لعنة الفشل العمدي في سوريا

المواثيق والقوانين الدولية، تفرض على المجتمع الدولي التدخل لحماية المدنيين من وحشية نظام الأسد.

الاثنين، 22-12-2014 الساعة 15:10


الفشل الدولي في سوريا ما يزال مستمراً في إبادة السوريين، وعدد الضحايا تجاوز ربع مليون قتيل وأكثر من 200 ألف جريح، وتمّ تشريد واختفاء وتهجير ما يفوق عن عشرة ملايين أيضاً، وجرى تدمير الكثير من القرى والمدن وملايين البيوت.

هذا الفشل يستحق بامتياز أن يوصف باللعنة الدولية الحقيقية غير المسبوقة بسبب نتائجه الكارثية في حق البلاد والعباد، وللأسف الشديد ما زال الفشل يتكرّر ويصنع نفسه بوضوح، مما يضعه في دائرة الفشل العمدي مع سبق الإصرار والترصّد وليس مجرد فشلٍ عابرٍ جاء بسبب حسابات خاطئة أو أنه فوق طاقة الجامعة العربية والأمم المتحدة بسبب الصراعات والاستقطاب الدولي القائم بين روسيا وأمريكا من جهة، وبين إيران ودول عربية وإسلامية من جهة أخرى.

الفشل في سوريا صار جريمة حربٍ بكل المقاييس، فكل المواثيق والقوانين الدولية وعلى رأسها ميثاق الأمم المتحدة، تفرض على المجتمع الدولي التدخل لحماية المدنيين من وحشية نظام بشار الأسد ومن يقفون خلفه، ولكن للأسف لم يحدث هذا، وكل ما يجري هي تدخلات لحفظ ماء الوجه إن وجد، وكلها جاءت فاشلة قبل أن تبدأ أصلاً.

فالنظام الذي يقصف القرى الآهلة بالسكان المدنيين وبأسلحة ثقيلة وصواريخ عابرة وأسلحة دمار شامل، لا يمكن أبداً أن يقبل بمنطق الحوار والمفاوضات من أجل إيجاد مخرج سياسي لأزمة سوريا التي فاقت وحشيتها كل الحدود.

مسرحية الجامعة العربية

لقد بدأت الجامعة العربية بمسرحية سمّتها مبادرة، تمثّلت في بروتوكول يتكوّن من بعض البنود، وكان أبرز ما قامت به هيئة نبيل العربي هي بعثة مراقبين أوكلت رئاستها لجنرال سوداني حامت حوله شبهات كثيرة بخصوص انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور، فهل يعقل أن العالم العربي الذي توجد به كفاءات لا تحصى ولا تعد، ولم تجد جامعة الدول العربية سوى اللواء الركن مصطفى الدابي كي يترأس تلك البعثة؟

لقد كنت شخصياً ضمن بعثة المراقبين وقضيت 17 يوماً في سوريا ما بين دمشق وحمص، وتفاجأت بالتناقض التام بين الواقع وبروتوكول جامعة نبيل العربي، فضلاً من أن نظام الأسد أفرغ البعثة من محتواها وحولها إلى مجرد شهود أوكلت لهم مهمة الشهادة على وجود الإرهاب في سوريا فقط.

أما إرهاب الأسد وجرائمه بحق الإنسانية؛ فلا مكان لها عند بعثة تتكون من ضباط استخبارات ودبلوماسيين لا يزالون في مناصبهم وبينهم من ينتمون لحكومات تدعم بشار الأسد. كما يوجد عدد قليل من الحقوقيين الذين لا حول لهم ولا قوة، وحتى عند عودتهم، أغلبيتهم منعتهم الجهات التي يشتغلون عندها من الكلام وهددتهم في لقمة عيشهم، وآخرون لاحقتهم المخابرات السورية وابتزتهم بصور فاضحة.

عندما أيقنت أن الدابي يصر على تمرير ما يريد أو يريدون له فقط، واتصلت عدة مرات بالأمين العام للجامعة العربية ورفض التحدث إلي، قررت حينها الانسحاب وفضح تلك المهمة الفاشلة التي أعطت لبشار الأسد المزيد من الوقت لسفك الدماء وكانت تريد شرعنة حربه على الشعب في إطار ما يسمى بـ "مكافحة الإرهاب".

لقد فشلت مهمة الجامعة العربية التي كانت فاشلة أصلاً قبل أن تولد من هيئة لم يشهد تاريخها أن قامت بأدنى دور إيجابي لصالح الشعوب، فتمّ تدويل القضية وحوّل الملف إلى الأمم المتحدة، وللأسف كان تقرير الجنرال الدابي أحد أبرز الوثائق التي بعثها نبيل العربي مع ملف سوريا، وهكذا نقلت الجامعة فشلها إلى مؤسسة دولية من المفروض أنها أرقى من أن تعتمد على تقرير الدابي الذي ثبت لكل العالم أنه مزوّر وتمّ تحريره في أروقة النظام السوري الاستخباراتية والدبلوماسية.

الأمم المتحدة بين مخالب الأسد

بدأت الأمم المتحدة في التعامل مع القضية السورية من خلال تعيين مبعوث لها بالاشتراك مع الجامعة، وكان كوفي عنان هو الشخص الذي جرى اختياره، وهكذا جاءت مبادرته التي كلّلت ببعثة مراقبين دوليين، الذين أعادوا مشهد بعثة الدابي من حيث شكلها ومضمونها وتحرّكها، والفرق فقط أنهم غيّروا لون السترات من البرتقالي إلى الأزرق، وبدّلوا عنوان غرفة العمليات من القاهرة إلى نيويورك.

لقد تعامل نظام الأسد مع مراقبي الأمم المتحدة بالمنطق نفسه الذي جرى مع مراقبي الجامعة العربية، وقد حدثت مجازر فظيعة في بعثة عنان هي أسوأ من تلك التي جرت مع بعثة الدابي، ومجزرة أطفال الحولة في 25 مايو/ أيار 2012 لا تزال شاهدة على ذلك.

استقال عنان ولحق بالدابي المستقيل بأمر، ووجدت الأمم المتحدة نفسها في مواجهة خيار مبعوث جديد، في ظل تصاعد وحشية نظام الأسد وتصاعد المقاومة الشعبية له عبر ضباط وعسكريين انشقوا من الجيش النظامي. وقع الاختيار على الأخضر الإبراهيمي الذي راح يرقص على رؤوس أفاعي، ويتحمّل عبء تركة الفشل، وأذكر أنني راسلت الإبراهيمي عشية تعيينه ونصحته أن لا يذهب لسوريا بحقيبة من سبقوه لأنه سيلحق بهم ويستقيل مثلهم، ولا يوجد خيار آخر سوى القوة التي تبدأ بقرار يكون تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وهو ما ترفضه روسيا والصين باستعمال حق النقض "الفيتو" ضده.

قضى الإبراهيمي مدة أطول من تلك التي قضاها كوفي عنان الذي بدوره قضى فترة أطول من التي قضاها الدابي، وكل ذلك كان في صالح نظام الأسد الذي يراهن على العامل الزمني كثيراً، لأجل فرض خياراته الأمنية بقوة السلاح والمجازر الدامية بحق المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ ومرضى وجرحى.

فشل الإبراهيمي بدوره في مهمته التي بدأت فاشلة أصلاً في الأمم المتحدة، فنظام الأسد يؤمن أن مجلس الأمن لن يتحرك ضده في إطار الفصل السابع مادام تحت حماية "فيتو" موسكو وبكين، ولا أمريكا ستتجرأ على ضرب نظام سوريا خارج مجلس الأمن لأن اللوبي الصهيوني يحمي الأسد، ولن يفعلها أوباما رغم أن النظام تجاوز الخطوط الحمراء وقصف الشعب بالكيماوي في 21 أغسطس/ آب 2013 بعد ثلاثة أيام من وصول المفتشين الأمميين الذين يحققون بخصوص استعمال سابق لأسلحة الدمار الشامل.

أما على الأرض فمليشيات إيران من "حزب الله" ومشتقاته، تقوم بالدفاع عنه ومواجهة الثوار بمنتهى الطائفية والعنصرية والإرهاب. وبذلك واصل التعامل مع الإبراهيمي بالشكل نفسه، ولما جمع الإبراهيمي بين المعارضة والنظام على مائدة مؤتمر جنيف 2، كان وليد المعلّم يتعنتر بالعنتريات نفسها التي سمعناها من آصف شوكت وهشام بختيار ومحمد الشعار وغسان عبد العال وغيرهم من أركان نظام الأسد أثناء مهمة بعثة مراقبي الجامعة العربية. وهو ما يؤكد أن النظام السوري لم ولن يتراجع قيد أنملة في مواقفه وطريقة تعامله مع المجتمع الدولي.

فشَل الإبراهيمي كما كان متوقعاً عندي بحكم تجربتي مع نظام الأسد في بعثة المراقبة، وأيضاً لدى المعارضة وثوار سوريا بسبب معرفتهم لطبيعة نظامهم الذي يقاتلهم بمنتهى الوحشية. استقال الإبراهيمي وعاد لممارسة أدوار أخرى أسوأ في الجزائر منها استقباله عدة مرات من قبل الرئيس بوتفليقة كي يرد عبره وبه على ما يشاع من تدهور وضعه الصحّي الثابت لكل العالم.

رغم الفشل الرابع الذي يتغير فقط مع أسماء "كومبارس" ينفذون الأدوار، إلا أن المجتمع الدولي لم يتحرّك ضد الأسد الذي تجاوز كل القوانين الدولية الخاصة بالإنسان والحيوان والجماد، واستقر أمره على مبعوث آخر وهو دي ميستورا، الذي شرع في طرق باب موسكو عله ينجو من خيبة فشل رافقت من سبقوه. وللأسف يبدو أنه لا يعلم أن الفشل ليس في الدابي ولا عنان ولا الإبراهيمي إنما في الأمم المتحدة التي تحوّلت من هيئة لحماية الشعوب والسلم العالمي كما يفترض، إلى مجرّد أداة للدفاع عن مصالح قوى عظمى تتحكّم فيها وفق مقاربات بعيدة كل البعد عن مواثيقها الدولية.

نجاح في تقنين الفشل

لقد نجح نظام الأسد بفضل من يقفون خلفه في تحقيق ما يريده، حيث بدل أن يتحرك المجتمع الدولي ضد إرهاب الأسد، هاهو يحارب تنظيم "الدولة" المعروف اختصاراً بـ "داعش" الذي وجوده في سوريا أصلاً كان ضمن مخطط استخباراتي بين طهران وبغداد المالكي وبيروت حسن نصر الله ودمشق الأسد. وقد اعترف المالكي مؤخراً في لبنان أن انسحاب الجيش العراقي من الموصل ليس هزيمة بل بأمر، وهو ما يؤكد أن تغوّل "داعش" هو مجرّد مخطط استخباراتي لخلط أوراق المنطقة والثورة السورية بما يحافظ على مصالح إيران وموسكو ومن خلالهما أمن "إسرائيل".

لا يزال المدنيون يقتلون في سوريا ويشرّدون ويعذّبون في سجون النظام، واختفت المظاهرات السلمية تقريباً بسبب الخراب الذي حلّ بالبلد فضلاً عن الصواريخ والبراميل المتفجّرة التي تطال كل القرى والمدن الثائرة بلا شفقة ولا أدنى رحمة بالسكان. وقد استفادت إسرائيل أولاً ثم أمريكا والقوى الدولية الأخرى من دماء السوريين، فقد تمكّنوا من تجريد الأسد من سلاحه الكيمياوي، كما دمّر الجيش السوري بتوريطه في حرب قذرة ضد الشعب حوّلته إلى مجرد عصابات طائفية تصنع الإرهاب وتتحالف مع منظمات إرهابية، ثم جرى إحياء "الحرب على الإرهاب" والزجّ بالمنطقة في معركة لن تستفيد منها أبداً.

الغريب العجيب أن الفشل لم يلاحق الموفدين الدوليين بل يلاحق أيضاً حتى حرب أوباما على تنظيم "داعش"، فلا يزال التنظيم يتمدّد ويسيطر على بعض المناطق، ومنذ عدة أشهر والقصف قائم على مواقع البغدادي، غير أنه لم يحقّق ما يرتجى منه لأن الهدف حالياً ليس القضاء على "داعش" بل حسابات أخرى ستنكشف مع مرور الوقت.

الغرب منذ مدة وهو يريد التخلص من الكتائب الإسلامية المعارضة لبشار الأسد، ولا فرق عنده بين النصرة وأحرار الشام أو "داعش" وهو التنظيم الذي كان شماعة لهذه الحرب القائمة، وإن كان المجتمع الدولي لا تهمه الشماعات، بقدر ما تهمه حسابات استراتيجية غير معلنة لا يتفطّن لها حكام المنطقة وشعوبها إلا بعدما تصير واقعاً لا يمكن الحياد عنه.

إن الفشل الدولي في حماية الشعب السوري ليس صدفة ولا هو بسبب خيارات خاطئة بل عمدي، وما دام قد أدى إلى أنهار من الدماء وتدمير بلد وتشريد شعبها، فهو جريمة بكل المقاييس ويحتاج أن يدرج ضمن جرائم الحرب مثل التعذيب والاغتصاب وقتل المدنيين. كما يجب محاسبة ومعاقبة الهيئات الدولية نفسها على هذه الجناية الكبرى بحق ملايين البشر، فلا يعقل أن هيئة مثل الأمم المتحدة يصل بها الحال إلى أن تتحوّل إلى مجرد مراقب يقوم بالشجب والتنديد أو في أكثر الأحوال يشتغل في الإغاثة التي تخدم القتلة قبل الضحايا.

للأسف الشديد لقد تحوّل العالم إلى غابة يعيث فيها الطغاة قتلاً وتدميراً من دون أدنى وازعٍ أخلاقي أو قانوني ولا إنساني، وبدل معاقبتهم كما تقتضي العدالة الدولية تجري حمايتهم وباسم القانون، والسبب واضح أن أغلب الضحايا من المسلمين والدمار يبقى يطال العالم الإسلامي ويمزّق خرائطه وكيانه فقط وبحروب نجسة للغاية.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

سي إن إن ترك: لقطات جديدة للحظة ركن السيارة الدبلوماسية السعودية بمرآب في إسطنبول حيث كانت مفقودة منذ يوم اغتيال خاشقجي قبل أن تجدها الشرطة الاثنين