لا تصدقوا "عنتريات" بوتين ضد تركيا !

لا شيء يعاديه بوتين منذ وصوله إلى الحكم مثل الديمقراطية، لذلك خياراته الخارجية كلها تصب في أقداح المستبدين والطغاة.

الثلاثاء، 01-12-2015 الساعة 16:40


بوتين هو أسوأ حاكم بين القوى الكبرى التي تهيمن على العالم، حيث إنه منذ غادر جهاز "كا جي بي" ووصل إلى سدة الحكم وهو يعمل بعقلية استخباراتية كي يتحوّل إلى إمبراطور روسي يمتلك النفوذ المطلق على الشرق والغرب.

نفسية بوتين ديكتاتورية بامتياز، والديمقراطية هي أشد خصومه، لذلك لم يعد لها مكانها الحقيقي، وليس الشكلي في روسيا، لهذا نجح لدرجة كبيرة في تفتيت المجتمع المدني الروسي، كما أنه اختزل روسيا في ذاته القيصرية.

ليس مجالنا الخوض في تقلبات أمزجة بوتين التي لا تنتهي، ولا سياسته الشوفينية في الشرق والغرب، حيث إنه ظل يتنطط على كل الحبال من أجل الحفاظ على حكمه وتفادي أي ثورة شعبية عليه، وخاصة أن الفقر والبطالة والبطالة المقنعة تعصف بالروس، رغم تخصيص حوالي 780 مليون دولار في 2015 لمحاربتها.

بلا أدنى شك أن روسيا التقت مع إيران في مسألة تصدير الأزمات الداخلية إلى الخارج، فموسكو ومنذ عهد الاتحاد السوفييتي وهي تخرج من مستنقع قذر لتقع في آخر أقذر، ولم يسجل لحد الآن أنها أفلحت في الحفاظ على خياراتها مع أي قضية تساندها وتدعمها، بل إن الجانب الوحيد الذي أفلحت فيه هو موقفها من "إسرائيل" منذ هجرة اليهود السوفييت نحو فلسطين.

تعتبر سوريا آخر قلاع النفوذ الروسي في المنطقة العربية، لذلك بلغ الحال بموسكو إلى درجة الغزو العسكري لها كي تبقيها بمنطق القوة تحت سلطة نفوذها، والتهديد الوحيد الذي يستهدف الوجود الروسي هو الثورة السورية بعدما بادرت موسكو بالعداء منذ البداية، فالغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية قد أبقى على سوريا تحت نفوذ بوتين، ولو لم يكن هذا الواقع لتدخل مطلع الأزمة وأخرج الأسد من الحكم وبذلك ينتهي كل شيء، وما وصلت لدرجة الحرب الأهلية التي تعصف بأرواح آلاف المدنيين في محرقة لم يسبق لها مثيل.

قد يرى البعض أن روسيا أخطأت عندما عارضت منذ البداية ثورة الشعب السوري على نظام الأسد، ولو أنها انحازت لهذا الخيار الشعبي لحافظت على مصالحها، فالشعب السوري لا يمكنه أن يقف ضد من يدعمه، ولا أن يغير موازين المعادلات الدولية في المنطقة بين عشية وضحاها.

بلا أدنى شك أن هذا خطأ استراتيجي ستدفع روسيا ثمنه حسب نظرنا، لكن بوتين لا يمكنه أن يقف مع إرادة الشعوب في الشرق أبداً، فنفسيته الديكتاتورية تحول دون ذلك، كما أن صناعة مستنقع جديد تحت تسمية الإرهاب تلتقي فيه روسيا مع الغرب والشرق فيه فوائد كبيرة، منها الاقتصادية والعسكرية وغيرها.

إن حرب بشار الأسد على الشعب السوري منذ البداية في 2011، هو قرار إيراني مدعوم من روسيا، وبوتين ظن أنه بهذا الخيار سيلوي عنق الغرب فيما يخص أوكرانيا، وحسابات أخرى عميقة ومعقدة ليس المجال لذكرها.

لا شيء يعاديه بوتين منذ وصوله إلى الحكم مثل الديمقراطية، لذلك خياراته الخارجية كلها تصب في أقداح المستبدين والطغاة الذين يقتلون شعوبهم ويبيدهم على المباشر، وهذه الحقيقة التي تشكل عقدة في النفسية الروسية حالياً، سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي.

لقد وصل الحال إلى أن قامت روسيا بغزو سوريا بعدما فشلت في إنقاذ النظام عبر المستشارين العسكريين الروس ثم الأسلحة الروسية، وبعدها المليشيات الإيرانية الإرهابية القادمة من لبنان والعراق وإيران، والمرتزقة الذين تم جلبهم من مختلف أنحاء العالم كي يدافعوا عن نظام قاتل يبيد الشعب الذي ثار سلمياً ضد الاستبداد والفساد.

لم تفلح كل هذه الخيارات في مواجهة الشعب السوري، فلا توجد قوة يمكن أن تنتصر على صاحب الحق الذي يدافع عن أرضه وعرضه، وهذه هي الحقيقة الثابتة التي لم يأخذها بالحسبان كل من عادى الشعب السوري في ثورته العادلة.

منذ قام بوتين بغزو سوريا قتل حوالي 1500 مواطن سوري، أغلبيتهم من المدنيين، بينهم أطفال ونساء، وعملياته العسكرية لا تستهدف معاقل تنظيم "داعش" الذي يدعي محاربته، بل كلها تستهدف مواقع المعارضة السورية، وعلى رأسها الجيش الحر، وبلغت العنجهية الروسية إلى درجة استهداف التركمان الذين لا يوجد بينهم أي تنظيم مدرج في قوائم الإرهاب الدولي.

لقد قرر بوتين في حالة عربدة واضحة أن يتحرك عسكرياً للقضاء على المعارضة السورية، وكي لا يبقى في المشهد السوري سوى مليشيات طائفية متطرفة تسللت إلى سوريا كي تقتل شعبها الثائر ضد نظامه.

حتى ما يسمى "الجيش العربي السوري" الذي تراهن عليه بعض الأطراف لمحاربة "الإرهاب" تفكك إلى عصابات ومليشيات طائفية وإجرامية لا تتحكم في أغلبيتها السلطة المركزية في القيادة العسكرية، وإعادة ترميمه في ظل ما يحدث يعتبر من المستحيلات.

لم يتوقف أمر بوتين عند معاداته للثورات الشعبية العربية، بل وصل به إلى درجة معاداته لتركيا التي تعطي النموذج الأقوى في الديمقراطية الحقيقية الناجحة في العالم الإسلامي والمنطقة، بما يفضح الروس أنفسهم الذين يتواجدون بين القوى الديمقراطية الكبرى بعقلية ديكتاتورية أكبر.

لقد كانت الطائرة الحربية الروسية التي أسقطتها تركيا، مجرد "حمار طروادة" وليس حصانها الذي أراده بوتين للضغط على أنقرة كي تنحاز لخياراته في المنطقة، بعدما لم تنجح في ليّ ذراعها تلك العمليات الإرهابية التي طالت تركيا بتوقيع تنظيم "داعش" الذي صنعت قوته المخابرات الإيرانية، ليغدو البعبع الذي من خلاله يتم القضاء على الثورة السورية وأي حراك آخر ضد المشروع الإيراني، وهذا ثابت بأدلة قاطعة صار يعرفها عموم الناس فضلاً عن أجهزة استخبارات عالمية.

التهديدات والعنتريات الفارغة لبوتين ضد تركيا لن تتجاوز مرحلة محدودة، زمنياً ومكانياً، فلا يمكنه أن يتجرأ على حرب مع تركيا القوية وهو يغرق في مستنقع سوريا ضد ثوار لا يمتلكون حتى أسلحة مضادة للطيران، فضلاً عن الدخول في مغامرة بوتينية مع دولة هي عضو في حلف الناتو وتملك قدرات عسكرية كبيرة، وصارت من الدول التي تصنع سلاحها بأيدي أبنائها.

روسيا صارت لا تمتلك أصدقاء، فأعداؤها أكثر بكثير، على عكس تركيا، والشركاء التجاريون على الساحة الدولية يعدون على الأصابع، وتعاني من عقوبات اقتصادية تفرضها عليها أمريكا ودول غربية، وكانت تركيا تخطط لزيادة حجم التبادل التجاري مع روسيا إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2020، وأي تصعيد من طرف بوتين سيضرب هذه العلاقة التجارية التي تستفيد منها روسيا في ظل أزماتها المتعددة، أما تركيا فستجد البدائل الكثيرة مع دول أخرى؛ خاصة في ظل التحالفات المتصاعدة مع المملكة العربية السعودية وعلاقاتها المتينة مع دولة قطر.

لا يقتصر الأمر على الجانب التجاري، فتوجد اتفاقيات استراتيجية حول الطاقة تمّ توقيعها في السنة الأخيرة، ومنها اتفاق رئيسي حول خطة لإنشاء خط لنقل الغاز الروسي إلى تركيا ومنها إلى السوق الأوروبية الضخمة، وهذا يعتبر بديلاً لخط الغاز الذي كان من المفترض أن يمرّ عبر أوكرانيا وألغي في 2014 بسبب الأزمة، وتركيا تعتبر ثاني أكبر مستورد لغاز روسيا بعد ألمانيا. وفي الإطار نفسه تقوم روسيا منذ أبريل/نيسان المنصرم ببناء مفاعل نووي تركي بموجب اتفاق وقع في 2010، وستموله روسيا بنحو 22 مليار دولار وتشرف على إدارته.

من جهة أخرى السياحة الروسية تشكل عنصراً أساسياً للسياحة التركية، حيث إنه بلغ عدد السياح الروس في 2014 نحو 4.5 مليون سائح، وحسب أرقام رسمية روسية فإن السياح الروس يشكلون نسبة 12% من إجمالي السياح الذين يزورون تركيا ويحتلون المرتبة الثانية بعد ألمانيا، وقد رشح ارتفاع عددهم بعد حادثة الطائرة الروسية في شرم الشيخ المصرية، وأي تصعيد مع تركيا سيغلق الأبواب في وجوه الروس ولا يوجد بدائل سياحية أخرى، بما يزيد من حجم الغضب الشعبي على حكم بوتين.

كما ذكرنا في بداية مقالنا أن روسيا تعاني من اضطراب اقتصادي كبير بسبب انخفاض أسعار النفط والعقوبات الغربية عليها، وتوقع من قبل صندوق النقد الدولي أن ينخفض الدخل القومي الروسي بنسبة 3.8% خلال 2015. وفي المقابل توقع نمو الاقتصاد التركي بنسبة 3.1% وهي نسبة منخفضة مقارنة بعامي 2010 و2011 التي تحقق فيها نسبة 9%.

هذه بعض المؤشرات من مؤشرات أخرى عديدة تؤكد أن عنتريات بوتين ضد تركيا لن تتجاوز الصدمة التي تلقاها بعد إسقاط طائرته الحربية، وكل ما يجري لن يخرج من محاولات الابتزاز التي دأبت عليها روسيا، خصوصاً في عهد بوتين لأجل تحقيق بعض المصالح لحماية كيانه القيصري من السقوط في ظل واقع اقتصادي روسي يتهاوى، وسيصل إلى درجات خطيرة مستقبلاً قد تشعل ثورة الجياع في روسيا.

وللحديث بقية

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة