لعبة الإرهاب التي ستحرق بشار الأسد!‎

الإرهاب صنعه بشار الأسد بدعم إيراني وروسي وغيره، ثم مارسه في حق ‏الشعب السوري، ولعبه على المستوى الإقليمي والدولي، وذلك كله من أجل ‏حماية نظامه المتهالك من النهاية، ولكن.. سيحرقه.

الجمعة، 01-08-2014 الساعة 07:18


‏لما وصلنا حمص صباح يوم 2011/12/27 في إطار بعثة مراقبي الجامعة ‏العربية، حرص المسؤولون في المحافظة والجيش والمخابرات على إقناعنا بأن ‏ما يحدث حينها في بابا عمرو هو مجرد "إرهاب". وأن ما ينقله الإعلام عن ‏محاصرة الحي وقتل المواطنين فيه هي افتراءات من جهات متآمرة على سوريا ‏على حد زعمهم. بل وصل إلى درجة أنهم يتّهمون بعض وسائل الإعلام وعلى ‏رأسهم قناة الجزيرة القطرية بفبركة الأحداث وتصوير المقاطع في أماكن مجهولة ‏خارج القطر السوري.‏

لقد حرص محافظ حمص اللواء غسان عبد العال من خلال ما أعده من مشاهد ‏وخرائط بحضور جهاز المخابرات وقيادات من الجيش، أن يقنعنا بسيطرة تنظيم ‏‏"القاعدة" على حي بابا عمرو وهو من يحرق أنابيب الغاز ويدمر المنشآت ‏والسكك الحديدية، وأن المواطنين أسرى عنده فقط، بل إنهم يتريثون في التدخل ‏العسكري وتحرير هذا الحي الذي شغل العالم لتفادي سقوط ضحايا أبرياء من ‏المدنيين رغم عدوان الجماعات المسلحة على مراكز الأمن والجيش!‎

حتى وسائل الإعلام التي التفّت من حولنا بعد عودتنا من زيارة الحي برفقة ‏رئيس بعثة المراقبين، كانت أسئلتهم كلها تتعلق بالمسلحين وهويتهم وعن ‏الأجانب الذين يتواجدون بينهم وعلاقاتهم مع تنظيم القاعدة وأيمن الظواهري. بل إن المواطنين في أحياء موالية استقبلوا المراقبين بلافتات تتعلق في أغلبها ‏بالإرهاب. حتى في لقاءات جمعتني شخصياً مع وزير الداخلية اللواء محمد ‏الشعار والعماد آصف شوكت صهر الرئيس بشار الأسد الذي كان في حمص ‏يقود معركة النظام ضد ثوار بابا عمرو وباب السباع وغيرهما. جرى التأكيد من ‏طرفهما عدة مرات على أن سوريا تواجه إرهاب القاعدة وأنه لا توجد ثورة ‏شعبية بل جماعات مسلحة قدمت من الخارج بتسهيل ودعم من تركيا والسعودية ‏وقطر.‏

التفاصيل كثيرة بخصوص هذا الأمر، لكن السلوك الذي لمسناه هو الحرص من ‏المسؤولين على التسويق عبر بعثة الجامعة العربية لفرضية الإرهاب، وتأكدت ‏شخصياً من خلال عملي أن المخابرات السورية وبأوامر عليا عملوا كل ما في ‏وسعهم من أجل أن يكتب المراقبون في تقاريرهم اليومية أن ما يحدث في سوريا ‏هو بسبب تسلل عناصر من القاعدة فقط.‏

بلا شك إن هذا التسويق للإرهاب يخدم نظام بشار الأسد، ولذلك تمت الموافقة ‏على دخول بعثة المراقبين، فهو يدرك أن المجتمع الدولي سيغير ممارساته تجاه ‏الثورة وأيضاً الدول العربية التي لديها حساسية مفرطة مما عانته من تنظيم ‏القاعدة كالسعودية. ولن تقف مكتوفة الأيدي وستوقف دعم الثورة الشعبية لأنها ‏ليست كذلك بل مجرد إرهاب يهدّد المنطقة والعالم برمته كما تحدث به حتى ‏بشار الأسد في خطاباته الأولى.‏

لا يوجد تعريف دولي دقيق لمصطلح الإرهاب وكل جهة تسوق له وفق ما يخدم ‏أطروحاتها، وهذه الثغرة القانونية التي وجدها نظام بشار الأسد دفعته للعمل ‏إعلامياً على التسويق للإرهاب بالتوازي مع ممارسته على الشعب من خلال رد ‏الفعل الأمني الوحشي على كل من يتجرأ على المطالبة بإصلاحات فقط وليس ‏رحيل النظام. هذا الإرهاب وقفنا عليه في إطار بعثة مراقبي الجامعة العربية من ‏خلال القتل العشوائي والقناصة واستعمال الهاون والتعذيب في السجون، ويوجد ‏الكثير الذي لم نتمكن من الوقوف عليه بسبب التعتيم والتضليل الممارس على ‏البعثة من قبل المخابرات.‏

النظام السوري لجأ إلى سياسة السيارات المفخخة وسبق وصول المراقبين تفجير ‏في دمشق والأمر نفسه بالنسبة لمراقبي الأمم المتحدة، حيث استقبلهم النظام ‏بتفجيرات أدت إلى سقوط المدنيين وتفحم الجثث. الإرهاب الذي مارسه الجيش ‏وأجهزة الأمن ضد المتظاهرين السلميين كان بهدف دفعهم بالقوة إلى استعمال ‏القوة المضادة، وهذا ما كان يريده بشار الأسد ليؤكد أن القضية تتعلق بالإرهاب ‏وليست ثورة شعبية ضد نظامه الحاكم.‏

يجب أن نؤكد على أمر هام أن الشعب السوري حافظ على سلمية ثورته عدة ‏أشهر ولكن الإرهاب الذي مارسه النظام لا يمكن أن يصبر عليه أحد، حيث ‏يغتصب النساء أمام ذويهم ويفرض سلوكيات غير أخلاقية لا يمكن تخيلها، وتجد ‏القناصة يقتلون الأطفال ويختطفون المواطنين ويعذبونهم بما لا يوصف. كل ذلك ‏فرض على الثورة من خلال المنشقين العسكريين إلى الدفاع عن نفسها. وكان ‏هذا المؤشر الذي أراده بشار الأسد الذي لم يفكر حينها في حل سياسي مع هؤلاء ‏بعيداً عن العقلية الأمنية الإرهابية التي ستصنع الإرهاب حتماً وتدمر البلاد.‏

لم يقتصر الأمر على ذلك، بل لجأ بشار إلى صناعة جماعات موازية مارست كل ‏أنواع الإرهاب تحت شعار الثورة، وفتح المجال عبر الحدود لتسلل المقاتلين ‏الأجانب الذين هالهم ما يسمعون ويشاهدون من جرائم في حق المواطنين العزل. ‏لم يتوقف الأمر عند حد التسويق للإرهاب الذي يمارسه النظام من خلال مشاهد ‏الموت، بل أدخل تنظيمات طائفية إرهابية متطرفة مثل "حزب الله" وجماعات ‏أخرى من العراق وإيران، وهذا كله لخلط أوراق الثورة وصناعة الإرهاب في ‏الطرف الآخر خصوصاً.‏

تجلت سياسة إغراق الثورة السورية في الإرهاب عبر تسريبات استخباراتية ‏عن اجتماع أمني حضره مسؤولون من المخابرات الإيرانية ومخابرات "حزب ‏الله" ومخابرات العراق في منتصف 2012، تناول المجتمعون قضية طرحها ‏الأمين العام للحزب حسن نصر الله وتتمثل في تسهيل وجود "تكفيريين" في ‏المشهد السوري، وهذا كي ينجحوا في رفع الضغط على نظام بشار الأسد ‏ويحوّلوا الأحداث من ثورة شعبية ضد نظام مستبد إلى مجرد "إرهاب" يحاربه ‏المجتمع الدولي. وتم الاتفاق في تلك المرحلة على تسهيل دخول تنظيم الدولة ‏الإسلامية في العراق، واقترحت المخابرات العراقية رفع الحراسة عن الحدود ‏وتسهيل الفرار من السجون العراقية التي يقبع فيها حوالي 2000 مقاتل من ‏التنظيم، وهذا الذي حدث بالفعل لاحقاً.‏

لقد مارس نظام بشار الأسد الإرهاب ثم سوّق له، وبعد ذلك صنعه سواء ‏بجماعات استخباراتية موازية أو من خلال تسهيل دخول جماعات مدرجة دولياً ‏في قوائم الإرهاب المخترقة إيرانياً. وهذا كله في إطار سياسة أمنية ممنهجة، ‏وتتمثل في إغراق الثورة بالتطرف حتى يكسب الشرعية ولو كانت مؤقتة في ‏إطار سياسة ربح الوقت المعروفة.‏

لا توجد تنظيمات متشددة غير مخترقة، ولا توجد تنظيمات متطرفة لا تخدم ‏أجندة ما، سواء عبر شعاراتها أو من خلال أفعالها عن علم أو جهل. وهذا ما ‏استفاد منه بشار الأسد وإيران كثيراً. فقد أدخلوا التكفيريين من "حزب الله" ‏والحرس الثوري وكتائب "أبو الفضل العباس" وغيرهم، وذلك حتى تظهر للعلن ‏كتائب تكفيرية أخرى مضادة في صفوف المعارضات، فقد كان رجال المخابرات ‏يقرّون أن العنف سيولد العنف والإرهاب يصنع الإرهاب أيضاً، وهذا تأكد في ‏تجارب سبقت ما يجري في سوريا.‏

المجتمع الدولي بلا شك كان يعرف ذلك ويدرك جيداً أن عمر الثورة كلما طال ‏كلما صومل سوريا وأفغنها، ولكن بقي متفرجاً لأسباب استراتيجية، منها ما يتعلق ‏بأمن إسرائيل، ومنها ما يتعلق بصناعة بؤر نزاع تكون محرقة للشباب المتدين ‏من العالم العربي والإسلامي. كما أن ذلك يطيل عمر سياسة "الحرب على ‏الإرهاب" التي تحافظ على النفوذ الغربي وتحمي مصالح أمريكا بالمنطقة عن ‏طريق العصا الغليظة والقواعد العسكرية.‏

بلا شك إن المشهد الثوري السوري قد أفرز تنظيمات متشددة حيث نجد القاعدة ‏ومشتقاتها، ولكنه جاء كنتيجة استخباراتية وحتمية واقعية فرضتها ممارسات ‏إيران وروسيا عن طريق نظام بشار الأسد. وكل ذلك لا تتحمله ثورة الشعب ‏السوري الذي دفع الثمن غالياً بل تتحمله المنظومة الدولية التي أرادت أن يصل ‏وضع سوريا إلى هذه المرحلة التي حققت فيها إسرائيل أكثر مما حلمت به، فقد ‏دمرت البنى التحتية والقدرات العسكرية السورية ونزعت السلاح الكيماوي من ‏نظام صار في حكم المنتهي، حتى لا تبقى هذه الأسلحة في سوريا بحوزة نظام ‏جديد قد لا يكون الحارس الأمين على حدود إسرائيل، مثلما ظل نظام الأسد على ‏مدار نصف قرن تقريباً.‏

الإرهاب صنعه بشار الأسد بدعم إيراني وروسي وغيره، ثم مارسه في حق ‏الشعب السوري، ولعبه على المستوى الإقليمي والدولي، وذلك كله من أجل ‏حماية نظامه المتهالك من النهاية، ولكن تقديراته الأمنية والاستخباراتية كانت ‏خاطئة ولن تحقق له ما أراده، بل ستحرقه وفي الوقت المناسب الذي تريده القوى ‏العظمى، لأن لعبة الإرهاب لم تبق بين يدي بشار الأسد كي يلعب بها، بل صارت ‏في أيادٍ أخرى تتحكم فيها، وحددت وقت النهاية على مقاس إسرائيل حتماً... ‏وللحديث بقية.‏

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة