قمة الناتو والمواقف التركية من أزمات الشرق الأوسط

أنهى حلف شمال الأطلسي العسكري "الناتو" اجتماعاته في العاصمة البولندية وارسو يومي 8 و9 من تموز 2016 وقد اتخذ عدة قرارات تتعلق بقضايا الشرق الأوسط.

الاثنين، 11-07-2016 الساعة 12:55


أنهى حلف شمال الأطلسي العسكري "الناتو" اجتماعاته في العاصمة البولندية وارسو يومي 8 و9 من تموز 2016 وقد اتخذ عدة قرارات تتعلق بقضايا الشرق الأوسط، ولا بد قبل الحديث عنها من الإشارة إلى أن اختيار العاصمة البولندية وارسو لعقد هذا الاجتماع له أهمية كبيرة ودلالة مهمة، وهي أن حلف دول شمال الأطلسي، وهي الدول الغربية وأمريكا تعقد اجتماعها في مقر حلف وارسو البائد، الذي قاده الاتحاد السوفيتي لنحو أربعة عقود بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن انهيار حلف وارسو السوفيتي لم يوقف الأزمات مع الغرب وحلف الناتو، فجاء عقد القمة في وارسو لإيصال رسالة إلى موسكو بأن الحلف لا يزال يرى في روسيا خطراً على دوله، بل وخارج حدود روسيا الاتحادية، ولمواجهة الطموحات الروسية اتفقت دول الحلف الـ28 على تعزيز قدراتها العسكرية في شرق أوروبا رداً على ضم موسكو شبه جزيرة القرم، ودعمها للانفصاليين في شرق أوكرانيا، وقد دعا "ستولتنبرغ" أمين عام الحلف روسيا إلى إنهاء دعمها للانفصاليين، الذين يقاتلون القوات الحكومية الأوكرانية.

وأما القضية الثانية فهي تمديد مهلة الدعم الحازم في أفغانستان، بمبلغ مليار دولار سنوياً، تذهب دعماً للقوات الأفغانية، التي من المفترض أن تقوم بحماية المصالح الغربية بما فيها الأمنية والعسكرية في أفغانستان، ودون الانسحاب الكامل من أفغانستان كما كان مؤملاً قبل سنوات، بل بإرسال المزيد من الجنود الأمريكيين إلى أفغانستان، لأهمية هذه الدولة في السيطرة الغربية على أفغانستان أولاً، والسيطرة على التهديدات العسكرية من روسيا والصين في تلك المنطقة، بما يتطلب إرسال قوات عسكرية برية إلى دول أوروبا الشرقية التي انضمت سابقاً إلى حلف الناتو والإتحاد الأوروبي، أو خرجت من الهيمنة الروسية ولا تسير في ركبها مثل أوكرانيا، وقد أجمل قائد الناتو في أفغانستان الجنرال الأمريكي "جون نيكولسون" أن الرئيس أوباما "وجه رسالة واضحة للعدو" عبر إبطاء وتيرة سحب القوات الأمريكية من أفغانستان، و"منحنا الوسائل لإنجاز مهماتنا على صعيد مكافحة الإرهاب".

وأما القضية الثالثة التي درسها حلف الناتو فهي توسيع مهمة مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق، وكذلك تهيئة الظروف لفرض أكبر حصار بحري على ليبيا، وقد وصفت القمة تهديد الدولة الإسلامية بالإرهاب الذي يشكل "تهديداً فورياً ومباشراً"، بينما وصف طموحات روسيا ودعمها للانفصاليين في أوكرانيا، وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالتهديدات الأمنية فقط، وقد أكد الأمين العام للحلف "ينس ستولتنبرغ" في اليوم التالي للقمة: "أن عملية أمنية جديدة ستنطلق باسم الحرس البحري في إطار مكافحة الإرهاب، وزيادة القدرات في البحر الأبيض المتوسط"، دون تحديد موعد إطلاق العملية.

إن القرار الأهم لقمة الناتو الأخيرة هو قرار الناتو "الانخراط في التصدي لتنظيم الدولة الإسلامية من خلال تدريب جنود عراقيين في العراق وتوفير طائرات استطلاع من نوع "أواكس" لمراقبة المجالين الجويين العراقي والسوري"، فهذا القرار يبين استعداد الناتو وقدرته على فرض مناطق آمنة في سوريا والعراق بما يكفل تأمين حماية أكبر للشعبين السوري والعراقي، ولكن هذه الخطوة قد لا تفسر إلا مخاوف الحلف من التواجد العسكري الروسي في سوريا بعد التدخل العسكري الروسي في سوريا بتاريخ 2015/9/30، فالبرغم من إعلان روسيا انسحابها من سوريا بتاريخ 2016/3/15 إلا أن تواجدها العسكري لا يزال ثابتاً، وبالأخص القواعد العسكرية الجوية، وبصورة أكثر خصوصية قواعد الدفاع الجوي بصواريخ س400، فهذا الانتشار العسكري الروسي قريب من أوروبا ومن تركيا، وهي دولة أساسية من دول حلف الناتو.

وبذلك فإن تعهد حلف الناتو بحماية دوله والتزام الرئيس الأمريكي أوباما بضمان الأمن في أوروبا على المدى الطويل، والدفاع عن كل الحلفاء بقوله: "إن التنسيق بين دول الحلف جار وبشكل أكثر مما كان عليه سابقاً في كل ما يتعلق بأمن واستقرار الدول الأعضاء"، فهذا يعني أن تركيا أكثر أمناً من ذي قبل، بعد مرحلة التوتر العسكري مع روسيا إثر إسقاط الطائرة الروسية، والتي لم يواكبها تأييد أمريكي ولا من الدول الأوروبية بما يعزز الموقف التركي في ذلك الوقت، بل صدرت بعض التصريحات من قادة الحلف تدعو تركيا إلى عدم اتخاذ إجراءات تصعيدية مع روسيا؛ لأن الحلف لن يدافع عن تركيا في خلافها الخاص مع روسيا، بينما كانت الانتهاكات الروسية للأجواء التركية هي انتهاكات لأجواء حلف الناتو أيضاً.

لقد كان حضور الرئيس التركي أردوغان في قمة الناتو مهماً وموجهاً للقضايا والأزمات التي تواجه منطقة الشرق الأوسط تحديداً، وقد طرح الرئيس التركي خلال اجتماع قمة رؤساء دول الأعضاء في حلف الشمال الأطلسي، ثلاث قضايا متعلقة بالشأن السوري، مؤكداً على ضرورة إيجاد صيغة جديدة لمفهوم الأمن لدى الحلف، فقد كانت الأزمة السورية من أكثر القضايا التي تهم تركيا وأمنها القومي، وعلاقته بالأمن في المنطقة كاملة، والنقاط الثلاث هي:

1 ـ إن عدم إيجاد حل للقضية السورية، لا يهدد السلام في تركيا وحسب، إنما يهدد السلام في دول حلف الشمال الأطلسي، ودول العالم أجمع.

2 ـ إن الأزمة السورية تخلق القاعدة الرئيسة لمنظمات إرهابية، وعلى رأس هذه المنظمات "داعش".

3 ـ إن تدفق اللاجئين إلى تركيا أو إلى أوروبا بسبب الأزمة السورية، يخلق مشاكل أمنية في شرق البحر الأبيض وأوروبا، وكذلك يتيح المجال أمام ازدياد ما يسمى بـ "كراهية الأجانب".

هذه القضايا تواجهها تركيا وتعمل على حلها جميعاً، وهذا يتطلب تقديم حلف الشمال الأطلسي الدعم الكافي في هذه القضايا، فالقضايا الأمنية والعسكرية التي يسعى الناتو لحلها لضمان أمن دوله والعالم لا يمكن ان تنعزل عن التهديدات الأمنية التي أوجدتها السلوكيات العسكرية المنحرفة في معالجة المشكلة السورية أو العراقية، أولاً بوجود أنظمة سياسية طائفية، ثانياً وهي تجد الدعم الطائفي من دول إقليمية ودولية مثل روسيا، لا يتوقف خطرها على أوكرانيا وجزيرة القرم بل يتعداه إلى سوريا، وهو ما كان ينبغي أن يجد تنديداً من حلف الناتو، ولكن حلف الناتو ركز على القضايا التي تواجه أمن القارة الأوروبية، وحياة الشعوب الأوروبية والغربية، دون أن يعير شعوب الشرق الأوسط أهمية، ولا ما يتهدد شعوبها من مخاطر.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة