافة لعمليات التنصت على الرئيس أردوغان التنصت على العملية العسكرية لنقل رفات سليمان شاه، وعمليات أخرى أشرف عليها رئيس جهاز المخابرات التركية خاقان فيدان، التي أثارت ضجة إعلامية وأمنية قبل الانتخابات المحلية التي وقعت في أواخر شهر مارس/ آذار 2014، في حملة إعلامية مضادة لحزب العدالة والتنمية اتهمت فيها جماعة الخدمة التابعة لفتح الله جولن في ذلك الوقت.

هذا من ناحية معلومات عملية التنصت، وأما عملية الاستنكار فقد أثارت الحكومة التركية الكثير من التنديد بعملية التنصت على الاجتماع الأمني الذي حضره وزير الخارجية التركية داود أوغلو في ذلك الوقت، مع رئيس المخابرات الوطنية التركية خاقان فيدان، مع رؤساء هيئة الأركان التركية وهي تبحث احتمالات التحرك العسكري في سوريا إذا ما تعرضت تركيا لأي أعمال استفزازية، وقد تبع عملية التنديد بهذه الفضيحة الأمنية في ذلك الوقت عملية اتهام لجماعة الخدمة التابعة لفتح الله جولن، وتم اعتقال الكثير من عناصر الجماعة، وأخيراً تم وصف جماعة الخدمة بالكيان الموازي، وأدرج على لوائح التنظيمات الإرهابية في الكتاب الأحمر لمجلس الأمن القومي التركي، أي بجعله منظمة إرهابية ينبغي اتخاذ أشد تدابير الحذر والحظر لعناصره، وتقديمهم للمحاكمة والسجن إذا ثبت تورطهم بعمليات تنصت أو تجسس على مسؤولي الدولة التركية، مهما كانت صفتهم السياسية أو العسكرية أو مناصبهم الأمنية، فالاستنكار الرسمي التركي توجه إلى التنديد بعمليات التنصت أو التجسس التي قام بها الكيان الموازي، وكان أحد أسباب الاستنكار المخاوف من أن تصل أخبار هذا التنصت إلى أجهزة الاستخبارات الخارجية والعالمية، وهذا بلا شك تهديد للأمن القومي التركي، ولكن ما هو خطر في التهديد للأمن القومي التركي أن تكون عمليات التنصت من وكالة الأمن القومي الأمريكي على رئيس الوزراء التركي متواصلة لمدة ثمانية سنوات ثم لا يصدر بيان رسمي يندد بهذا التنصت، فعدم التعليق عليه من أية جهة تركية رسمية، يعني أن الحكومة التركية أرادت التحقق منه أولاً، وتحديد الجهة المسؤولة عنه ثانياً، ومعالجته مع أمريكا بطريقتها الخاصة الصامتة ثالثاً.

هذا الصمت من جانب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء أحمد داود أوغلو وحكومته تجاه ما نشرته مجلة فوكس الألمانية في تقرير لها حول تنصت وكالة الأمن القومي الأمريكي (NSA) على الاجتماع الذي عقدته السلطات التركية في مقر وزارة الخارجية في 30 مارس/ آذار 2014 ثم قامت بتسريبه، فجّر تساؤلات عديدة من المعارضة التركية ومن المارقين للحدث التركي، فلماذا لم تتهم تركيا أمريكا بعمل عدواني؟ أم أن الحكومة التركية لا تصدق المجلة الألمانية؟ أو تعتبره نوعاً من إفساد العلاقات التركية الأمريكية؟

إن الحكومة التي يرأسها حزب العدالة والتنمية وجهت تهمة التسجيلات المسربة وعمليات التنصت على أردوغان والكثيرين من المسؤولين الأتراك، التي تم تداولها على مواقع الإنترنت قبل أيام من موعد الانتخابات المحلية في 30 مارس/آذار 2014، إلى حركة الخدمة فقط، وكل ما تم بعدها ولو من باب المعلن منه كانت اعتقالات ومحاكمات لكل المتهمين بالانتماء للكيان الموازي، أي للعناصر المتورطين التابعين لجماعة الخدمة التابعة لفتح الله جولن، وهذا يكشف أن السلطات التركية توجه التهمة للعناصر التركية التي قدمت خدمة لوكالة الأمن القومي الأمريكي للقيام بعمليات تنصت على الرئيس أردوغان أو على المحاضر السرية لمجلس الأمن القومي التركي، فالمعالجة التركية هي توجيه التهم والمحاكمة العادلة لمن خانوا أمن الوطن وخانوا شعبهم وأمتهم بتقديم هذه التسهيلات لوكالة الأمن القومي الأمريكي أو غيرها.

من هنا، ينبغي توجيه الأنظار إلى عدالة المحاكمات التي تجري على أعضاء جماعة الخدمة، فمن يثبت إدانته قضائياً بعمليات التنصت والتجسس فهؤلاء هم الذين ينبغي إدخالهم في تنظيم الكيان الموازي، واعتباره من التنظيمات الإرهابية، ومن لا تثبت إدانته بالتورط بعمليات التنصت والتجسس فهؤلاء ينبغي إطلاق سراحهم وإعادتهم إلى أعمالهم بغض النظر عن التيار السياسي أو التوجه الفكري والأيديولوجي الذي ينتمون إليه، سواء كان موافقاً لأفكار حزب العدالة والتنمية أو مخالفاً لها، فتهمة الإرهاب وتهمة الكيان الموازي ينبغي أن تحصر بمن قام بعمليات تنصت وتجسس ضد الأمن القومي التركي، وهذا ما يحدده القضاء التركي وحده فقط.

قد يكون من الطبيعي أن تتنصت الدول بعضها على بعض، ما توفرت لها الفرص والظروف للقيام بذلك، ولكن لا بد من التفريق بين عمليات تنصت تتم من خلال شبكات الإنترنت الدولية، وبين ما يتم من خلال مواطنين من الدولة التي يتم التجسس عليها، فإذا كانت أمريكا تتجسس على تركيا شبكياً وإنترنتياً فهذا من الممكن أن يكون مقابل عمليات تنصت للحكومة التركية على أمريكا وغيرها، فأجهزة الاستخبارات لا عمل لها إلا جمع المعلومات السرية، بغض النظر عن الطريقة التي توفر لها هذه المعلومات السرية، ولكن من حق الدول التي يتم التنصت عليها محاكمة مواطنيها إذا كانوا متورطين بتسهيل عمليات التجسس، ولكن لا بد من محاكمة عادلة لتحديد من قام بتقديم التسهيلات التقنية في عملية التجسس، فهل المعلومات التي كشفت عنها جماعة الخدمة عن كشف أخبار المحاضر السرية لمجلس الأمن القومي التركي قد حصلت عليها من وكالة الأمن القومي الأمريكي، وقامت هي بنشرها وكشفها في تركيا فقط، أم أن عناصر الكيان الموازي هم من قاموا بعمليات التنصت والتجسس أولاً، وهم من قاموا بنقل هذه المعلومات السرية إلى وكالة الأمن القومي الأمريكي ثانياً؟ لا شك أن هناك فرقاً بين العملين، وإن كان كلاهما عملاً يضر بالأمن القومي التركي ويستحق المحاكمة والعقوبة أيضاً.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة