لم نعد أمة واحدة والأدلة في سوريا!

أقطار عربية يتآمر بعضها على بعض للأسف الشديد ولصالح قوى كبرى تريد الهيمنة والوصاية عليها.

الأحد، 18-01-2015 الساعة 12:34


كذب لم يعد ينطلي على أحد، يظهر جلياً في تلك الشعارات التي يروّج لها الكثيرون ومفادها أن العالم العربي والإسلامي لا يزال أمة واحدة، ويستدلّون على ذلك بأواصر الدين واللغة والمصير المشترك للأوطان.

على مستوى الشعارات نسمع الكثير ولكن في أرض الواقع لا نرى إلا القليل جدّاً، بل ما نجده يؤكد أننا لم نعد أمة واحدة بمعنى الكلمة كما كنّا من قبل، ولا يتداعى أعضاؤها بالسهر والحمى إن أصاب أيّ قطر ما يدعو للتلاحم والوحدة والتعاضد والتعاون.

العكس هو الذي يحدث، فهذه أقطار عربية يتآمر بعضها على بعض، للأسف الشديد، ولصالح قوى كبرى تريد الهيمنة والوصاية عليها وعلى ثرواتها وخيراتها. كما نرى هذا يدعو للفتنة عند ذاك كي يدمّره داخلياً، وآخر يصرف المليارات من الأموال على سهرات ماجنة في أعياد الميلاد، في حين نجد شعوباً في أقطار أخرى لا تجد ما تستر به عورات نسائها الشريفات.

لم تعد العروبة سوى شعارات في المناسبات التي يستقبل فيها الحكام العرب بعضهم بعضاً في مناسبات قومية أو تحت قبة جامعة الدول العربية، ولم يعد الإسلام رابط وحدة للمسلمين كما يفترض، ويحتفي به الزعماء العرب في مناسبات دينية عابرة فقط.

حتى لا نتوه في النظريات والكلام العام، علينا أن نضرب مثالاً بما يحدث في سوريا، حيث إنه بعد حرب النظام الإيراني في سوريا على الشعب لم نر ما يثبت أننا ما زلنا أمة واحدة كما كنّا، وخاصة أن هذا البلد ظل نموذجاً للتعاون مع الجميع، وكان الشعب السوري من أكرم الشعوب مع غيره. لكن عندما ثار يطالب بالحرية والكرامة والعيش الكريم والإصلاحات السياسية مثله مثل غيره من الشعوب، واجهته آلة الموت والقتل والإبادة والحرب الطائفية النجسة والاحتلال الأجنبي الصفوي، فماذا قدّم العرب والمسلمون للسوريين؟

بوضوح ومن دون لفّ ولا دوران، إن العالم العربي - إن صحت التسمية طبعاً - شرع في التآمر على ثورة الشعب السوري، وكل قطر عربي راح يستغل ما يحدث من أجل تثبيت أركانه وخدمة مصالحه الخاصة فقط، والحكام العرب في أغلبيتهم الساحقة أرادوا استغلال الدم السوري في تحقيق مآربهم مع أطراف دولية مختلفة.

على مستوى جامعة الدول العربية التي هي أول من عبثت بدماء السوريين عبر قرارات ميتة، وبروتوكول العار، وبعثة مراقبين اختار نبيل العربي لرئاستها جنرالاً سودانياً غرق هو نفسه في دماء السودانيين بدارفور، لن نعود لتفاصيل تلك البعثة المشؤومة التي ساهمت مساهمة فعالة في ترسيخ ظلم نظام الأسد على الشعب السوري وباركته وعولمته، ولكن نؤكد أن الدول العربية التي شاركت في تلك البعثة بسفراء وضباط مخابرات كانوا جميعهم يحملون أجندات حكوماتهم، ويعودون في كل مساء إليها، ويملى عليهم ما يجب أن يكتبوه في تقاريرهم، فبدل تسجيل الواقع الذي يراه المراقبون، تأتيهم تقارير من واقع آخر تراه حكوماتهم التي في أغلبيتها تنسّق مع حكومة بشار الأسد باستثناء بعض الدول التي تعد على أصابع اليد الواحدة.

منذ مارس/آذار 2011 والشعب السوري يذبح ولكن المبادرات التي قدّمت ولا تزال هي مجرّد تمثيليات على ركح أنظمة خائبة هدفها في أغلبها، حتى لا نعمّم، هو حماية نفسها بتحويل ثورة الشعب السوري إلى مأساة تدفع شعوباً أخرى إلى الصمت والرضا بالفساد والاستبداد بدل التشرد والموت على الطريقة السورية.

هذه أسلحة كانت تهرّب، ومقاتلون من كل حدب وصوب يتسلّلون إلى التراب السوري لتشكيل تنظيمات متشدّدة، ومليشيات طائفية بدورها تحرّكت لحماية نظام مجرم بحق الإنسان والحيوان والجماد، ومع كل ذلك تواصل العبث بدماء السوريين وبتواطؤ من العالم كله وتحت أنظار الولايات المتحدة التي طالما تغنّت بالحقوق والحريات والديمقراطية، وطالما ندّدت بانتهاكات نظام الأسد ورفعت عنه الشرعية وأشياء أخرى كثيرة لا يسعنا المقام لفضحها.

حتى لا نغرق في متاهات أكثر، علينا أن نصف حال اللاجئين السوريين الذين قصدوا الدول العربية، وهذا كي نعرف أن حالنا أسوأ مما يمكن تخيّله، وأن حكاية الأمة الواحدة لا تتجاوز الاستهلاك الرسمي والإعلامي العربي، وحتى الشعوب التي لا تزال نسبة منها تنبض بالوحدة لم تعد لها سلطة ولا تستطيع أن تقدم شيئاً لهذه "الأمة الواحدة" التي تؤمن بها.

الجزائر فرضت تأشيرة على السوريين بتهمة الإرهاب، وما حرّمته من قبل على المغرب تحلّله الآن لنفسها، حيث إن المملكة المغربية لما فرضت التأشيرة على الجزائريين عام 1994 وأغلقت الحدود البرية بعد تفجيرات فندق "آسني" بمراكش، رد النظام الجزائري بغلق الحدود البرية إلى يومنا هذا، واعتبر أن تهمة الإرهاب هي إهانة للجزائريين. والآن النظام نفسه يتّهم السوريين بالإرهاب، ويفرض التأشيرة عليهم بالاتفاق مع نظام الأسد، مع أن الذين يلتحقون بتنظيم "داعش" من الجزائر يجري تجنيدهم جزائرياً، ولم يثبت لهذه اللحظة أن اللاجئين السوريين هم من يقومون بالتجنيد، ولكن لا غرابة؛ فقد سبق أن اتهم وزير الشؤون الدينية بوعلام الله غلام الله السوريين بنشر التشيّع في الجزائر، مع أن اللاجئين ليسوا شيعة بل من أهل السنّة الذين يتعرّضون للإبادة من شيعة إيران في الشام. هكذا، وبطريقة بائسة ومسيئة لكرامة الجزائريين أولاً وقبل كل شيء، ردّ نظام الجزائر جميل الشعب السوري الذي دعّم الثورة الجزائرية، وكانت له مواقف نبيلة يرويها التاريخ في صفحاته المشرقة.

لبنان بدوره فرض قيوداً مختلفة بخصوص دخول السوريين، وبدل أن تقوم الحكومة بإجبار تنظيم "حزب الله" الإرهابي على سحب مليشياته الطائفية من سوريا، وعدم مشاركته في قتل السوريين، لجأت هذه الحكومة إلى فرض قيودها المعقّدة حتى يبقى السوريون في بلادهم ويتمكّن حسن نصرالله من ذبحهم بطائفيته المقيتة.

معاناة السوريين في البلاد العربية لن يكفيها هذا المقام، ولو استرسلنا فيها ما كفتنا المجلدات، ولكن بحكم علاقاتي مع الشعب السوري، فقد تأكد عندي أنهم لم يعودوا مرغوباً فيهم بالبلاد العربية، وأن الحكومات نجحت في زرع الكراهية حتى على المستوى الشعبي لحد ما. في حين نجد الدول الأوروبية تستقبلهم وتقدم لهم اللجوء وكل المساعدات أفضل من حال العرب، وأيضاً في تركيا لمسنا ما لا يمكن وصفه من خدمات وامتيازات قدمتها الدولة التركية للشعب السوري.

السوريون في المخيمات يعانون الأمرّين، ففي فصل الصيف تحرقهم الحرارة، وأما في الشتاء فيموت أطفالهم من صقيع البرد، والمساعدات التي تأتيهم غير كافية لأنها تقدّمها جمعيات خيرية إمكانياتها محدودة للغاية، ولا يمكن أن تغطّي حجم المأساة التي فاقت كل حدود التخيّل.

سوريات وعراقيات تنتهك أعراضهن ويستنجدن ويصرخن، ووصل بهن الحال أن طلبن قصف السجون حتى يستشهدن ويرتحن من التعذيب والاغتصاب الذي يتعرّضن له لدى مليشيات طائفية وإرهابية. فهل يعقل أن تقابل تلك الصرخات بالصمت والتجاهل والتآمر والدعم للمجرمين في كثير من الأحيان؟

للأسف الشديد صرنا نرى من يبذّر الملايين على الممثلة الفلانية حتى ينال "شرف" التصوير مع مؤخرتها - أكرمكم الله - التي تشتهر بها، وذاك يشتري جحشة نادرة بالملايين أيضاً، وهذا يستقبل اللاعب الفلاني في بيته مقابل مليون دولار حتى يتصوّر معه أبناؤه، وآخر يبذّر الكثير في كازينوهات لندن وباريس لأجل لحظات ماجنة.

أما على مستوى الدول، فنجدها تقدم المليارات لأجل انقلابات في إطار مؤامرات على دول بدأت تشهد الديمقراطية الناشئة، وهذا ما رأيناه يحدث في ليبيا ومصر واليمن وسيحدث مع غيرها، وللأسف أن ذلك أدى إلى مجازر سقطت فيها أرواح الآلاف من الأبرياء، ولم ينالوا حتى حقهم من العدالة.

بل ما صرفته بعض الدول على ليلة رأس السنة يمكنها أن تعيد بناء سوريا كلها أو على الأقل تغطي مصاريف اللاجئين السوريين لعدة سنوات، ويسد رمق أطفال العالم الذين يعانون الجوع ونقص العلاج وغيره.

مع أن التضامن الشعبي غير منعدم تماماً، وتجلّى ذلك في العمل الإغاثي وقوافله المختلفة، فإن الطابع العام على المستوى الرسمي خصوصاً يثبت بأننا لم نعد أمة واحدة كما يزعمون، فالتنقل بين الدول بالتأشيرات والإجراءات المعقّدة، ولقد زرت عدة دول عربية، ورأيت أن حاملي الجواز الأوروبي يمرّون باحترام وتقدير، في حين أن من يحملون الجوازات العربية يتعرّضون لمعاملة أخرى تكون غير لائقة في كثير من الأحيان.

لن تجد مسؤولاً في دولة أوروبية يراسل نظيره في دولة أوروبية أخرى وفيها عبارات الغزل التي نلمسها في مراسلات حكام العرب بعضهم لبعض، وحين تقف على الحدود السويسرية والفرنسية مثلاً لن تجد سوى أطلال المركز الحدودي، والأمر نفسه بالنسبة لأكثر من عشرين دولة أوروبية.

أشعر بالغثيان وأنا أسترسل في حصر خيبات ما يدّعي حكامها من أنهم "أمة واحدة"، والمرارة تجتاح حلقي حتى يجف لما أنظر إلى معاناة السوريين في بلاد العرب وأقارنها ببلاد العجم مثلاً. فضلاً عن محن المسلمين في أفريقيا الوسطى وبورما وأفغانستان والشيشان وكشمير والأحواز وغيرهم، فإن ذلك يجعل الجرح أعمق وغائراً إلى منتهى الألم.

بكل وضوح، لم نعد أمة واحدة، وما نتمنّاه سيبقى مجرد حلم شعوبنا المستضعفة، وتحقيقه في أرض الواقع يحتاج إلى سنوات طويلة، وربما أنهاراً من الدماء، لأن الطغاة هم من يقفون في هذا الطريق بدعم من الغزاة وباستعمال من البغاة، وعلمتنا سوريا أن تحرير الأرض صارت ضريبتها غالية جداً، وشعوبنا أتعبها دفع هذه الأثمان الباهظة، فيكفي ما دفعته في سوريا والجزائر ولبنان ومصر، وتدفعه في ليبيا والعراق واليمن وستدفعه لاحقاً في أوطان أخرى.

نحتاج إلى مراجعة حقيقية وواقعية، فقد مللنا من الشعارات الطنانة والرنانة التي لا تتجاوز حناجر الحكام أو تصفيقات عبيدهم من المستفيدين والانتهازيين والمرتزقة، والثورة السورية كانت الفاضحة بامتياز؛ لأنها عرّت ما يسمى بالتضامن العربي، وأثبتت أنه مجرد وهم كبير، ولم يبق من الوحدة الإسلامية سوى الأطلال في رفوف المكتبات، وأن الأمة الواحدة انتهت من زمان، ونحتاج كي نعيدها إلى سابق عهدها إلى المرور على محطات كبيرة وعميقة تبدأ على المستوى المحلي والقطري أولاً.

طبعاً لسنا ممن ينظرون إلى الجزء الفارغ من الكأس، على الرغم من كل ما قلته يبقى الأمل في الله تعالى أولاً ثم في الشعوب التي بدأت تنبض بالحياة كي تستعيد زمام مبادرتها في زمن صعب للغاية، نرى فيه الأمم تداعت على الأمة الإسلامية كما يتداعى الأكلة إلى قصعتها، ولكن للأسف الوهن تجذّر في شعوبنا واجتثاثه ومحو الغثائية القائمة طريق شاق ومحفوف بالحروب النجسة في أكثر الأحيان.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة