للمهرولين إلى إسرائيل... كفى!

ما زالت تتمسك السعودية بمبادئها وتاريخها وإرثها، الذي يفرض عليها التعامل مع إسرائيل بوصـفها عدواً مهماً.

الثلاثاء، 25-10-2016 الساعة 11:41


يموج عالمنا العربي بالعواصف، الجميع يسعى إلى الخروج منها بأقل الأضرار والخسائر، لكن فجأة ومن بين الدمار الذي يعيشه هذا العالم، وفي لحظة بلوغ صراع البقاء أشده، تخرج أصوات كنت تأمل أن تساندك، فإذا هي تستدرجك إلى مستنقع هو آخر ما يمكن أن تحتاج إليه؛ التطبيع مع إسرائيل!

شخصياً، لا يستفزني أحد أكثر من شخص يدعو أو يحرض أو يسعى إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، لأنه يجمع بين نقيضين: الأول هو عروبة مفترضة ينتمي إليها، والثانية روح انهزامية يتمتع بها، وإلا فكيف يمكن أن نفسر أنه وسط حال الفوضى والتشظي والطائفية التي يعيشها العالم الإسلامي والعربي، وفيما الجهود تنصب على إحياء الهوية الإسلامية وتوحيد الصفوف، يخرج لنا من يدعو إلى مد اليد ومصافحة الأيدي الملطخة بالدماء.

في العالم العربي كثير من المهرولين! قد نتفهم دوافعهم، وأحياناً نتغاضى عن هفواتهم، لكن ما لا يمكن التغاضي عنه أن يخرج أحد السعوديين ليقدم لنا وصفة التطبيع على أنها أمر حتمي! في المقابل، لا شيء يسعد إسرائيل أكثر من مثل هذه الهفوات، لماذا؟ لأنها تمثل الانهزامية بعينها لأمة كانت -وما زالت- ترى إسرائيل دولة غير شرعية.

لكن بعيداً عن ذلك، لماذا تخرج هذه الأصوات من وقت إلى آخر؟ وما الذي يمكن أن تقدمه إسرائيل للسعودية؟ الإجابة الأولى التي تتبادر إلى الذهن: "لا شيء". فما الذي تمتلكه إسرائيل ولا تمتلكه السعودية، النفوذ الإسلامي، الاقتصادي، السياسي، الثقافي، لا أعتقد أياً منها، فالسعودية اليوم حاضرة في المشهد العالمي وبقوة، على رغم التحديات التي تواجهها، وهي غير خافية على أحد، فعلى الصعيد الداخلي تعمل الرياض على إعادة هيكلة اقتصادها بخطة طموحة، أبرز أدواتها المواطن والشراكة العملاقة، بمعنى لا مكان هنا لإسرائيل، كما أنها في حرب شرسة ضد الإرهاب، الذي يستهدفها منذ أعوام، وهذه أيضاً لا يمكن لإسرائيل أن تكون طرفاً فيها، لأنها أقرب إلى من تحاربه السعودية.

اقرأ أيضاً :

"80 حلب والموصل.. اغتيال النموذج المشرقي"

نأتي للحديث على الصعيد الخارجي، فالسعودية التي تقود العالَمَيْن العربي والإسلامي اليوم تخوض حرباً على أكثر من صعيد، ولعل حربها الكبرى هي استعادة "العالَمَيْن" من حال الفوضى والدمار، وإعلاء الهوية الإسلامية، وهذه بطبيعة الحال لا تسر إسرائيل إطلاقاً.

بخلاف ذلك، تخوض السعودية حرباً لإعادة الشرعية إلى اليمن، وأيضاً إسرائيل آخر من يدافع عن الشرعية، وفي سورية تدعم السعودية الشعب السوري، بينما النظام هناك أقرب إلى إسرائيل، فهو لم يطلق رصاصة واحدة ضدها منذ حرب الـ73، هذه بعض أوجه الخلاف بين الرياض وتل أبيب، وإذا ما أردنا أن نسترسل فبالتأكيد سنطرح الموضوع الإيراني، والبعض هنا افترض في قراءته لضرورة التطبيع أن إيران هي العدو المشترك للبلدين، وفي هذا لبس كبير، فإيران -منذ تولي الخميني حتى يومنا هذا- لم تطلق رصاصة واحدة ضد إسرائيل؛ على غرار حليفها السوري؛ بل على العكس، فإيران استفادت من السلاح الإسرائيلي، والتاريخ لا يكذب، وأيضاً لا يمكن تزويره، وبالتالي يخطئ من يظن أن إسرائيل عدوة لإيران أو العكس، فأين لإسرائيل أعداء مثل هؤلاء؟ أما بالنسبة إلى السعودية، فمنذ عهد المؤسس انتهجت سياسة واضحة تجاه إسرائيل؛ فهي العدو رقم واحد، ومشاركة الجيوش السعودية في الحروب ضد العدو الإسرائيلي مثبتة ولا يمكن نكرانها، وما تحقق من انتصارات على إسرائيل كان للسعودية الحضور الأبرز فيها، ولعل في حديث الرئيس الراحل أنور السادات شهادة ترد على كل مشكك في الأدوار السعودية، فهو القائل: "إن فيصل هو بطل معركة العبور، وسيحتل الصفحات الأولى من تاريخ جهاد العرب وتحولهم من الجمود إلى الحركة ومن الانتظار إلى الهجوم. وهو صاحب الفضل الأول في معركة الزيت، فهو الذي تقدم الصفوف وأصر على استعمال هذا السلاح الخطر، والعالم (ونحن معه) مندهشون لجسارته، وفتح خزائن بلاده للدول المحاربة تأخذ منها ما تشاء لمعركة العبور والكرامة؛ بل لقد أصدر أوامره إلى ثلاثة من أكبر مصارف العالم بأن من حق مصر أن تسحب ما تشاء وبلا حدود من أموال للمعركة». بعد كل هذه التضحيات وهذا التاريخ المشرّف يأتي من يدعو إلى التطبيع مع إسرائيل.

جميع ما تم ذكره يؤكد أن إسرائيل لا يمكن في أية حال من الأحوال أن تكون دولة حليفة أو صديقة، مهما تقاطعت المصالح، فالقلق المشترك من الإرهاب لا يعني تطبيعاً مع إسرائيل، ومخاوف السعودية من البرنامج النووي الإيراني لا تعني التطبيع أيضاً استجابة للمخاوف الإسرائيلية من البرنامج ذاته، ولا سيما أن سياسة تل أبيب، تسير على غرار نظيرتها في طهران؛ "عدوي صباحاً هو خليلي في المساء"، فكلاهما يتبع الأسلوب ذاته، وفي المقابل فإن الحكومة السعودية لم تتولَّ حكم دولة بعد احتلالها، ولم تتسلم القيادة بانقلاب أو بمؤامرة، ما مكنها من فرض نفـوذها السياسي والاقتصادي على المستوى الدولي، واليوم نشاهد نفوذها العسكري في المنطقة.

لذلك، وفي الملف الفلسطيني تحديداً، ومنذ نشأتها، ما زالت تتمسك بمبادئها وتاريخها وإرثها، الذي يفرض عليها التعامل مع إسرائيل بوصـفها عدواً مهما كانت حدة انقلابات الأحداث السياسية في المنطقة، وهذا ما لم يستوعبه المهرولون الذين يسعون إلى القفز على التاريخ.

(الحياة)

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة