لم يَعُد عربياً ولا فارسياً

لم يعد الخليج عربياً ولا فارسياً، بل يتشاطر الجميع وصف "الشرق الأوسط وشمال أفريقيا".

الخميس، 13-08-2015 الساعة 08:45


لم يعد الخليج عربياً ولا فارسياً، بل يتشاطر الجميع وصف "الشرق الأوسط وشمال أفريقيا". تلاشى التنازع الذي نشب منذ زمن على هوية الخليج، بين شاطئيه الشمالي والجنوبي عندما كان الخليج العربي "فارسياً" في الرواية الإيرانية، ومعها معظم التناول الغربي للمنطقة.

تعددت الاجتهادات في ما مضى التي سعت لاحتواء هذا التنازع اللفظي الذي أخفى وراءه أزمات أعمق غوراً. حاولت بعض المقاربات الاحتكام إلى المشترك في الهوية، فكان مقترح "الخليج الإسلامي" مثلاً، أو بنزع الصفة بالكامل عن الرقعة البحرية بأن يصبح "خليجاً" وحسب، بلا إضافات مؤرِّقة.

هو نقاش تجاوزه الزمن على ما يبدو، فجميعهم في المنطقة باتوا مشمولين بوصف "الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، حتى بات اختصاره الإنجليزي "مينا" هو المعتمد بلا منازع. لا مكان في هذا التناول للهوية من أساسها، بل هي إشارة جغرافية فضفاضة ومنزوعة المعنى.

تحوّل مصطلح "مينا" خلسة إلى تعبير معتمد في الأدبيات الدولية، وتبنّته الأمم المتحدة بمنظماتها ووكالاتها، كما يستعمله المجتمع الدولي في تطرّقه إلى كل ما يتعلق بالرقعة الفسيحة التي يشغلها العالم العربي وجواره القريب، بما في ذلك الخليج.

اتخذ هذا التعبير سبيله في القطاع الخاص العالمي أيضاً، فاعتمدته فروعه الإقليمية المتناثرة في الخليج.

ليس سرّاً أنّ القوم الذين لا يناقشهم أحد، لا يستسيغون استعمال وصف الخليج في أدبيات العلاقات العامة للشركات متعددة الجنسية عبر فروعها الإقليمية. ليس الخليج هنا عربياً ولا فارسياً، فالمنطقة تغرق في الوصف السابغ: "الشرق الأوسط وشمال أفريقيا".

حسناً، إنها عملية إعادة تعريف، تجعل الخليجي أو العربي مجرد "شرق أوسطي وشمال أفريقي"، في وصف قسري تم تنزيله على هذه الشعوب بلا تشاور مسبق معها. ومن المرجّح أيضاً أنّ حكومات المنطقة لم تُسأل لدى إطلاق هذا الوصف وتعميمه. ورغم ذلك؛ فلا اعتراضات مسموعة على هذا المنحى، رغم التحسس الذي أثارته استراتيجيات وخطط غربية تحدثت في ما سبق عن "الشرق الأوسط الكبير" أو "الجديد"، خلال عهد الرئيس الأمريكي المتغطرس جورج والكر بوش.

يستبطن تعريف المنطقة بالشرق الأوسط مفهوم "الطرف" الذي يتم تحديده من خلال "المركز"، أما المركز في هذا الوصف فلا يجاوز أوروبا الغربية أو جانبي الأطلسي إجمالاً. ولا غرو، فقد برز هذا المفهوم ابتداء في الأدبيات الاستعمارية الأوروبية حتى ترسخت أقدامه في الاستعمال السياسي والتناول الإخباري والأدبيات الثقافية حول العالم. ورغم إلحاح الوعي بالهوية في زمن العولمة؛ يترسّخ وصف "الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" يوماً بعد يوم، حتى غدا مدونة التعبير اللفظي المعتمدة في العديد من الأوساط في المنطقة.

لنتصوّر الخيار المعاكس؛ بأن يجرؤ بعضهم على وصف أوروبا الغربية أو جانبي الأطلسي بنعت من قبيل "الشمال الغربي" مثلاً، بلا إشارات للهوية أو تعبيرات عن الانتماء. ولنتخيّل اليابانيين أو الكوريين وهم يختزلون بلادهم بوصف "أقصى الشرق"، وهو ما يعني استئناسهم بالهامش وتنازلهم عن حقهم في أن يكونوا مركزاً للعالم، أسوة بكثير من الرقاع.

يبقى أنّ للمصطلح تأثيراته المتعددة على الوعي بالذات، وإدراك الهوية، والنظرة إلى العالم، والعبور إلى المستقبل. وما هو مؤكد؛ أنها قضية تستأهل نقاشاً؛ وهو إن أتى متأخراً خير من أن لا يأتي.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

رويترز: وزير التجارة البريطاني ليام فوكس يعلن عدم مشاركته في المؤتمر الاستثماري في السعودية