"كامب ديفيد" خليجي

ممّا تنبه له القمة أن دول الخليج تحتاج كل الوسائل لمخاطبة الشعب الأمريكي بنخبه وعمومه والعمل على بناء لوبي خليجي.

الأحد، 17-05-2015 الساعة 08:53


قمة كامب ديفيد بين الولايات المتحدة الأميركية ودول الخليج العربي هي قمةٌ استراتيجية دولياً وإقليمياً، بحيث تمت فيها نقاشات صريحةٌ وغير مسبوقةٍ بين حلفاء تاريخيين في كل الملفات التي تهم الطرفين، من التعاون الأمني والعسكري إلى ملف الإرهاب إلى الملف الإيراني وتوابعه في الدول العربية في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وكذلك الحديث عن القضية الفلسطينية.

وهذا الحديث الذي يفتح كل ملفات المنطقة المهمة دفعةً واحدةً والنقاش حولها وتبادل وجهات النظر بالغ الأهمية في هذه المرحلة المضطربة في المنطقة، حيث تنتشر الفوضى والخراب، والأصولية والإرهاب، والطائفية والعنصرية بشكل غير مسبوقٍ، وحيث التدخلات الإيرانية المرفوضة والمدانة في عددٍ من الدول العربية.

في البيان المشترك الذي صدر عن القمة وفي انفتاح الرئيس الأميركي على الإعلام العربي ومحاولة إيصال رسائل واضحةٍ للجمهور العربي، فقد خصّ أوباما هذه الصحيفة بحوارٍ هو الأول له منذ توليه الرئاسة، كما خص قناة "العربية" بمقابلة حصريةٍ كذلك، وهذا الإصرار منه تدفعه إليه معرفته بأنه لا يحظى بشعبيةٍ لدى المواطن العربي، وبخاصة بعد سلسلة رؤى وقراراتٍ ومواقف بعد ما كان يعرف بالربيع العربي أدت إلى كثير من الأضرار والخراب.

الحلفاء الاستراتيجيون يختلفون تجاه الملفات، ولكن ذلك لا يلغي التحالف بل هو جزءٌ من ديناميكيته وتطويره وتعزيزه، ومن هنا جاء في البيان المشترك "تأكيد وتعميق الشراكة القوية والتعاون بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي.. وردع ومواجهة العدوان الخارجي ضد حلفائنا وشركائنا، كما فعلنا في حرب الخليج"، وكذلك التأكيد على أن "الولايات المتحدة مستعدة للعمل المشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي لردع ومواجهة التهديد الخارجي لوحدة أراضيه".

وفي الملف الأمني بين الجانبين جاء في البيان: "ناقش القادة شراكة استراتيجية جديدة بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي لتعزيز العمل من أجل تحسين التعاون الأمني، وخصوصاً على عمليات نقل أسلحة تتبع سريع، فضلاً عن مكافحة الإرهاب، الأمن البحري، وأنظمة دفاع ضد الصواريخ الباليستية" هذه تفاصيل مهمةٌ عن طبيعة بعض النتائج التي صدرت عن القمة.

وفي الصراع الأكبر في المنطقة أي الصراع مع إيران جاء التأكيد على أن "الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي تعارض نشاطات إيران لزعزعة الاستقرار في المنطقة وسوف تعمل معاً لمواجهتها"، وفي هذا تأكيد على موقف دول مجلس التعاون الخليجي من أن الخلاف مع إيران لا يقتصر على الملف النووي فحسب، بل يتعلق أيضاً بتدخلاتها في شؤون الدول العربية وهو ما جاء صراحةً في البيان، "ناقش القادة الصراعات الأكثر إلحاحاً في المنطقة، بما في ذلك سوريا والعراق واليمن، وليبيا".

حاول الجانب الأميركي في القمة أن يشرح لقادة دول مجلس التعاون طبيعة وتفاصيل الاتفاق النووي الغربي مع إيران، ومع كل التفهم الذي أبداه القادة إلا أنهم دون شكٍّ لا يمتلكون حسن النية والتفاؤل الذي يبني عليه الأميركان جزءاً مهماً من الاتفاق مع إيران، بل على العكس فلدى دول الخليج معرفة أكبر بعدائية النظام الإيراني، وشعورٌ بالخطر الذي يمثله على المنطقة بأسرها.

يريد أوباما تمرير الاتفاق مع إيران بأي شكلٍ كان، لأنه يريد منجزاً واحداً يدخله التاريخ في رئاسة الولايات المتحدة الأميركية، ودول الخليج لا تمتلك دافعاً مماثلاً، بل تعرف أن الصراع مع إيران سيطول وهناك الكثير مما يجب أن تغيره إيران في آيديولوجيتها الحاكمة وشعاراتها المعلنة وطموحات التوسع والنفوذ على حساب الدول العربية وشعوبها.

ذهب قادة دول مجلس التعاون إلى كامب ديفيد مكللين بالنجاح في الرؤى وفرض أنفسهم كقوةٍ إقليميةٍ كبرى قادرةٍ بقوتها السياسية والاقتصادية والعسكرية على حماية مصالحها بنفسها، وبناء تحالفٍ قوي لضرب المشروع الإيراني في اليمن عبر "عاصفة الحزم".

وقبل هذا نجاح الرؤية الخليجية وفشل الرؤية الأميركية تجاه الربيع العربي، فحين راهن أوباما على الإسلام السياسي للتخلص من الأنظمة العربية والقضاء على الإرهاب خسر في رهانه فتفجر الإرهاب كما لم يكن من قبل، ونجحت دول الخليج في استرداد مصر لبعدها العربي، ونجحت في حماية البحرين عبر قوات درع الجزيرة وهي تكمل النجاح الأكبر في "عاصفة الحزم".

لقد أخرج الحزم العربي في عاصفة الحزم ملالي إيران ومسؤوليها وقادتها العسكريين عن طورهم، فأصبحوا يصعّدون في لهجة خطابهم وشعاراتهم تجاه السعودية ودول الخليج، وأكثر من هذا فقد بدأوا يتخذون ردود فعل تنمّ عن مدى الخسائر التي لحقت بهم لا في اليمن فحسب، بل في سوريا أيضاً، تلك التي خرج فيها علاء الدين بروجردي العضو الكبير في البرلمان الإيراني التي يتهجم فيها على خادم الحرمين الشريفين مباشرةً بحسب "رويترز"، ومثل إرسال سفينة إغاثة لليمن لكسر حصار التحالف والتي أجبرت على الخضوع أو قرصنة سفينةٍ في الخليج ترفع علم سنغافورة، كل هذا يدل على حجم الارتباك.

ستقرأ إيران بحذرٍ وتعمقٍ كل ما جاء في البيان المشترك، وستعيد الكثير من حساباتها، وسيكون عليها مراجعة سياساتها العدائية تجاه الدول العربية وشعوبها، وستجبر على تجرّع أحد السمّين؛ سمّ التراجع وخذلان الجماعات الإرهابية السنية والشيعية التي دعمتها، أو سمّ استمرار العقوبات وتزايدها في الإصرار على رعاية ودعم الإرهاب.

مما تنبه له القمة هو أن دول الخليج العربي تحتاج أن تمتلك كل الوسائل لمخاطبة الشعب الأميركي بنخبه وعمومه، والعمل على بناء "لوبي" سعودي وخليجي فاعل ونشط يسهل تسويق سياساتها في واشنطن، إنْ عبر مراكز الأبحاث أو الجامعات أو الأكاديميين أو وسائل الإعلام أو المواقع الإلكترونية المؤثرة، أو غيرها من الطرق التي تضمن قدرتها على إيصال صوتها عالياً في أي لحظةٍ تحتاجها.

صراع دول الخليج مع إيران هو صراعٌ سياسي بالدرجة الأولى، ولكن إيران قررت بوعي اختيار الطائفية كسلاحٍ سياسي وإرهابيٍ، وليس غريباً أن تتشارك الرأي ذاته مع القوى الأصولية في الجانب المقابل التي لا تجد لها دوراً وتأثيراً إلا في تطييف الصراع، ولكن الغريب هو أن بعض وكالات الأنباء العالمية مثل "رويترز" تستخدم الأوصاف الطائفية في تغطيتها لغالب الصراعات القائمة في الشرق الأوسط.

أخيراً، فمن الجيد ما جاء في البيان أنه قد "اتفق الجانبان على الاجتماع مرة أخرى في شكل مماثل على مستوى عال في عام 2016"، وذلك لمراجعة المواقف والسياسات بما يخدم الجانبين ويعزز التحالف بينهما.

(الشرق الأوسط)

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة