قصف إسرائيلي في العمق الخليجي

يبقى القصف الإسرائيلي في العمق الخليجي سابقة لا يصحّ التهاون معها عربياً، وبالأخصّ خليجياً.

السبت، 26-07-2014 الساعة 16:06


اختراق حقيقي نفّذته الحكومة الإسرائيلية في أجواء المنطقة، سدّدت فيه القصف نحو العمق الخليجي. ‏حملة موجّهة بعناية ضد دولة تتوسّط جغرافيا الخليج، بمضامين تحريضية غير مسبوقة.‏

من أطلق رصاصة البدء هو وزير الخارجية وليس سواه، معلناً عن اكتشاف قاعدة جديدة لدعم الإرهاب. ‏إنها الرواية الجديدة بعد المياه الكثيرة التي جرت في الوادي، وتحديداً بالمقارنة مع الجولات الحربية ‏السابقة على غزة التي تحدثّت فيها حكومات الاحتلال عن "خطر تحوّل غزة إلى ميناء إيراني". ‏

يبقى القصف الإسرائيلي في العمق الخليجي سابقة لا يصحّ التهاون معها عربياً، وبالأخصّ خليجياً. ‏فعندما تستنفر دولة الدعاية والتضليل منظومتها التحريضية للنهش في اللحم الحيّ لأحدهم، لن يكون ‏الآخرون بمنأى عن فعل التحريض والنهش ذاته في قابل الأيّام. ‏

لدى المنطقة ما يكفي من الخبرات التاريخية مع دعاية التحريض التي لم تكن معزولة عن الدور ‏الإسرائيلي. ‏

ففي السبعينيات كان الخليج في مرمى القصف الدعائي، عندما تمّ نحت مصطلح "شيوخ النفط" بكثير ‏من التهكّم والازدراء، وتحوّلت "أوبك" إلى منصّة للاستهداف. كان "أصدقاء إسرائيل" في الجبهة الأمامية ‏لمعركة التشويه والتحريض ضد الخليج الذي أغلق الصنابير عن الدول الصناعية المنحازة للقاعدة ‏الحربية الضخمة في فلسطين بعد حرب أكتوبر 1973.‏

بعد ذلك خاض الجيش الإسرائيلي غزوه للبنان، وفي الخلفية هجمات إعلامية لإثارة الهلع من ‏‏"الفلسطينيين الذين يخطِّطون لتفجير آبار النفط". قيل ذلك تحديداً في نهاية السبعينيات ومطلع ‏الثمانينات، لترهيب الرقعة الخليجية الممتدة من الإمارات حتى الكويت.‏

ولم يكن الحادي عشر من سبتمبر يوماً كغيره بالنسبة للرياض، فقد تفجّرت على الفور حملة ضدّها بعد ‏واقعة البرجين الشاهقين. لم تنخرط الحكومة الإسرائيلية يومها في الحملة بشكل رسميّ، تاركة أذرعها ‏الدعائية وحلفاءها في نشاط مرئيّ دؤوب للتشويه والتحريض على طريقة ليّ الأذرع.‏

ثمّ اختار جيش الدعاية الإسرائيلي دولة الإمارات لشنّ هجوم محدد، استهدف "مركز زايد للتنسيق ‏والمتابعة" الذي عمل تحت مظلة جامعة الدول العربية. سبب الحملة أنّ المركز الذي بدا واعداً وقتها ‏ولج سريعاً عالم "دروع الأفكار" جاعلاً من أبو ظبي وجهة نشطة للعلاقات العامّة السياسية فكان يصدر ‏كتاباً كلّ يوم وينظم ندوات ولقاءات متلاحقة لشخصيات قادمة من أرجاء الأرض، حتى نافس مراكز ‏ذات شأن تخدم الاحتلال الإسرائيلي في واشنطن العاصمة. تهاوى المركز الإماراتي تحت الضربات ‏المسدّدة بدقة فأُهيل التراب على جهود مضنية وتراث غزير. ‏

ثمّ جاءت الحملة على "موانئ دبي العالمية" لأنها تقدّمت بجرأة إلى السوق الدولية فحطّت باستثماراتها ‏في المرافئ الأمريكية. اشتعلت الحملة من أبواق الدعاية التي داست مقولات حرية التجارة بإثارة الهلع ‏من "استفادة الإرهابيين" من هذا الاستثمار الخليجي المتقدِّم "بما يعرِّض أمن الحاويات للخطر". ‏

وفي السند المتصل للحملات ذاتها، طرأ التطوّر الجديد قبل أيّام معدودات. يُطِلّ ليبرمان شخصياَ برأسه ‏ليشنّ حملة غير مسبوقة ضد دولة قطر، معلناً افتتاح موسم التحريض. تعاقب المتحدثون في المربّع ‏الإسرائيلي، وانطلقت جوقة العازفين حول العالم في شروح المتن الذي قدّمه السياسي الفظّ القادم من ‏روسيا. هو قصف إسرائيلي مباشر في العمق الخليجي، يأتي في زمن العدوان الذي يسحق أحياء غزة ‏السكنية بمن فيها. ‏

عندما يتحدّث أحدهم بلسان عبريّ مبين نحو الخليج، فلا يعنيّ ذلك أنّ الدوحة وحدها هي الواقعة في ‏مرمى الاستهداف، حتى إن كانت هي الوجهة المعلنة في لحظتنا هذه، فالعملية سيُعاد إنتاجها ‏لتستهدف وجهات أخرى مع تحوّلات الزمن وعبر تضاريس السياسة.‏

ومن هو ليبرمان يا ترى؟ إنه السياسي الفاشي الذي تركه العرب طليقاً دون نقد، ولم يكترث به الخليج ‏تقريباً سياسياً ولا إعلامياً. تركه الإعلام كما تركته السياسة، رغم أسبقيّاته الفاشية، وحماقاته المتلاحقة، ‏وقصفه العشوائي. تركوه يلهو بأزرار القاعدة الحربية الضخمة التي غُرسَت في قلب الإقليم غرساً، ومعها ‏حزمة من التهديدات الاستراتيجية التي لا تستثني آبار النفط بكلِّ تأكيد.‏

هل يستحقّ ليبرمان وجوقته حملةً خليجية مضادّة؟ ربما، وفي كلّ الأحوال .. أن تأتي حملاتنا متأخرة ‏خير من أن لا تأتي!.

‏(*) كاتب، فيينا وبروكسيل.‏

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة