كواليس المشرق العربي وأساس التقسيم الجديد

غياب مقومات الدولة سيكون المقوم الأكثر أهمّية في إعادة إنشاء الدول الحديثة في المشرق العربي.

الجمعة، 16-09-2016 الساعة 12:40


استبعدت أغلب القراءات السياسية احتمالية رغبة الدول الكبرى في إعادة تقسيم بلاد الشام، والعراق، وتركيا، وإيران، وإنشاء دويلات حديثة في المناطق الحدودية السورية؛ بحجة عدم امتلاك تلك الكيانات الطارئة ومحتملة الوجود لمقومات الدولة، والمنحصرة بالأرض والشعب والسيادة، وأضاف لها بعض الحداثيين الموارد والثقافة والحضارة الواحدة، وتعتبر الدولة الكردية والعلوية إحدى هذه الكيانات الطارئة والمحتملة التي استبعدتها القراءات؛ بحجة عدم امتلاكها لكامل مقومات الدولة والموارد اللازمة للاكتفاء الذاتي.

لكنّ الحقيقة التي تغفل عنها كلّ التحليلات والقراءات السياسية الآنيّة هي أنّ غياب مقومات الدولة سيكون المقوم الأكثر أهمّية في إعادة إنشاء الدول الحديثة في المشرق العربي؛ لأن عدم وجود المقومات الأساسية للدولة يجعلها قابلة لأن تكون كياناً وظيفيّاً للمصالح والإرادة الخارجية، أمّا في حال امتلاك الدولة لمقوماتها لازمة الوجود، فإنّها ستكون الهدف الأول الذي تسعى المصالح الخارجية لهدمه وتدميره وتفكيكه؛ لأنّه ببساطة يخلق منها دولة حقيقية ومنافساً يهدد المصالح الاقتصادية والسياسية والثقافية للدول الكبرى في المشرق العربي.

وتشرع الدول الكبرى بتقسيم المشرق العربي على أساس ثقافي بعدما فقدت الدول العميقة التي عيّنت إثر اتفاقية سايكس بيكو سيطرتها على الشعوب التي تحكمها، حيث إنّ أغلبية هذه الدول كانت وظيفيّة، ولم تكن ناشئة عن الإرادة الداخلية للشعوب المحكومة، بل كانت ثمرة اتفاق مصالح وتقاطعات سياسية خارجية في المشرق العربي، وهذا يعني أن مصطلح "الدولة" أطلقته الدول الكبرى مجازاً على هذه الكيانات المتواجدة في رحم الوطن العربي لتضليل الرأي العام، فهي بواقع الأمر كيانات وظيفيّة مستقرّة، بعكس الكيانات الوظيفية المتنقلة كالقاعدة وداعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية المتطرفة، فباختصار لا نستطيع إطلاق مصطلح "الدولة" على الدول التي جاءت إثر اتفاقية سايكس بيكو؛ وذلك ببساطة لغياب عنصر "السيادة" الواجب انبثاقه من الإرادة الداخلية للشعب المحكوم، لأنه في حال كانت السيادة الحاكمة هي مصالح الإرادة الخارجية التي اتخذت الحكام والدول العميقة وكلاء رسميين لإدراة هذه الدول، فهذا يعني أن المشرق يحكمه استعمار يستتر بلثام الديمقراطية، ما حوّل الوطن العربي والمنطقة بأكملها لشركة تجارية غربية مساهمة، تديرها غرفة تجارة جامعة الدول العربية!.

واليوم، وبعد انتهاء صلاحية اتفاقية سايكس بيكو، أي بعد مائة عام على إقرارها، وظهور متغيرات جديدة في الوعي المجتمعي والسياسي بالمنطقة، تسعى الدول الكبرى لتغيير استراتيجيها في حكم المنطقة؛ بتأسيس بلاد وظيفية بدلاً من الكيانات السياسية الوظيفية المسؤولة عن إدارة الدول بالحقبة الماضية، وهذه البلدان الوظيفية تقودها أفكار سياسية واجتماعية وثقافية ناتجة عن ردة فعل مضطربة وغير قادرة على صناعة دولة مستقرة، مما يجعلها كالميّت بين أيدي مغسّله، وسهلة الانقياد من قبل الإدارة الخارجية المتحكمة بالمشرق العربي.

فما بعد اتفاقية سايكس بيكو ارتكزت السياسة الدولية التي تقود زمام الواقع السياسي في سوريا بالاعتماد على الأقليات، واستثمار ردة الفعل الاجتماعية، وتحويلها لنظام سياسي يقود إدارة الحكم في البلاد، فاختارت الطائفة العلوية، مستغلّةً النّبذ الاجتماعي الذي عانته هذه الطائفة في المجتمع السوري، وأثبتت هذه المنهجية المتّبعة نجاحاً منقطع النظير في استغلال الحاجة عند الأقلية لتحقيق مكاسب بذاتها تسعى لها الأنظمة الدولية التي تقود العملية السياسية في سوريا من الخارج.

هذا النجاح منقطع النظير الذي حققته الدول الكبرى باتباع استراتيجية انتداب الأقلية، دفعها لأن تأمر نظام الأسد باستنساخ كيان وظيفي آخر في الشمال السوري كخطة بديلة للاستعمار في المستقبل، وكان ذلك عن طريق إيقاع الظلم على المجتمع الكردي المستهدف، ومحاربته اجتماعياً وإنسانياً وسياسيّاً في أقفاص البعث؛ بغية جعله مجتمعاً قابلاً لأن يكون كياناً وظيفياً، وكائناً سياسياً واجتماعياً مفترساً، تستطيع الأنظمة الدولية استخدامه عند الحاجة، وكخطة بديلة في المنطقة المحكومة.

فواقع الصراع الكردي العربي في الشمال السوري هو من إرهاصات ما تكلم عنه مهندس السياسة الأمريكية، صامويل فيليبس هنتنغتون، في كتابه صراع الحضارات، وما يبدو أن صامويل هنتغتون لم يكن منجمّاً عندما تنبأ بواقع العالم الجديد، وبأنّ المتغير الثقافي والديني سيكون العامل الأساس في إعادة هيكلة وتقسيم العالم، وإنما كان يتكلم عن واقع أعدّته المخابرات الأمريكية والدولية في أقبيتها الأمنية، فتصريح رئيس المخابرات الأمريكية بأنه "لا يتوقع أن تعود سوريا موحدة"، هو أيضاً تحدّث عن واقع يراد صناعته، وليس توصيفاً أو تنبؤاً بواقع.

فقد اتبعت السياسة الدولية استراتيجية تعزيز الفرز والتقسيم الثقافي والديني والسياسي داخل المجتمع السوري بشكل مباشر منذ بداية تمرّد الشعوب المحكومة على حكامها المندوبين للإشراف على قمقم سايكس بيكو، وكان ذلك بدعم التطرف الفكري والديني والعرقي، وتزامن ذلك مع سعي الإعلام الغربي إلى التركيز بشكل دائم على المشاكل الثقافية، وتسليط الضوء عليها في الوكالات والوسائل الكبرى أكثر من الجرائم الإنسانية وجرائم الحرب ذاتها!

فالمرأة التي جلدتها داعش لارتدائها البنطال في الشمال السوري حظيت بالتغطية الكبرى في الإعلام الغربي، بل أكثر من جرائم الكيماوي التي نفذها بشار الأسد في دمشق وغوطتها الشرقية، والتي حصدت أرواح المئات! وهدف ذلك هو تنفيذ مخطط صراع الحضارات لصامويل هنتغتون، وتحويل أوراق نظريته التي تبنتها الإدارة الأمريكية والمخابرات الدولية لواقع حقيقي في سوريا، وذلك للشروع بعملية التقسيم الفكري والثقافي والديني السابق لاستراتيجية التقسيم الحدودي الساعي لزرع دويلات "دايت" (خالية من السعرات الحرارية) في الحدود السورية.

الغريب أن أغلب الكيانات السياسية والعسكرية الناتجة بعد الحراك الشعبي السوري تقاوم التقسيم، ولكن في الحقيقة إنها تقاوم التقسيم الحدودي، في حين أن الإرادة الدولية قسّمت سوريا فكرياً وثقافياً وعرقياً ودينياً، وأما التقسيم الحدودي فهو تحصيل حاصل، ولا أهمّية له؛ لأنه ليس الأصل، فسايكس بيكو اليوم انتقلت من مرحلة تقسيم البلاد حدودياً إلى تقسيم البلاد على أساس ثقافي وديني، وباتفاقية جديدة ربما يطلق عليها العالم مستقبلاً "أوباما بوتين".

لذا فحتى نجاح أردوغان بإيقاف الدولة الكردية، وربما العلوية، هو نجاح ظاهري، وما يبدو أنه تكتيك روسي وأمريكي أكثر من كونه تكتيكاً تركياً، إلّا إذا استطاع أردوغان وضع حد صارم لسياسة التقسيم الفكري والثقافي والعرقي وليس الحدودي فقط.

فتركيا بدأت التقارب مع روسيا، خاصة بعدما لوحت بالتقسيم على لسان سيرغي ريابكوف، نائب وزير خارجيتها: "نأمل أن يتوصل المشاركون في المفاوضات السورية إلى فكرة إنشاء جمهورية فيدرالية"، والمراقب يعلم أن التقسيم يتجمل بالفيدرالية خاصة بالمشرق، فلا يمكن قياس فيدرالية المشرق العربي على فيدرالية الاتحاد الأوروبي، فأوروبا كانت مقسّمة واتحدت بالفيدرالية، ولكن المشرق موحد ويراد تقسيمه بالفيدرالية، فالفيدرالية قد تكون حلّاً، ولكن لا يمكن أن تقرأ خارج السياق السياسي والاجتماعي، وأيضاً جون كيري وزير الخارجية الأمريكي أكد بتصريحه أمام الكونغرس: "ما يبدو أن من الصعب أن تعود سوريا موحدة"، وهذا التهديد لم تستخدمه روسيا وأمريكا منذ البداية؛ لأنهما كانا يقودان سياسة التقسيم الثقافي بإشراف أمريكي بحت، إلا أن روسيا لوحت بهذا التهديد في النهاية؛ لاستقطاب تركيا ومحاولة مقايضة إيقاف مشروع تقسيم الدول في الشمال السوري، والذي يهدد بدوره البعد القومي التركي، مقابل تخلي تركيا عن مساندتها للحراك الشعبي السوري، والقبول ببشار الأسد في المرحلة الانتقالية فقط حسب قولهم، ومن يدري ربما روسيا فعلت ذلك بالتنسيق مع أمريكا، أي لم تنقلب عليها؛ لأنّها تعلم بأنّ التقسيم الحدودي تحصيل حاصل، ومرادها هو التقسيم الثقافي، وإنشاء دويلات افتراضية تحكم من خلال إرادة خارجية.

أخيراً هل ستتخلى أمريكا عن سياسة حكم المنطقة بدويلات وظيفية لتعود وتحكمها بكيانات وظيفية كالسابق، لا سيما في المرحلة الآنية من التاريخ، ولأي مدى ربما سيقوم الروس والأمريكان على ترشيح الكرد لأن يكونوا الأقلية المضطهدة الجديدة التي سيرممون بها الأقلية العلوية التي حكمت طيلة الأعوام الماضية؟ أم إنهم سيكتفون بعقد المتعة السياسي على الكرد بعد ما قضوا منهم وطراً؟! أم إنّ إرادة الشعوب ستنتزع الحرية رغم أنف البندقية؟

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة