لن يتوقف الرصاص عند "شارلي إيبدو" أبدا

تسارعوا لاتهام المسلمين بالإرهاب، زعماء ومشايخ دين، بعضهم بادر سريعا بالاعتذار

الأربعاء، 14-01-2015 الساعة 09:26


(1)

لا يمكن لأي مسلم أن يؤذي حيوانا، فما بالك بقتل إنسان؟!

هي مبادئ تعلمناها من نبي الرحمة محمد، حيث أخبرنا أن امرأة دخلت النار في قطة حبستها، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.

هو نفسه عملنا: "فليحد شفرته وليرح ذبيحته"، حتى لا نؤذي بهيمة أُحلّ لنا ذبحها وأكلها!

فهل يعقل أن دين يحمل تلك المبادئ والقيم، يجيز القتل وسفك الدماء، كما فعلت –وتفعل- جيوش اليهود والنصارى في المسلمين؟!

(2)

تسارعوا لاتهام المسلمين بالإرهاب، زعماء ومشايخ دين، بعضهم بادر سريعا بالاعتذار، وكأنه هو من قتل الصحفيين في مقر صحيفة "شارلي إيبدو".

بعضهم تجاوز الحد ليتهم القرآن بأنه مصدر للتطرف الديني، تبعه علماء السلطان الذين بدأوا ينظّرون لكيفية علاج التطرف الديني عند المسلمين، بل المسلمين السنة وحدهم لا غير.

كان ذلك بعد حادثة مهاجمة صحيفة "شارلي إيبدو" الفرنسية في باريس، حيث قتل 12 شخصا وأصيب عشرة آخرون.

"شارلي الأسبوعية" هي صحيفة ساخرة باريسية، يسارية التوجه، متهمة بأنها تتعمد نشر رسوم كارتونية مسيئة للنبي محمد، عليه الصلاة والسلام منذ العام 2011.

وعندما أقول تتعمد، لأنها في الوجه المقابل فصلت رسام كاريكاتير رفض الاعتذار بعدما استهزأ بابن ساركوزي عندما تحول إلى اليهودية قبل فترة، إذا ليست الحكاية في حرية التعبير ولا في الحفاظ على المبادئ الفرنسية أبدا!

(3)

"حان الوقت أن نتعلم في أوروبا والولايات المتحدة من تجربة الحرب على أفغانستان، ففي عام 2001 (موعد بدء الحرب الأمريكية في أفغانستان) كانت لدينا بؤرة إرهاب واحدة، أما الآن وبعد خوض عمليات عسكرية على مدار الـ13 عاما الماضية شملت أفغانستان والعراق وليبيا ومالي أصبح لدينا نحو 15 بؤرة إرهابية بسبب سياستنا المتناقضة"!! (دومينيك دو فيلبان رئيس الوزراء الفرنسي السابق في مقابلة متلفزة مع قناة "بي إف أم تي في" الفرنسية الخاصة تعقيبا على حادث شارلي إيبدو).

دو فيلبان أراد أن يقول بأن المسألة لا يمكن حصرها في ردات الفعل السيئة، لأن الفعل الذي استدعاها كان أكثر منها بشاعة وقبحا.

لا الإسلام ولا القرآن لهما علاقة بالتطرف، وابحثوا عن عدد ما قتل من المسلمين، وعدد ما قُتل من النصارى وغير المسلمين طوال القرون التي خلت لتعرفوا الفرق.

(4)

قد يكون قدر المسلمين في هذه الدنيا أن يتعايشوا مع نظرية المؤامرة، لأنها الطريق الأسهل للهروب من قوقعة الجمود والتحنط التي أصابت هذه الأمة.

لكن في حادثة "شارلي إيبدو"، لم تمر سوى ساعات بسيطة، حتى ظهرت الكثير من الإثباتات المصورة، التي تثبت أن المخابرات الفرنسية لم تتقن إخراج الفيلم جيدا، بالضبط كما هو إخراج فيلم 11 سبتمبر.

الحديث السابق ليس حديثي، ولكنه تقرير موسع ومصور نشر على موقع FRANCE 24!

التقرير السابق تحدث عن نظرية المؤامرة بإسهاب، كما أرفق مقطع فيديو مصورا مثيرا للجدل، يحكي تفاصيل أخرى للحادثة.

الفيديو الذي صور من إحدى البنايات القريبة من موقع الصحيفة، يظهر تواجد الشرطة في موقع الحادث فوق أسطح أحد المباني قبل الحدث، وهم يرتدون الواقي من الرصاص، بل وكأنهم ينتظرون حدوث أمر ما.

ليس هذا الفيديو فحسب، بل تفاصيل ومشاهد أخرى من الواقعة، مثل مرور المشتبه بهم قرب الشرطة بعد تنفيذ العملية دون التعرض لهم.

أنا هنا لم أتحدث بعد عن إطلاق أحد المشتبه بهم النار من سلاح الكلاشينكوف ومن مسافة متر أو أقل على رأس أحد الشرطة، من دون خروج قطرة دم واحدة.

كما لم أتحدث عن قيام المشتبه بهم بداية بالدخول للمبنى الخطأ قبل توجههم لمبنى الصحيفة وقتل الضحايا.

هذا ناهيك عن السؤال المطروح وبقوة، والذي بسببه تم الكشف عن هوية المشتبه بهم. إذ كيف لعملية تتم بهذا الإتقان، ينسى خلالها أحد المشتبهين بطاقة هويته في إحدى السيارات التي هربوا بها، ليتم بعد ذلك كشفهم ونشر صورهم ومطاردتهم؟!

بقي أن أقول إن من نشر الفيديو المصور مع شرح الشبهات التي تملأه هو شخص أجنبي وليس مسلما، ما يعني أن "نظرية المؤامرة" لم تعد موجودة في التحليلات السابقة.

(5)

ليس الرسام البرازيلي "كارلوس لاتوف" وحده من رصد بريشته حقيقة المستهدف الحقيقي مما حدث، ولكنهم الآلاف غيره!

لاتوف رسم مسلحين يطلقان النار على مبنى صحيفة "شارلي إيبدو"، ولكن الرصاص يخترق مبنى الصحيفة بوضوح، ليتجه للهدف الحقيقي وهو الإسلام الذي مثله بمسجد خلف ذلك المبنى.

أما الكاتب والناشط اليساري الفرنسي "ميشيل فيدو" فتساءل: إذا كنا ضد الإرهاب ولسنا ضد الإسلام، فما معنى السخرية والاستهزاء من نبي الإسلام محمد؟!

ثم واصل أسئلته الصريحة لهولاند: من الذي بدأ؟ ألسنا نحن مَن بدأناهم إعلاميا وعسكريا! أوﻻ بنشر صور مسيئة لنبيهم وثانيا أرسلنا طائراتنا لقتل أبنائهم في العراق؟!

ليس فيدو وحده، فهناك كتاب غربيون أعلنوها صراحة بأنهم ضد ما فعلته "شارلي إيبدو"، ومنهم الكاتب الأمريكي ديفيد بروكس، الذي نشر مقالته في صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية تحت عنوان: "لست مع شارلي إيبدو"!

حيث انتقد ما فعلته الصحيفة واعتبر ما فعلته يندرج ضمن الترويج لخطاب الكراهية، وأنه عمل صبياني يفتقد لطابع المتعة!

سيلفي كوفمان، كاتبة فرنسية نشرت مقالا في ذات الصحيفة الأمريكية تدافع فيه عن مسلمي فرنسا: في فرنسا جالية مسلمة كبيرة وهادئة وغير متطرفة وأن المسلمين "يعيشون بيننا بسلام" وأن الإسلام "يعتبر الديانة الثانية في فرنسا بعد الكاثوليكية" وأن فرنسا "تعتبر موطنا لأكبر جالية إسلامية في أوروبا" ولأكبر جالية يهودية أيضا.

هذه الشهادات هي غيض من فيض، مما خرج به المنصفون الذين يعرفون حقيقة النوايا المبيتة لضرب تمدد الإسلام في أوروبا بأكملها، وليس فرنسا فحسب.

(6)

"مسيرة في باريس ضد الإرهاب يتصدرها نتنياهو هي بالضبط كحملة ضد تعاطي المخدرات يقودها ملك الكوكايين بابلو إسكوبار"!!

تلك التغريدة التي كتبها أحد الزملاء، اختصرت مشهدا مقززا لأناس احتشدوا ضد الإرهاب، يتقدمهم نتنياهو، كان ينقصها بشار الأسد وزملاؤه من السفاحين لتكتمل الصورة.

لا أعلم ما هو جواب زعماء الدول وممثليهم الذين شاركوا في مسيرة ضد الإرهاب، يتصدرها إرهابي قتل 78 صحفيا في غزة، ودهس جنوده صحفية غربية بدبابة، بينما قتل جيشه بأوامره 5000 فلسطيني خلال 5 سنوات فقط.

ليس ذلك فحسب، فالعالم الذي انتفض عن بكرة أبيه لمقتل صحفيين تعمدوا استفزاز أمة بأكملها، لم يتحركوا عن إبادات لملايين المسلمين يذبحون من دون ذنب، في سوريا وغزة وبورما وإفريقيا الوسطى ومالي والعراق، وللأسف الجيش الفرنسي كان متورطا في بعضها، كما كان متورطا في قتل أكثر من مليون جزائري وغيرهم من قبل.

في العام 2014 فقط، تم توثيق ارتقاء قرابة 60 ألف قتيل، معظمهم قضوا بالبراميل المتفجرة.

رغم كل ذلك، لم نسمع كل تلك الجلبة التي نشاهدها بعدما حدث في فرنسا.

كما أن الإرهاب لا يتجزأ، فكذلك القتل لا يمكن أن يكون ذا شقين، مقبول هنا ومرفوض هناك.

(7)

لا يمكن لأحد أن ينكر أثر ما حدث على الوضع المستقبلي للمسلمين في أوروبا كلاجئين ومهاجرين بل حتى كسائحين!

لا يمكن إنكار أن ما حدث لابد له أن يؤثر على قرارات متخذة لصالح المسلمين وقضاياهم المختلفة، ومنها قرار مجلس النواب الفرنسي الذي صوت قبل شهر تقريبا وبأغلبية كبيرة، على مذكرة تدعو حكومة هولاند للإسراع بالاعتراف الرسمي بدولة فلسطين.

لكن من الواضح أن رائحة مكر وفتنة 11 سبتمبر تطل برأسها، وأن ما حدث في "شارلي إيبدو" له ما بعده من استهداف ومحاصرة وتضييق، خاصة في ظل تمدد إسلامي متسارع، فشلت معه كل الخطط لإيقافه أو استيعابه.

مبادئ: لا يمكن أن تعبر على جسر حرية التعبير بالإساءة لأغلى ما عند المسلمين.

ولا يمكن لدين نظّر وأصّل لحماية حقوق البهائم أن يستبيح دماء البشر.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة