قوة الخليج الناعمة

هل يُسمح بأن يرتطم الإشعاع الثقافي بصخرة الخطاب الدعائي الذي يحرص على تقديم نظام الحكم مفتاحاً للثقافة؟

الخميس، 25-12-2014 الساعة 09:27


يصفونها بالقوة الناعمة، ويقصدون بها الجهود التواصلية التي ترعى صورة الدولة وتعزز مكانتها المعنوية وتنمي فرص تأثيرها. إنها الدبلوماسية الشعبية التي لا تعمل في فراغ، بل تبقى في حالة تفاعل متبادل مع واقع الدولة ومكانتها وسياساتها العامة ودبلوماسيتها العامة.

لا يسع دول الخليج، من خلال المعبِّرين عنها من هيئات وأشخاص، تجاهل الدبلوماسية الشعبية، وستجد كيف تنفتح أمامها مجالات وآفاق غير مسبوقة في التواصل المباشر مع الشعوب وعموم الجمهور والهيئات الشعبية والمنظمات غير الحكومية خارج حدودها، ولكن داخل نطاقها أيضاً.

وفيرة هي الأدوار والوظائف التي ينبغي على الدبلوماسية الشعبية النهوض بها؛ ابتداء من رعاية صورة الدولة في الخارج، ومعالجة أي خلل أو تشوّش قد يطرأ عليها، وبناء الثقة واستدرار التقدير بالدولة ومجتمعها، والسعي إلى "كسب العقول والقلوب".

لكنّ دول الخليج لم تلتفت إلى جوانب مهمة من قدراتها على التأثير الناعم، فتجاهلت، مثلاً، إلى حدّ كبير العناية بالتواصل المعيشي المباشر الذي ينخرط فيه ملايين الوافدين إليها. والواقع أنهم يخالجون المجتمعات الخليجية، ويعودون إلى بلادهم الأصلية حاملين شيئاً من أثرها، أو قد لا يعودون إطلاقاً.

إنّ آخر من يرجوه المهتمون بتطوير الدبلوماسية الشعبية أن تتدفق عبر شبكة الإنترنت مشاهد مطاردات تلاحق مخالفي الإقامة في بعض دول الخليج، أو أن تتوالى التقارير الحقوقية التي ترصد إساءات بحق العمالة الوافدة أو مستخدمي المنازل.

للقوة الناعمة وظيفتها في إنعاش التشبيك في المجالات المتعددة بين الدولة والعالم، بما يعزِّز الحضور العالمي، ويطوِّر القدرة على التنسيق والتعاون وحتى نسج التحالفات في بعض المجالات. لكن ما هي الأولويات التي تتحرّاها دول الخليج اليوم بالتحديد في مساع كهذه؟

هل يتم العمل ضمن هوامش التأثير والضغط والاستمالة لتعزيز النفوذ ضمن خرائط الصراع في المنطقة؟ أم ستحتمل الدبلوماسية الشعبية وظيفة التغذية الراجعة التي تعين بدورها على استدعاء المعالجات والتصحيح؟

للخليج فرصته غير المستثمرة في مجالات الدبلوماسية الشعبية، إلا أن استعمالها في التقاطعات السياسية على خرائط الصراع سيكون خسارة جسيمة تقضم من رصيد الدول والبلدان في عالم متداخل.

يسأل بعضهم عن الأولويات الخليجية المكافئة للأولويات المعلنة من دول غربية، مثلاً ترفع لافتات من قبيل "دعم الديمقراطية"، و"نشر ثقافة حقوق الإنسان"، و"تمكين المرأة"، و"الحوار بين الحضارات". فقد وجدت دول خليجية خياراتها في لافتات "الحوار بين الأديان" و"مكافحة التطرّف" و"العمل الإنساني"، إلا أن بعضها يتصرّف بمنطق محاكاة الغرب في التناول، وبمعزل عن نسق الأمّة وعمقها الثقافي والحضاري.

تشترك الدبلوماسية الشعبية مع الإشعاع الثقافي للدولة، بأنّهما يأتيان ضمن ما يعرف بالقوّة الناعمة لدولة ما. والواقع أنّ الدبلوماسية الشعبية تتأثّر بدرجة الإشعاع الثقافي لدولتها؛ وتسعى في المقابل إلى توظيف الثقافة لصالح توجّهاتها ومقاصدها.

هل يُسمح بأن يرتطم الإشعاع الثقافي بصخرة الخطاب الدعائي الذي يحرص على تقديم نظام الحكم مفتاحاً للثقافة، وتصدير مقولات الحاكم أساساً للحكمة والفلسفة. هي مغالاة لا تخدم مسعى الدول في تنمية قوتها الناعمة وتأثيرها الثقافي، إذ تتقمّص تجارب منبوذة في القرن الحادي والعشرين. فمن يجرؤ على إسداء هذه النصيحة؟

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة