قصتي مع ثورة 25 يناير

شعب مصر اليوم يواجه العالم أجمع ويصدى لكل جبابرة الأرض وطغاتها وما السيسي وعسكره إلا واجهة للنظام الدولي.

السبت، 29-08-2015 الساعة 09:34


في 24 يناير 2011 كنت متوجهاً من الشام إلى القاهرة فك الله أسرهما، فالمدينتان اليوم أسيرتان بأيدي الطغاة فراعنة عصرهم. وصلت مطار القاهرة وكنت على موعد لإجراء الامتحانات النهائية تمهيداً لاستكمال دراسة الماجستير في الإعلام. وفي اليوم المبارك تفاجأت بإيقافي في مطار القاهرة، ثم حجزي لعدة ساعات منتظراً ضابطاً لإجراء التحقيق في أمر أجهله، حتى تبين لي أنها "إجراءات لمكافحة تمرد شعبي مرتقب مدعوماً من خارج مصر"، بحسب رواية الأجهزة الأمنية المصرية.

وبعد وصول الضابط المحقق بدأ بأسئلة عن أنشطتي في العراق، وهو ينظر إلى شاشة كمبيوتره، متلقياً توجيهاته من خارج مبنى المطار. وكانت بعض المعلومات دقيقة وقديمة تعجبت منها ثم زال العجب عندما عرفت أن جهاز أمن الدولة المصري "سيىء الصيت"، له ارتباطان رئيسيان الأول؛ مع الأمريكيين بشكل مباشر دون أن يمر بأي حلقات أمنية أخرى، والثاني مع مبارك من خلال نائب له، والارتباطان لا يتقاطعان بل يلتقيان وينسقان المهام لأن السيد وتابعه يعملان في مؤسسة واحدة. كما ثبت لي يقيناً بما لا يقبل الشك، أن الدوائر الأمنية في المنطقة تلتقي عند دائرة أمنية مركزية مسؤولة عنهم جميعاً، وفيها يتبادلون المعلومات الأمنية التي تخص تحركات الأشخاص، بدليل أنهم فاجؤوني بمعلومات سرية ودقيقة حصلت معي في العراق وسوريا! بعدها أنهى أسئلته قائلاً: "لا أملك قراراً بإطلاق سراحك حتى تأتيني الأوامر من الجهات العليا، وواجبي فقط التحقيق معك، إلى ذلك الحين تبقى محجوزاً عندي".

وجلست ساعات طويلة أنتظر رد الجهات العليا بحسب وصف المحقق، خلالها قلبت ذاكرتي وراجعت تحركاتي في مصر أبحث عن سبب وجيه لاعتقالي، حتى جاء الأمر من جهاز أمن الدولة أخزاهم الله بإرسالي مخفوراً لهم دون أن يُثبتوا على جواز سفري ختم دخول مصر. "بمعنى أدق أني وصلت مطار القاهرة ثم اختفيت". أخرجوني من المطار موثوق اليدين، معصوب العينين إلى جهة مجهولة، بعدها أدركت أنهم أدخلوني في سجن تحت الأرض. وأولى التعليمات التي أبلغوني بها عند وصولي قائلين؛ لا نريد أن نسمع لك صوتاً ولا همساً ولا نرى لك حركة، وإن أردت شيئاً فأشر بيدك فقط. وفوراً طلبوا مني تزويدهم بكلمة السر الخاصة بالكمبيوتر المحمول الذي أصطحبه معي، ثم استدعوني وأنا على حالتي من الوثاق وعصب العين وأول جملة قالها لي المحقق ما كنت أخشاها فقالها بالحرف الواحد: "أحنه خطفناك من المطار...الجن الأزرق مش حيعرفلك طريق".

ثم بدأ يسألني أسئلة ويتوعدني بالويل والثبور ثم جاءه إتصال هاتفي استدعاه خارج الموقع فقال: "ده حظك.. راجعلك.. مش حغيب كتير.. وأوريك"، فجعلت أستغفر الله وأتعوذ من شر هذا الخبيث. بعدها بحمد الله لم أر هذا المحقق ولم أسمع صوته. مرت عشرة أيام لم أُستدع فيها للتحقيق، ولم يكلمني فيها أحد، لكنهم غيروا المحقق بآخر لين سهل، وعلى مدار سبعة أيام أجرى معي فيها تحقيقاً مكثفاً، لكن طيلة هذه الفترة أنا ومن معي من المعتقلين لا نعلم ما يجري خارج أسوار السجن من أحداث في مصر. وكان السجانون يتصرفون بشكل طبيعي دون أن يُشعرونا بوجود ثورة عارمة اجتاحت كل محافظات مصر، وأن الشعب المصري يملأ الشوارع ومصمم على تغيير النظام ولن يرجع حتى يحقق أهدافه.

مرت علي مشاهد داخل السجن ما تزال عالقة في ذهني لا تفارق مخيلتي سوف أذكر منها مشهداً واحداً إذ لا يتسع المقام للتوسع. طوال فترة السجن أنا وجميع المعتقلين ما تزال أيدينا موثوقة، وعيوننا معصوبة حتى أثناء تناول الطعام وتأدية الصلاة، وأذكر أن شاباً مصرياً ملتزماً كان بجانبي وكان يُسبح ويذكر الله كثيراً فارتفع صوته قليلاً دون أن يشعر، فسمعه أحد السجانين فأسمعه كلاماً بذيئاً ثم عاقبه بأن يأخذ وضعاً ليس واقفاً وقوفاً تاماً، ولا جالساً جلوساً مستريحاً، ولمدة ساعات طوال، تصرف إجرامي يعكس حقيقة ذلك النظام القمعي الحاقد على الأمة وأجهزته الأمنية المريضة التي تربت على الإجرام، التي تتلذذ بعذاب الناس، وغيرها من مشاهد التعذيب النفسي والجسدي. حتى جاء يوم 12 فبراير/شباط ليخبرني هولاء الظلمة بقرب إطلاق سراحي، فخرجت بعد ثمانية عشر يوماً ما أزال أتذكرها بدقائقها وثوانيها المؤلمة وبكل تفاصيلها.

وبعد أن يسر الله لي الحرية رأيت عجباً عُجاباً، وكأني واحد من أصحاب الكهف، خرج بعد زمن طويل فوجد نفسه في زمان غير زمانه من هول الصدمة ممّا رأيت من تغير جذري على الأرض، عندها كبرت ربي ثلاثاً، وأدركت حينها أن الشعوب المسلمة إذا اجتمعت في قرارها وأجمعت أمرها أحدثت زلزالاً مدمراً لعروش الطغاة والجبابرة مقتلعة لها من جذورها.

ثمانية عشر يوماً أمضيتها في محبسي داخل سجن أمن الدولة المصري، هي نفس الفترة التي حدثت فيها معجزة التغيير، وسقط فيها عرش أكبر طاغية على وجه الأرض!

ثمانية عشر يوماً نفض عن نفسه شعب مصر غبار الذل والعبودية التي تسربل بها وجثى الجلادون على صدره منذ أربعين سنة، فانتفض على طغاته وأسقط عروشهم.

ثمانية عشر يوماً أثبتت فيها الشعوب المسلمة قدرتها على التغيير، وقفزت على عمل الجماعات والتنظيمات التي ناضلت لإحداث التغير منذ سقوط الخلافة العثمانية قبل أكثر من مئة عام.

ثمانية عشر يوماً هي زمن الثورة الحقيقية للمصريين على فرعون مصر، قبل أن يركب موجتها النفعيون وتجار القضايا ويحرفوا مسارها.

ثمانية عشر يوماً هي بمثابة المرجع الثوري إذا ما أراد ثوار مصر اليوم أن يسترجعوا ثورتهم التي صادرتها الثورة المضادة بقيادة النظام الدولي وأدواته في عسكر كامب ديفد.

يا شعب مصر اعلموا أنكم اليوم تواجهون العالم أجمع، وتتصدون لكل جبابرة الأرض وطغاتها، وما السيسي وعسكره إلا واجهة يتخفى خلفها النظام الدولي، ودماؤكم التي سالت لتروي عطش حريتكم ﻻ ينبغي أن تذهب سدى في شعارات لا تتناسب مع مرحلة الصراع، ورصاص الظلمة ينبغي أن لا تواجهه صدوركم وهي عارية، وحتماً سنرى غضب الله سينزل على من يريد قتلنا، ويغتصب نساءنا، وينهب أموالنا، ويصادر حريتنا. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة