قصف العقول

الصراع الحقيقي هو صراع الوعي والجهل والحرية والعبودية وهو يشكل جوهر الصراع لا "السلطة".

الأربعاء، 26-11-2014 الساعة 11:52


العقل هو العنصر المولد للأفكار والمقيّم للأحداث من حوله. ذلك الجهاز الذي لطالما أتعب وأُتعب، وهو الذي ميز الله به بني آدم على بقية خلقه.

هذا العقل هو مركز التفكير والقرار، ومن ذلك صار مركز تحرير الإنسان من الاستعباد الفكري الذي يؤدي إلى كل أنواع العبوديات الأخرى. ولخطورة هذا العقل حرصت أنظمة الاستبداد أن تقصفه وتشوهه بما يكفل لها استعباد صاحبه؛ سواء بالتفكير الفردي أو الجمعي.

فما فتئت الدول العربية تتلاعب بالعقول وإدارة المعتقدات.. وكلها أساليب يستخدمها الطغاة للسيطرة على الشعوب. وهذا الاستهداف للعقل والضمير والوجدان والتفكير، بهدف الاستعباد، مُجرّم في الشرعة الأممية، ومجرم في دين الحرية والفكر والعقل: الإسلام!

و قد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه:

"يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً".

وما زالت قولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه تملأ الآفاق: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟".

إن استهداف العقل والفكر والمعتقد أساليب مخابراتية مؤصلة لدى هذه الأنظمة المستبدة.. مع أن الأصل استخدامها ضد أعداء الأمة، إلا أن أجهزة المخابرات العربية وظفت هذه الأساليب لتسهيل قيادة الزعامات المصطنعة للشعوب العربية. ولا أدل على ذلك من أفعال وكتابات صلاح نصر، ملهم أجهزة المخابرات العربية، الذي ألف كتاباً من جزأين بعنوان: معركة الكلمة، ومعركة المعتقد.. ويوصي نصر تلاميذه غير النجباء بعزل المفكرين والشعوب عن مصادر المعلومات والحقائق.. وهذا الأسلوب استخدمه النازيون من قبل، فهل أفلح؟

لا مؤلفات نصر، ولا أساليبه القمعية، كسبت معركة أو انتصرت في مواجهة مع صاحب فكر أو معتقد.

فما سبب الاستماتة في السيطرة على العقول؟

المستبدون المسيطرون على وسائل الإعلام يفزعون من حرية التعبير وحق الاطلاع على المعلومات!

فهم يخافون الحرية والشعوب الواعية.. ويعلمون أن الصراع الحقيقي هو صراع الوعي والجهل والحرية والعبودية، وأنه يشكل جوهر الصراع لا "السلطة".

لكن هذه الأنظمة غفلت عن حقيقةٍ هي أن من خاصم الحرية وعادى الحقوق واسترقَّ الشعوب وعبث في العقول.. فقد نازع عقيدة التوحيد مقتضياتها وحقها، فهل يعي المستبد أن الشعوب محصنة فطرياً من الكبت والقمع والعبودية لغير الله، إلا من ارتضى لنفسه ذلك؟

وأن هذه الشعوب لن تفرط بحقوقها، ولن تساوم على حرياتها! وأن الشعوب أكثر ذكاء من المستبد، وهي قادرة على استثمار أي شيء من أجل حريتها، ولا أدل على ذلك من الثورات التي استثمرت فيها الشعوب مواقع التواصل الاجتماعي، التي كانت بمنزلة الجذوة الأولى لاندلاع الثورات.

اليوم نرى عوامل تفجر ثورات الشعوب تزداد اشتعالاً.. وما سياسة القمع الراهنة إلا أخطر فتيل يوشك على الانفجار! واستغفال الشعوب سياسةٌ لن تمر، وتوجه لن ينجح، ولن تكون الشعوب في موقع الاستخفاف والتطويع!

فالله لم يخلق شعوباً لتستكين، بل خلق شعوباً حرة ثائرة تحيا في سبيل حرياتها وحقوقها، ولا تتنازل عنها لأحد.

إن التاريخ خير شاهد، فلم يسجل التاريخ حالة واحدة لضعف أو تراجع أو وهن أو سقوط صاحب رأي أو موقف أو مبدأ أو رسالة مخلص لفكرته!

التاريخ مليء بعبر ودروس الصبر والتحدي والنصر والتمكين لكل صاحب رأي أو فكر واجه طغاة عصره، أو هم واجهوه!

ولم يبق لا نازيون ولا "نصر" ولا فرعون ولا هامان ولا "بن علي" ولا "القذافي" ولا "مبارك"، وغيرهم كثير ينتظر.. والأيام حبلى بالأحداث.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة