لعيون اللوبي الصهيوني: اعتذار وكرت أحمر

كيف لا تجبر الصحيفة على الاعتذار والخنوع لمعايير الصهاينة قبل معايير الإعلام وأخلاقياته، وقد احتشدت انتقادات "المجلس التنفيذي ليهود أستراليا" ضدها؟!!

الثلاثاء، 19-08-2014 الساعة 08:47


في بلد تصنف كجزء من العالم الديمقراطي المتحضر، تختل الموازين سياسياً وإعلامياً، حتى تجاه صحفهم وصحفييهم المخضرمين عند التعبير برأي حر، عن المجازر والاعتداءات الضارية التي يشنها الكيان الصهيوني على قطاع غزة منذ يوليو/ تموز الماضي..

أسوق لكم مثالاً مؤلماً، فقد طُرد الصحفي الكبير والمخضرم مارك كارلتون، 68 عاماً، بسبب مقال رأي له في صحيفة "سيدني مورنينج هيرالد" الأسترالية؛ معلقاً على أن ما يحدث في غزة من قبل الإسرائيليين "مجزرة" فقامت الدنيا ولم تقعد، وتم إيقاف مارك الذي طُلب منه الاعتذار، فقدم استقالته فوراً محتجاً على قرار إيقافه واصفاً التعنت بحقه في تغريداته: بـ "الحملة الضخمة التي يقودها اللوبي الصهيوني في أستراليا".

وفي ذات السياق وبسبب كاريكاتير نشر في ذات الصحيفة، هوجمت الصحيفة ومارَسَ اللوبي الإسرائيلي ضغوطاً كبيرة عليها حتى أجبرها مؤخراً على الاعتذار، بل وأجبرت مؤسسة "فيرفاكس ميديا" مالكة الصحيفة على تقديم اعتذار رسمي في افتتاحية للصحيفة تحت عنوان "نحن نعتذر"، والتي جاء فيها: "نعتذر على خلفية كارتون توضيحي صاحب مقال رأي للكاتب مايك كارلتون بشأن الصراع في غزة، ونود أن نعتذر عن أي مشاعر ألم سببها الرسم الكاريكاتيري الذي يظهر رجلاً مسناً بأنف كبير، يجلس بمفرده، حاملاً في إحدى يديه جهاز ريموت كونترول، ويشرف على تفجيرات غزة، كما ظهرت نجمة داود على الكرسي الذي يجلس عليه الرجل الذي كان يرتدي القلنسوة اليهودية"!! الغريب أن التعليق في الصحيفة جاء فيه أيضاً: "إن هذا الكارتون يشبه الرسوم التي انتشرت في العهد النازي لألمانيا، والتي من شأنها أن تروع أجيال الشعب اليهودي"!!

وهنا أود أن أذكركم فقط بموقف سلبي من غيرها من الكاريكاتيرات العنصرية والنمطية المشبعة التي ابتلينا بها بوصف نبي ديننا بالإرهاب، بل حتى بالتهكم على الرسل والأنبياء بل والذات الإلهية، ولم يتحرك لها إعلام الديمقراطيين الذي يدعي ويشرع لإسرائيل المعتدية الغاشمة حرمة ودفاعاً، يحرمه على الذات الإلهية ذاتها.. لا عجب، فكيف لا تُجبر الصحيفة على الاعتذار والخنوع لمعايير الصهاينة قبل معايير الإعلام وأخلاقياته، وعلى طرد أحد أكبر مهنييها بتهمة قول الحقيقة؟!! كيف لا تُجبر وقد احتشدت انتقادات "المجلس التنفيذي ليهود أستراليا" ضدها؟!! كيف لا وقد حورب سوقها، حيث طالبت صحيفة "الأستراليان جويش نيوز" المهتمة بالشأن اليهودي القراءَ بإلغاء اشتراكاتهم في مؤسسة "فيرفاكس ميديا" اعتراضاً على الرسم الكارتوني. كيف لا وقد انبرت أكبر صحيفة في أستراليا "ذي استراليان" لإبراز رسائل الردود أو التغريدات المضادة للصحفي على متن صحيفتها، رغم تلقيه عديداً من رسائل وتغريدات التضامن والدعم من ناحية أصحاب المهنة من الصحفيين والناشطين والجمهور أيضاً؟!!.

كيف لا تخنع ويرغم أنفها وقد تصدى لها المدعي العام الفيدرالي لأستراليا "جورج براندس" الذي لم يبرد ألم المسلمين من تصريحاته العنصرية تجاه الحق الفلسطيني والقضية الفلسطينية والقدس الشرقية، بعد معركة إعلامية ودبلوماسية حامية الوطيس ضد تصريحه في يونيو الماضي، بسبب رفضه إطلاق مسمى أرض فلسطينية عربية محتلة على القدس الشرقية، مما يعني إعطاء الشرعية في تسميتها أراضٍ إسرائيلية، في مخالفة لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، واتفاقية جنيف لعام 1949. وقد كانت صحيفة "سدني مورننغ هيرالد" وقتها هي الرائدة في الاستغراب من هذا الطرح الجائر، الذي تبناه المدعي العام، والذي أوردته في تقرير لها بتاريخ 6 يونيو 2014 بعنوان" Aquestion for Attorney— General: George Brandis: Occupied land or Occupied Mind?

وقد عاود "براندس" الكرّة في انتقاد الصحفي والصحيفة بما وصفه بـ " المعاداة للسامية". فصرّح لصحيفة "ذي أستراليان" بقوله: "إن تغطية الصحف المملوكة لفيرفاكس ميديا لصراع غزة، مناهض للسامية بشكل علني، إن مثل هذا الكارتون يبعث على الأسى. وأضاف: "لم نشاهد مثلها منذ حقبة الثلاثينيات في ألمانيا". رغم أن رئيس تحرير الصحيفة نفسه "دارين جوتسير" رد بداية، بأن: "الكارتون لم يقصد إثارة بغض عنصري".. ما هذا التناقض؟ إذن؟ كيف يعبر الصحفيون عن آرائهم في بلد تدعي الحرية والديمقراطية في ظل هذه المعايير المزدوجة؟ وهل يجب أن يمر الرأي في الدول المتقدمة كأستراليا على فلتر السياسات الحكومية؟!!.. الواضح لنا أن التعليق على مجازر إسرائيل في إعلام دول بعينها "تابوهات محرمة"، إذ تخرج من سلطتها الى سلطة اللوبيات الصهيونية فيها، بل ويخرج من قاعدة الديمقراطية وحرية الكلمة إلى سياسة "تكميم الأفواه"، التي يتهمون بها غيرهم.

وحتى تعرف الأبعاد أيها القارئ يجب أن تعلم أن الأمر لم يقف عند هذا الحدّ، بل تم اعتبار مقال الكاتب المحرض الأكبر على حادثة اعتداء وقعت في سدني 6 أغسطس الجاري بعيد قوة المجازر، وكأنهم يعتبرون سكّانهم مغيبون لا رأي لهم، بل "صم بكم عمي" لا يسمعون ولا يرون ولا يفقهون ما تنقله وسائل الإعلام المرئي والجديد، وذلك حين قام ستّة طلاب مراهقين أستراليين على متن حافلة مدرسية عامة، بتهديد طلاب أصولهم يهودية بقطع حلوقهم هاتفين: "يحيا هتلر. اقتلوا اليهود وحررّوا فلسطين!!". ورغم تواصل الأمن مع مجلس نواب اليهود لتقديم الدعم النفسي للطلاب ضد "الصدمة"، وتأمين استقبال الطلاب المهددين وعائلاتهم يومها في حراسة مشددة على أبواب المدارس، في عملية أمنية غير مسبوقة في سدني، وتأمين النقل لهم مستقبلاً بحراس، ورغم أن الأمن قد أكد أن الحادثة عشوائية، وأظهر أو ربما قرر سلفاً كالعادة أن الصبية المتهمين "مخمورون"، إلا أن الراباي اليهودي البارز في أستراليا، إيلي فيلدمان أنحى باللائمة على كتابات الإعلامي السابق الذكر، وتعليقاته التي وصفها بالعنصرية ضد السامية، مشدداً على أن الحادث ليس مجرد صدفة..

ومع استنكار وقوع مثل حوادث الكراهية في أستراليا هذه، إلا إن المفارقة هنا، كما هي الحوادث في الإعلام أو الأمن الغربي والأمريكي أيضاً. غالباً ما يوصف المتهمون بها من بنيه دون العرقيات الأخرى بالمخمورين أو المرضى النفسيين. ولا نعلم إذا كان لجنسيتهم وعرقهم النقي دور في وصفهم بالمخمورين فقط، وما إذا كان الوصف سيظل نفسه أم سيتغير إذا كانوا على ذات الجنسية ولكن أصولهم من أعراق ودول أخرى، كتلك التي تصور أي عمل يخرج من ذي أصل إسلامي بـ "الإرهابي".

السخرية هنا هي مدى الكراهية والعزلة والعداء التي سيعاني منها الإسرائيليون واليهود بصفة عامة في كل مكان، بسبب إجرام الكيان الإسرائيلي المستمر ضد أصحاب الأرض والشرعية والمقدسات، والتي يقللّ منها من يشبهها بالنازية.

فنفوذ الإعلام الصهيوني تجاوز بروبوغاندا النازية، ومجازر كيانه تجاوزت حتى التشبيه بـما يسمى "هولوكوست هتلر"، والحق الذي يجب أن يعيه الإعلام الدولي أن سياسة الانحياز لإسرائيل، والكيل بمكيالين، وتكميم الأفواه في ظل الطفرة التكنولوجية الرقمية، والتعددية الإعلامية لم تعد مجدية.

وأن الانتهاك الغاشم ضد الإنسانية، والحق الأبدي الفلسطيني لا بد من فضحه، وحشد المجتمع الدولي ضده، مع وجوب تسليط الإعلام العربي الضوء على مثل هذا الرأي الحر، تجاه قضايانا المصيرية القانونية الشرعية!! والذي تقوم الدول المتشدّقة بالديمقراطية بمناهضته، ومصادرته، ومحاربته، بل وممارسة العنف على أصحابه ومؤسساته، خصوصاً أن الإعلام العربي ومنه "الجزيرة" بلغتيها العربية والإنجليزية أيضاً. الإعلام مقصّر في تسليط الضوء على مناحي طرق قضايانا، وعلى المناصرين لها في هذه البقعة الجنوبية من الأرض (أستراليا ودول الباسيفيك)، التي يلعب فيها اللوبي الصهيوني دوراً كبيراً في حشد المناصرين والمؤيدين..

هذا مع إقرارنا جميعاً بأن التنوير الإعلامي للجمهور الدولي حول دولة فلسطين العربية، والمقدسات الإسلامية في هذه البقعة أيضاً، يجب أن يكون أم القضايا ببساطة يا عرب، لأنني سمعت طلاباً جامعيين هنا في العاصمة الأسترالية لا يعلمون كيف نشأ الكيان، ومن أنشأه، بل أين كان الإسرائيليون قبل عام 1948، وكيف اجتمعوا من شتات الأرض في إحداثية بلفور الاستعمارية، بوعد بدولة على دماء وأشلاء أهلها.. هذا ويبقى التضامن المهني عموماً مع المدافعين عن الشرعية وحقوق الإنسان، وحرية الكلمة من الصحفيين المنتهكين في كل بقعة، ضرورة لا بد أن نتكاتف من أجلها جميعاً..

(الشرق القطرية)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة