كيف نتعـامل مع الأخ الأكبر؟

كان السؤال المطروح هو: كيف تؤثِّر فينا وسائل الإعلام؟ أو كيف يغيِّرنا التلفاز أو الأخ الأكبر؟

الثلاثاء، 23-09-2014 الساعة 09:01


كان السؤال المطروح هو: كيف تؤثِّر فينا وسائل الإعلام؟ أو كيف يغيِّرنا التلفاز أو الأخ الأكبر؟ لم نسمع السؤال المقابل: وكيف نتعامل نحن مع التلفاز؟ أو كيف بوسعنا أن نؤثِّر في وسائل الإعلام؟

هناك أسئلة ذات شأن لا غنى عن طرحها. فما هو السبيل إلى التعبير عن آراء المشاهدين في ما يتمّ تقديمه لهم؟ وهل من خيارات في تمثيل مصالحهم؟ وهل الواقع العربي بحاجة إلى الانتقال بعملية المشاهَدة من استهداف المتلقِّين بالبثّ؛ إلى التفاعل المتبادل بين جانبي البثّ والتلقِّي؟

هي أسئلة جوهرية تتعلّق بالمشاركة الإعلامية التي لا يتحدّث أحد عنها في غابة القنوات العربية المتزاحمة. وهي أسئلة تستنفر قطاعات الجمهور والأطراف المجتمعية للمساهمة في تصميم القوالب واقتراح المضامين، وممارسة الحقّ في الاعتراض، وعدم التنازل عن خيارات الضغط المدنيّة.

لكنّه الواقع العربي الذي يخلو من تقاليد الحوار المجتمعي الجادّ، حتى بشأن التدفقات الإعلامية وتأثيراتها ومضامينها وأنماط استهلاكها. فلا يوجد من يرفع صوته للمطالبة بالتقويم الشامل أو المراجعة الموضعية للقوالب والتدفقات الإعلامية وما تضخّه من مؤثرات إلى الأجيال.

لا تظهر في الأفق آليّات تنظيمية أو مشروعات قوانين تعزز مصالح الجمهور وتوفر شروطاً أكثر توازناً لعملية المشاهَدَة، أمّا الالتزامات الذاتية ومواثيق الشرف الإعلامي فتبدو شعارات جميلة للتباهي معزولة عن التنزيل في الواقع.

إنّ انسحاب الجمهور من مواجهة القوالب والمضامين الواردة عبر التدفقات المتلفزة ليس خياراً واقعياً، ولا يجاري تحدِّيات الحاضر وتطوّرات المستقبل. فبدلاً من الانسحاب تتوجّب الاستجابة الإيجابية للتحدِّيات، بالتعامل الواعي مع القوالب والمضامين الإعلامية، وبالمساهمة في بلورة إرادة جماعية لقطاعات المشاهدين، تعبِّر عن مصالحها وأولوياتها وتفضيلاتها، وتمارس النقد والاعتراض والضغط. فلا غنى للمشاهدين عن التكتل لتسجيل حضورهم وضمان تأثيرهم في البيئة الإعلامية العربية التي تتعامل مع الجمهور بمنطق الكم العددي لمعدلات المشاهَدَة.

وإذا قيس الأمر بالاتساع والامتداد؛ فإنّ "نقابة المشاهدين" هي كبرى النقابات على الإطلاق، و"حِزبهم" هو الشعب ذاته، ونطاقهم هو الأمّة بمعزل عن أسلاك الحدود وخطوط التجزئة. وإذا كان المشاهدون مطلوبين للفُرجَة والتصفيق؛ فلن يعجزوا عن النقد والاعتراض، بل بوسعهم تدشين "قوائم سوداء" يخصِّصونها لمن يروْن أنهم جديرون بها من وسائط إعلام أو فاعلين إعلاميين أو معلنين عبر الشاشات. فهل تكون هذه ضمن "قواعد اللعبة" الجديدة، ضمن معادلة البثّ والتلقي في الفضاءات العربية؟.

قد يجد الجمهور العربي خيارات معقولة للمشاركة الإعلاميّة، مبعثرةً في تجارب أمم أخرى، لكنّه إن لم يعثر على الفكرة المنشودة والآليّات الملائمة، فلا ينبغي أن يتوجّس خيفة من خوض غمار تجارب مستقلة على هذا الصعيد. فحريّ بالمشاهدين العرب أن ينحتوا نموذجهم الذي يرونه أرجى نفعاً وأجدى أثراً، فالنموذج لا يكتسب مشروعيته من غيرهم، بل ينبثق أصالة عن قناعتهم به، وإدراكهم الواعي لأهميته، بل ومثابرتهم الجادة في تحقيقه.

لا غنى عن نهوض أطر تخصّصية، تتولّى التعبير عن مصالح الجمهور، بمعزل عن السلطات وتكتلات المصالح، وباستقلالية عن مراكز القوى السياسية ونفوذ المال الإعلامي.

ليس ضرباً من الترف المناداة باستنهاض سلطة المشاهدين في الواقع العربيّ، فالمشاهدون العرب يمتلكون مخزونات هائلة من القدرات التفاعلية غير الموظفة بعد في استعمال حقهم في النقد والتقويم والاعتراض؛ فمن يرغب بتجريب ذلك؟

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة