كيف طبخنا السم

عبدالهادي: إنها شؤون البؤس، أو عينات منها، وقد باتت على كل لسان، حتى ما عاد فيها جديد، غير ازديادها، كماً ونوعاً.

الخميس، 23-07-2015 الساعة 09:12


سأحدثكم عنهن. هذا أوانهن قد آن أخيراً، وهن اللواتي ما أتيت على ذكرهن، أمامكم، من قبل قط، ولم أخطّ سطراً واحداً يحكي عما يبثثن من ضوء في دهاليز عمرٍ، قضيته أسطر مقالات وخواطر وأخباراً، تتناول كل ما هب ودب على أرض الدم والموت والسواد، المسماة بلاد العرب.

شأن شخصي؟! نعم؛ إنه كذلك، أعترف، وبي بعض مظنة، بأن لي حقاً خاصاً في حبر قلمي النازف شؤوناً عامة، منذ أزيد من ثلاثة عقود.

"حتى طباخ السم ذاقه" يقول مثل شعبي، في فلسطين، حين يمد أي أحد يده ليحصل، لنفسه، على بعض مما يصنع للآخرين، أو ليفعل، شيئاً كهذا الذي قررت فعله، بالكتابة، لمرة، عن أناس يخصونني، بدلاً من مواصلة كلام محزن، عن تفوق الرئيس السوري بشار الأسد على أبيه في ذبح الناس وتشريدهم، وعن تشابه نظيره المصري عبد الفتاح السيسي مع الزعيم الليبي المقتول، معمر القذافي، في إطلاق آراء فلسفية، تبرر احتجاز مستقبل بلاده، خلف نياشينه الزائفة، وعن نجاح إيران بعد ثلاثة عقود ونيف من ثورتها "الإسلامية" في إنجاز ما لم تنجزه إسرائيل، من تمزيق طائفي لجوارها العربي المسلم، وعن بداهة نشوء منهج قطع الرؤوس في تربة تعفنت بالقمع والظلم والفقر والفساد، وعن خيبات متلاحقة، ما انفكت تصيب العرب، وهم يرون قادتهم لا يكلّون من الرهان على أن صديقتهم أميركا ستنصفهم، يوماً، من وحشية حليفتها المصابة بعقدة الخوف على أمنها، وفي جعبتها مئتا قنبلة نووية.

إنها شؤون البؤس، أو عينات منها، وقد باتت على كل لسان، حتى ما عاد فيها جديد، غير ازديادها، كماً ونوعاً، فلماذا لا أفر منها، لأكتب عما يستحق الحياة، قلت لنفسي، فور أن تلقيت اتصالاً هاتفياً أخرجني من روتين عملي في متابعة أخبار معارك الزبداني والأنبار وعدن، وهجمات حزب الله وداعش والحشد الشعبي والحوثيين، ليلقي بي في عالم يفيض بألوان حالمة.

لكن فكرة "طبخ السم" التي سرعان ما قفزت إلى سطوري الأولى، ستقودني إلى التساؤل عما إذا كان الكتّاب والصحفيون المؤيدون لثورات الربيع العربي، وأنا منهم، قد أسهموا، عن غير قصد، في إنتاج المأساة الماثلة اليوم، باعتبار أن نشر أخبار الجرائم المروعة التي ارتكبها الطغاة العرب وترويجها، ولا سيما في سورية، قد ساعد على خلق نقمة شعبية واسعة، في أنحاء العالم، أدت إلى تدفق ألوف الشباب لقتال الظالمين دفاعاً عن المظلومين، ثم كان من شأن تكرار بث صور العنف المتبادل، أن أفقد الناس، لاحقاً، حس استنكار ما يحدث، وصولاً إلى اعتيادهم عليه.

سأتذكر، في مسعاي للتفسير، أن النظام السوري عمد، منذ الأسابيع الأولى للثورة، إلى تسريب صور جرائمه، في حين كان يستطيع إخفاءها. هو، مثلاً، من سلم جثث أطفال درعا إلى ذويهم، بعدما أعمل فيها تشويهاً، ولم يفهم أحد آنئذ، ما الذي يدفعه إلى هذه "الشفافية"، لكن ما ليس مستبعداً، اليوم، هو أنه ربما كان يقدم لنا، عمداً، فطره السام لنطبخه، فتأكلون.

صح ذلك، أم لم يصح، عزاؤنا أننا ما كنا نملك خياراً آخر غير فضح الجريمة. أما الذي لا عزاء فيه، الآن، فهو أني استهلكت المساحة المخصصة لمقالتي هذه في الحديث مجدداً عن الموت، ولم يبق لدي متسع لأحكي لكم عن الحياة، إلا اختزالاً؛ طفلتي حلا، ذات الثماني سنوات، هاتفتني، لتسأل ما إذا كنت أستطيع أن أشتري لها ولأختيها ثياب "حوريات بحر" عثرن على صورها في الإنترنت، وتظن أنها إن ارتدتها ستصبح قادرة على الغوص. قلت لها؛ بلى أستطيع، فطارت فرحاً، وأشفقت عليها من القول إن البحر، مثل البر، با ابنتي، للحيتان، ولا أمان فيه للصغيرات، حتى لو كن حوريات.

(العربي الجديد)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة