كيف تولد ثقافة الكراهية من رحم الاستبداد؟

السبيل إلى إنقاذ المجتمع من مغبات ثقافتي الكراهية والاستبداد باستبداد ثقافة الكراهية وإرساء معالم الحرية.

الاثنين، 16-03-2015 الساعة 08:24


بالتوازي مع ثقافة مقاومة الظلم والاستبداد، تحتاج مجتمعاتنا العربية إلى ثقافة المحبة والتسامح لنتجاوز ما أنتجته ثقافة الاستبداد من الكراهية واحتقانات العنف، وموروث التَّخلُّف وثارات القتل والاعتقال والتعذيب، والتصفية السياسية والمالية، والحرمان من كافة أنواع الحقوق للقوى الحية في المجتمع. يحتاج المصلحون إلى ضبط ثقافة مقاومة الفساد والاستبداد بالضوابط الدينية النبيلة حتى لا تنحرف بوصلة النضال لتفريغ شحنات الكراهية والحقد انجراراً لسياسة الفعل ورد الفعل.

فالمصلحون دائماً يحبون الخير لكل الناس بمن فيهم الفاسدون والظلمة، فالفاسد والظالم هو من يجلب الضرر لنفسه في دنياه وآخرته، والمصلحون يحاولون تطهير الفاسدين والظالمين مما كسبت أيديهم بجهالة، ولا أحد يحرص على مصلحة الفاسد والظالم كما يحرص عليها المصلح، فجميع أعوان الظلمة أكبر من يجلب الضرر على الظلمة.

والمصلح في مقاومته للظلم ينطلق من قاعدة المحبة والنصرة للظالم، ولهذا اعتبر الرسول الكريم مقاومة الظلم نصرة للظالم وليست حرباً عليه: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، وقال: إن "نصرة الظالم بأن تأخذ على يديه وتمنعه من الظلم لكي تنقذه من النار".

المصلحون يكرهون الظلم والفساد فقط، ولهذا يشفقون على من يتلطخ في أوحال الظلم والفساد، ويحاولون تطهيرهم وحماية من شرور أنفسهم عليهم وعلى مجتمعاتهم.

إن التباين والتنوع والاختلاف سنة الله في حياة البشر، وذلك بهدف التكامل والتعاون والتدافع وإثراء الحياة وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وهذه السنة لن تؤدي أهدافها إلا في الحرية التي فطر الله الناس عليها، وعندما يمارس الاستبداد ويتحول إلى ثقافة للإقصاء والاستحقار والإذلال، وتضييق على حريات الناس، ويرفع الشعار الفرعوني ما أريكم إلا ما أرى، هنا تبدأ ثقافة الكراهية بالنمو، بل وثقافة النفاق والتأمر والحسد لأن الاستبداد يضيع العدالة والمساواة والمحبة والرحمة والتعاون.

فثقافة الاستبداد هي من تزرع الكراهية في المجتمع وتتحول إلى أخطبوط مدمر لقيم المحبة والوئام الاجتماعي، وتعمل على تنمية قِيَم الكراهية والجهل والتَّخلُّف والضَّعف، وفي حين تحرص ثقافة الاستبداد على الترويج لثقافة السلبيَّة والخُنوع لدى المواطن، وتعطيل التفكير في المقاومة السلمية للفساد والاستبداد، تتراكم الاحتقانات حتى ينفجر بركان الكراهية والغضب في مظاهر منفلتة، ويدخل المجتمع في دوامة دوائر الصراع المغلقة بين ثقافة الاستبداد وثقافة الكراهية.

والحكومات المستبدة هي ما ساهمت في إنتاج ثقافة الكراهية بسياساتها التي تولد الاحتقان والإحساس المتزايد بالظلم والشعور بالدونية، وما ينتج عن ذلك من رغبة في الانتقام يتحول من إحساس فردي إلى شعور جمعي في نهاية المطاف، بسبب غلبة الاستبداد وتفشي القهر وانتقال المقهورين من مرحلة الإحساس الداخلي إلى التعبير السلوكي التلقائي، وبقدر الاستمرار في تعميق الاستبداد وطول زمنه، يحدث في المقابل مزيد من تعزيز ثقافة الكراهية في وعي المجتمع ولا وعيه بالمستويات المختلفة، خاصة مع الفئات الأصغر سناً، حيث إن تأثرها بالظواهر المجتمعية من حولها أسرع حدوثاً وأعمق تأثيراً.

ويعمل الاستبداد على تغذية نزعات الكراهية عبر استخدام سياسة "فرّق تسد"، فثقافة الاستبداد هي أصل الداء ومصدر البلاء، وسبب كثير من الإصابات الفادحة والأخطاء القاتلة والشرور الواقعة والآفات الماحقة.

وهكذا يتضح، ثقافة الكراهية أبرز ما تنتجه سياسات الاستبداد، والمتأمل البصير في مجريات الأحداث التاريخية والواقع المعاصر، يدرك بوضوح مدى الكراهية التي تنتجها ثقافة الاستبداد. فالاستبداد عندما يضيق بالرأي الأخر ويصادر الحريات، ويتلاعب بالحقوق ويحرم الناس من المواطنة المتساوية، ويشيع الظلم والعنف ويتيح لبعض النافذين والمتسلطين لسلب حقوق الآخرين والاعتداء على ممتلكاتهم، والعبث بالممتلكات العامة والخاصة؛ فإنه بهذا يستأصل ثقافة الحب والوئام من المجتمع ويغرس بدلاً عنها ثقافة الكراهية في أوساط المضطهدين والمحرومين من حقوقهم المشروعة ويحيل ساحة الوطن إلى ميدان صراع وصدام يدفع ضريبته الوطن والمجتمع أولاً والسلطة ثانياً.

والسبيل إلى إنقاذ المجتمع من مغبات ثقافتي الكراهية والاستبداد تتلخص في محاصرة ثقافة الاستبداد لاستئصال ثقافة الكراهية، وإرساء معالم الحرية والشورى والمواطنة المتساوية بين جميع أبناء الوطن، دون امتيازات خاصة ورد الحقوق، وبالتالي فإن ذلك سيؤدي إلى إشاعة ثقافة الحب والوئام وترسيخ الاتحاد والترابط بين أبناء المجتمع الواحد.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة