قمة إسطنبول أنجح القمم الإسلامية

إن معيار النجاح والفشل لأي قمة هو مدى النجاح في تحقيق أهدافها، وقد وضعت القمة الثالثة عشرة هدفاً رئيسياً لها.

الثلاثاء، 19-04-2016 الساعة 18:29


إن معيار النجاح والفشل لأي قمة هو مدى النجاح في تحقيق أهدافها، وقد وضعت القمة الثالثة عشرة لمنظمة التعاون الإسلامي في إسطنبول هدفاً رئيسياً لها؛ وهو معالجة التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية في الظروف الراهنة، والتي أرهقت الشعوب والبلاد الإسلامية في السنوات الماضية، ولا تزال تحمل درجات من التحديات والمصائب عليها أيضاً، وقد حدد الرئيس التركي أردوغان هذه التحديات بثلاثة تحديات كبرى هي: الطائفية، والعنصرية، والإرهاب.

وكان لا يمكن النجاح في معالجة هذه التحديات ما لم يظهر بين رؤساء دول العالم الإسلامي اتفاق على تشخيص هذه الأمراض، وتوجيه إصبع الاتهام المباشر لمن أشعلها في المنطقة، عسى أن يرجع عن سياساته الخاطئة، ويعيد التفكير بالأخطاء التي ارتكبها في السنوات الماضية.

وبالنظر إلى الكلمات التي ألقيت في جلسات المؤتمر أولاً، وبالنظر إلى البيان الختامي لمؤتمر القمة (13) لمنظمة التعاون الإسلامي ثانياً، والذي أطلق عليه: "إعلان إسطنبول"، وبالنظر إلى ردود الأفعال على هذا البيان ثالثاً، فيمكن القول إن هذا المؤتمر لمنظمة التعاون الإسلامي في إسطنبول كان من أنجح القمم الإسلامية حتى الآن، فقد تم مصارحة الحكومة الإيرانية بأنها مدانة ومخطئة؛ لأنها تسببت بإثارة الفتن الطائفية في العالم الإسلامي، وبالأخص في الدول العربية التي يوجد فيها أقليات من المواطنين الذين يتبعون المذاهب الشيعية؛ الشيعية الجعفرية في لبنان والعراق، والشيعية النصيرية في سوريا، والشيعية الزيدية في اليمن، فهذه الدول تحديداً هي الدول الأكثر اشتعالاً في الفتن الطائفية والعنصرية والإرهابية؛ بسبب تحريض الدولة الإيرانية وقيادتها المذهبية والسياسية لأتباع المذهب الشيعي لإثارة المشاكل في هذه الدول، بل ودعمها حتى لو أدى ذلك إلى تفكيك هذه الدول، واشتعال الهرج والمرج فيها، وتدمير بنيتها الاجتماعية والاقتصادية وغيرها.

لقد دعت القمة الـ(13) لمنظمة "التعاون الإسلامي" التي اختتمت أعمالها يوم الجمعة 15 أبريل/نيسان 2016 في مدينة إسطنبول التركية إيران إلى ما يلي:

1 ـ دعت إيران إلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء.

2 ـ أدان البيان تدخلات إيران في الشؤون الداخلية لدول المنطقة ودول أخرى أعضاء، منها البحرين واليمن وسوريا والصومال، واستمرار دعمها للإرهاب.

3 ـ أدان مؤتمر القمة الإسلامي "حزب الله" اللبناني، لقيامه بأعمال إرهابية في سوريا والبحرين والكويت واليمن.

4 ـ أدان مؤتمر القمة الإسلامي حزب الله اللبناني لدعمه حركات وجماعات إرهابية تزعزع أمن واستقرار دول أعضاء في المنظمة.

5 ـ أكد بيان القمة الإسلامي 13 أهمية أن تكون علاقات التعاون بين الدول الإسلامية وإيران قائمة على مبادئ: حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام استقلالها وسيادتها ووحدة أراضيها.

6 ـ أكد بيان القمة الإسلامي 13 أهمية أن تكون علاقات التعاون بين الدول الإسلامية وإيران قائمة على مبادئ حل الخلافات بالطرق السلمية، وفقاً لميثاق منظمة التعاون الإسلامي وميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها.

7 ـ أدان بيان القمة 13 الاعتداءات التي تعرضت لها بعثات المملكة العربية السعودية في مدينتي طهران ومشهد في إيران (في يناير/كانون الثاني الماضي)، والتي تشكل خرقاً واضحاً لاتفاقية فيينا للعلاقات الديبلوماسية واتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية والقانون الدولي الذي يحمي حرمة البعثات الديبلوماسية.

8 ـ رفض البيان الختامي "التصريحات الإيرانية التحريضية فيما يتعلق بتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة بحق عدد من مرتكبي الجرائم الإرهابية في المملكة العربية السعودية"، معتبراً ذلك "تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية للسعودية ممّا يتنافى مع ميثاق الأمم المتحدة وميثاق منظمة التعاون الإسلامي وجميع المواثيق الدولية".

9 ـ أكد البيان الختامي المشترك الذي أصدرته القمة الإسلامية 13 مركزية قضية فلسطين والقدس، وإدانة سياسات الاحتلال الإسرائيلي الرافضة للامتثـال لقـرار مجلس الأمن رقم 497 بشأن الجولان السوري المحتل، كما أكد البيان الختامي للقمة الإسلامية ضرورة عقد مؤتمر دولي للسلام في وقت مبكر؛ لوضع آلياتٍ لتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

‎هذه النقاط الأساسية التي تصدرت إعلان إسطنبول، ومن الملاحظ أنها تركز على التشخيص الصحيح، وأن هذه القمة هي القمة الإسلامية الأولى التي تصارح إيران بخطأ سياستها في العالم الإسلامي والمنطقة العربية، فقد وضعت القمة الإسلامية الأساس الصحيح لبداية تصحيح هذه الأخطاء؛ لأن التشخيص الصحيح للطبيب هي البداية الصحيحة للعلاج والدواء، وقد بقيت الدول الإسلامية ساكتة على الأخطاء الإيرانية لسنوات طويلة، فقد بدأت الأخطاء الإيرانية منذ إنشاء الجمهورية الإيرانية الخمينية عام 1979، وكشرت عن أنيابها في الصراعات المتوالية مع الدول العربية حتى عام 2003، ففي ذلك العام تحالفت القيادة الإيرانية مباشرة وبطرق سرية وعلنية مع مشاريع أمريكا في تقسيم البلاد العربية وتفكيكها وتدمير مقومات وجودها العسكري والسياسي والاجتماعي، فكان الاحتلال الأمريكي والإيراني المشترك للعراق عام 2003، وهو ما أقره وزير الخارجية السعودي السابق، سعود الفيصل، الذي قال:" لقد قدمنا العراق لإيران على طبق من ذهب".

لقد أدى التحالف الأمريكي الإيراني الذي استغل فترة مفاوضات المشروع النووي الإيراني لتنسيق جهودهما في احتلال المنطقة وحرقها، وقد سمح لإيران أن ترسل جيشها وحرسها الثوري ومليشياتها الطائفية العديدة ومنها حزب الله اللبناني إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن وغيرها دون معارضة أمريكية ولا أوروبية، بل ولا إسرائيلية، ممّا أكد أن هذه الاعتداءات أخذت الموافقة الأمريكية أولاً، والموافقة الإسرائيلية ثانياً، ولا بد أن أمريكا كانت تخادع الدول العربية بأنها تضبط الأمور، أو أن أمريكا كانت تقنع الدول العربية بأنها تورط إيران في أزمات لدفعها إلى الضعف والهزيمة، ولكن الدول العربية أدركت بعد الانقلاب الحوثي بتاريخ 2041/9/21 بأنه لا يمكن الركون إلى التطمينات الأمريكية، ولا بد من دخول الحرب في اليمن بعاصفة الحزم؛ ممّا أغضب أمريكا، وحاولت معاقبة السعودية بامتناعها عن تزويد السعودية بالمعدات العسكرية والذخائر الأمريكية الضرورية والمستعجلة لمواصلة عاصفة الحزم، بحجة أن أمريكا تقف على الحياد بين السنة والشيعة، فكانت هذه الحجة التي تذرع بها أوباما دليلاً على خداع أمريكا لإيران، وتوريطها لمعاداة الدول العربية والتدخل فيها عسكرياً، وتدمير مشاريعها النهضوية، دون حسيب ولا رقيب.

لذلك فإن قمة إسطنبول من أنجح القمم الإسلامية التي عقدتها منظمة المؤتمر والتعاون الإسلامي منذ نصف قرن تقريباً؛ لأنها وجهت الرسالة الصحيحة والعلنية والصريحة للقيادة الإيرانية أولاً، ووجهت الرسالة الصحيحة للإدارة الأمريكية ثانياً، بأن دول العالم الإسلامي لن تسمح بمزيد من الحروب الطائفية، وأن من يشعل هذه الحرب الطائفية هي إيران وحدها، وأن الدول الإسلامية مجمعة على إدانة من تسبب بالحروب الهلية والفتن الطائفية بين المسلمين في السنوات الماضية، وأنها عازمة على منع التهور الإيراني أكثر من ذلك، حتى لو كانت بتشجيع وتحريض أمريكي استراتيجي لتقسيم المنطقة.

ومن الأدلة على نجاح القمة الإسلامية 13 في إسطنبول أن الرئيس الإيراني حسن روحاني لم يحتمل الجلوس في الجلسة الختامية لسماع بيان وموقف ستة وخمسين (56) دولة إسلامية من بين (57) دولة بما فيها إيران، وهذه الدول الإسلامية تجمع على إدانة الفتن الطائفية التي تسببت بها إيران، فالبيان الختامي لقمة إسطنبول هو بيان إدانة لإيران وأعمالها العدوانية الطائفية والعنصرية والارهابية في البلاد العربية، فهو بيان إدانة للسياسات الإيرانية الطائفية، وليس إدانة للشعب الإيراني ولا هويته العقدية ولا المذهبية.

ولكن الرئيس الإيراني، حسن روحاني، الذي رفض الجلوس في القمة أثناء إلقاء إعلان إسطنبول عليه واجب أكبر، وهو أن يجلس طويلاً مع قيادته العليا، ومع وزرائه ومسؤولي دولته السياسية والعسكرية النظامية، ومصارحتهم بأن القوى المحافظة أو المتشددة في إيران وعلى رأسها قيادة الحرس الثوري الإيراني قد خسرت معركتها الخارجية في الدول العربية سياسياً، بعد هذه القمة الإسلامية في إسطنبول، كما خسرتها عسكرياً من قبل، وعلى روحاني أن يطالب القيادة الإيرانية العليا بوضع حد للسياسات الخاطئة لإيران منذ ثلاثة عشر عاماً على أقل تقدير، فدخول الجيش الإيراني والحرس الثوري الإيراني البلاد العربية واعتداءات حزب الله اللبناني على الدول العربية هو خطر وخطأ كبير، يجب التراجع عنه، وعن كل السياسات الإيرانية المتهورة، داخلياً وخارجياً.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة