لن يفلح دي ميستورا حيث خاب غيره!

غاية نظام الأسد الأساسية هو تحويل المراقبين إلى مجرد شهود عيان أجانب، يسوقون إلى العالم فرضية الإرهاب.

الأربعاء، 10-02-2016 الساعة 19:13


المشهد السوري برمته لا يزال ينظر إليه بمناظير عمياء، ووفق ما يخدم مصالح جهات تتناطح على الأرض السورية، وليس وفق ما يريده الشعب السوري حسب مقاربات الديمقراطية الغربية وحقوق الإنسان.

لهذا السبب سيبقى العمل الدولي لا يتجاوز قمقمه، وسيستمر النزيف لأجل غير مسمى، ولن يفلح أي مبعوث دولي في حلحلة هذه الأزمة التي تعتبر كارثة العصر من حيث خسائرها البشرية وتداعياتها أيضاً في المنطقة، وعلى دول العالم أيضاً، وليس كما يتوهّم الكثيرون أن شأنها لن يتجاوز الداخل السوري وبعض دول الجوار، وخصوصاً لبنان؛ بسبب تدخل تنظيم "حزب الله" الإرهابي، أو تركيا.

مسرحية الجامعة العربية

عندما أرسلت الجامعة العربية بعثة المراقبين بقيادة الجنرال السوداني محمد أحمد مصطفى الدابي، كان هدف نبيل العربي حينها أن تظهر جامعته بأنها تقوم بشيء تجاه أول أزمة تواجهه وهو على رأس الأمانة العامة، كما أنه كان يحسب نفسه على الثوار بصفته أول وزير خارجية بعد رحيل حسني مبارك، وأيضاً أن سابقه عمرو موسى كان قد أخطأ في نظره لما أخرج ملف ليبيا من الجامعة وحوّله إلى الأمم المتحدة التي أدت إلى التدخل العسكري لحلف "الناتو". وأيضاً توجد حسابات أخرى تحت الطاولة بدأت تظهر تفاصيلها فيما بعد، سنتحدث عنها في مناسبات أخرى بإذن الله.

أما النظام السوري الذي لم يقبل ببعثة المراقبة إلا بعد ضغوطات من الجانب الروسي، فقد كانت مصلحته هي إظهار نفسه أمام المجتمع الدولي أنه ليس لديه ما يخفيه، وأنه مستعد لكل المبادرات السلمية لحل الأزمة التي لم يعترف بها أصلاً، بل يراها مجرد مؤامرة من فضائيات وجهات مأجورة على حد زعمه.

غاية نظام الأسد الأساسية هي تحويل المراقبين إلى مجرد شهود عيان أجانب، يسوقون للعالم فرضية الإرهاب التي بدأ نظام الأسد بالتسويق لها مع أول مظاهرات جرت في درعا منتصف شهر مارس/آذار 2011.

شاركت دول عربية بعدد من المراقبين، وكل دولة كانت لديها حساباتها الخاصة بلا أدنى شك، فمنها تلك التي تلتقي مع مطالب الشعب السوري الثائر سلمياً في ذلك الوقت، وأكثر الدول تعاديه وتسير في مصلحة نظام الأسد، وقد كانت بعثات دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، هي فقط من لم تكن بعثتها لمصلحة نظام الأسد، بل من أجل تنفيذ البروتوكول الذي وقعته الجامعة مع حكومة بشار الأسد في 19/12/2011، الذي كان على الأقل في ظاهره لحماية الشعب من بطش النظام.

طبعاً لا يمكن أبداً أن نتجاهل بعض المراقبين المستقلين الذين لم تكن لديهم أي قدرات على تغيير الأمور، والوقوف ضد تيار جارف كان كله في مصلحة النظام للأسف الشديد.

المشكلة الكبرى في تلك البعثة هي البروتوكول بحد ذاته، فالجامعة العربية التي حررته في غرف نوم مكيفة لم تدرس ما يجري في المشهد السوري، ولم تكن تفهمه جيداً، بل لم تهتم أصلاً بطريقة تنفيذه على أرض الواقع، وحين وصل المراقبون، وكنت منهم، وفي اليوم الأول من مهمتهم، اصطدموا بما يخدم النظام السوري، ويؤكد أن وليد المعلم صدق وهو كذوب، لما صرّح بأن على المراقبين أن يتعلموا السباحة قبل دخول سوريا.

وأعطي مثالاً على ذلك، أن البروتوكول يفرض على الحكومة حماية البعثة من بداية المهمة إلى نهايتها، وأن عناصر المراقبة لا يتحركون أبداً إلا بحماية من قوات الأمن التابعة للنظام، ومع أول خروج ميداني للبعثة الذي كان صباح يوم 27/12/2011 إلى حمص، وقعت البعثة في أول ورطة لما قررت زيارة حيّ بابا عمرو الذي هزّ العالم ما يجري فيه، حيث إن مصالح الأمن لا تستطيع دخول الحيّ المحاصر منذ أسابيع؛ بسبب وجود عناصر من العسكريين المنشقين عن الجيش النظامي، وكانوا يخافون من السكان بسبب الجرائم التي اقترفت بحقهم، هذه هي الحقيقة، وإن كان جنرالات بشار الأسد يزعمون أن تنظيم القاعدة يسيطر على الحيّ.

في هذه الحالة إما أن تتجاوز البعثة البروتوكول وتدخل من دون حراسة، وتتحمل مسؤوليتها، وهو ما يخدم النظام لخنق البعثة واستغلالها، أو لا تلتزم به ولا تدخل الحي أصلاً، وفي هذه الحالة لا يمكنها أن تقوم بمهمتها، لأن ما يحدث هو في هذه الأحياء الثائرة الخارجة عن سيطرة النظام هو الذي يعني بنود البروتوكول وليس الأحياء الأخرى الهادئة والموالية للحكومة.

عدم فهم ما يجري، ومن دون توفير آليات حقيقية لتنفيذ البروتوكول أدى إلى انهيار تلك المهمة بسرعة فائقة، والتي كانت- بلا أدنى شك- فرصة ذهبية لو استغلها صناع القرار حينها لأنقذوا سوريا مما هي عليه الآن من خراب ودماء ودمار وغزو وتمزيق لكيانها.

العبث الثلاثي في الأمم المتحدة

تم تدويل الملف السوري، وجاءت بعثة الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، كوفي عنان، الذي وضع خطة سلام تتكون من ست نقاط، تكاد تكون صورة مطابقة لمهمة الجامعة العربية التي كانت تقنية أكثر، ومع بعض التطوير فيما يخص المبادرة السياسية لحل الأزمة.

غير أن عنان لم يستفد من تجربة الجامعة العربية ولا ما انكشف عن واقع سوريا من خلال أحاديثي الصحفية ومراسلاتي للهيئات الدولية، ومنها الأمم المتحدة، بصفتي أحد المراقبين الذين عاينوا الواقع، ولكنني أعلنت استقالتي لما وجدتها مجرد مسرحية هزيلة.

بل إن نبيل العربي حوّل تقارير بعثة الدابي إلى الأمم المتحدة كمرجعية للمهمة الدولية، على الرغم من أنه ثبت تزويرها وعدم مطابقتها للحقيقة الموجودة على أرض الواقع، وهو ما ضاعف من حجم عدم ثقة السوريين في مهمة عنان؛ لأنه خرج لتوّه من دوامة الدابي الذي زوّر الحقائق ووقع على تقارير أعدتها له وزارة الخارجية حينها، بعدما ضرب بتقارير المراقبين الميدانيين عرض الحائط.

شخصياً توقّعت فشل مهمة عنان، وبعثة المراقبين التي جاء بها، والتي غرقت في المستنقع نفسه الذي عانى منه المراقبون التابعون لجامعة الدول العربية، لأن النظام السوري حينها لا يريد التسويق إلا لأطروحته فقط، ولم تكن له أي نيّة لحل سياسي، بل خياراته كلها أمنية، مع أنه فتح الباب لبعثتين أجنبيتين إلا أنه ظل ينظر للخارج على أنه مؤامرة إن كان في مصلحة الشعب، ودعم للشرعية والمقاومة إن كان في مصلحته.

أما عنان فقد أراد أن يصنع توافقات في ظل واقع لم يفهمه أصلاً إن أحسن الظن به، وربما لا يريد أن يفهمه، كما أن الجهة التي بعثته، وهي الأمم المتحدة، تعيش على وقع خلاف ظاهر في تقدير ما يجري، فالنظام السوري محمي من طرف روسيا والصين باستعمال "الفيتو"، ولذلك كان الأسد مطمئناً جداً ولا يخيفه شيء من حيث إغراق مهمة عنان في متاهات متعددة؛ لأنه يدرك في النهاية أن أي قرار سيذهب إلى مجلس الأمن وسيتم إجهاضه من طرف موسكو، وسيظل مجرد حبر على ورق، كما أن أمريكا لن تتحرك عسكرياً خارج الأمم المتحدة كما فعلت مع العراق في 2003.

فشل كوفي عنان كما كان مؤكداً عندي وعند كل المتابعين الموضوعيين للشأن السوري، وبذلك لم يغادر المربع الأول الذي غرق فيه الدابي، والفرق الذي كان بين البعثتين هو العنوان ولون السترة بالنسبة للمراقبين، ودون ذلك فقد كان المشهد نفسه مع تزايد حجم الجرائم بحق الشعب السوري.

جاء الدبلوماسي الجزائري الأخضر الإبراهيمي الذي بدوره حاول إكمال مسار كوفي عنان بمقاربات أراد أن يصنعها من جولاته مع المعارضة والنظام، وتكلّل عمله بمفاوضات جنيف، غير أن المشكلة التي استجدّت مع الإبراهيمي إلى جانب ما ورث من مشاكل سابقيه، أن إيران حاضرة ليس سياسياً وعسكرياً في دوائر صنع القرار العسكري التابع لنظام بشار الأسد، بل صارت لها مليشيات تقاتل على الأرض، وجاءت بمرتزقة شيعة من مختلف أنحاء العالم.

بذلك أصبحت المعركة ليست بين شعب منتفض ضد نظام مستبد، بل مع غزو إيران لسوريا بعد انهيار قوات النظام، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تصاعد قوة بعض التنظيمات المتشددة والمحسوبة على النظام، وهذا ما خدم أطروحة الحلف الإيراني فيما يخص الحرب على الإرهاب التي بدأ يسوق لها منذ اليوم الأول من الثورة.

بقي الإبراهيمي يراهن على الحل السوري من خلال لقاء بين المعارضة التي بدورها كانت ممزقة بين ولاءات مختلفة، ونظام منهار أصلاً ولم يعد سوى مجرد واجهة لمحتل إيراني يوجد عسكرياً حتى بقوات الحرس الثوري الرسمية، مما يجعل الاحتلال قائماً.

فشل طبعاً الإبراهيمي في إيجاد حل مع نظام كان يمارس القتل والإبادة وصلت حد استعمال أسلحة كيماوية ضد الأطفال في الغوطتين وغيرهما، فضلاً عن البراميل المتفجرة وصواريخ سكود والطيران الحربي ضد مدنيين في بيوتهم.

مشكلة الإبراهيمي أنه كان يحاول الجمع بين المتناقضات المختلفة، سواء في الأمم المتحدة، أو لدى المعارضة التي تمزقت بين تنظيمات وولاءات، والأدهى مع نظام تحول إلى مجرد واجهة شكلية لمحتل إيراني كامل الأركان، وهو الذي لم تعترف به الأمم المتحدة ولا حتى المعارضة، ومعها أمريكا التي رفضت مشاركة إيران في جلسات جنيف التي أنجزها الإبراهيمي في يناير/كانون الثاني 2014، وهو تقدير خاطئ من المعارضين السوريين الذين كان عليهم المطالبة بحضور طهران كمحتل، فلا يعقل أن يتحاوروا مع واجهة، ويستبعدوا الغازي صاحب القرار.

جاء دور الدبلوماسي السويدي ستافان دي ميستورا في ظرف هو الأسوأ بكثير، فلم يعد المشهد عبارة عن دولة يحكمها نظام مستبد، بل إن سوريا تمزقت إلى مقاطعات، وكل مقاطعة تحكمها جهات، فهذه مناطق حرة تخضع لتنظيمات مختلفة من المعارضة، وأخرى تابعة للنظام وبدورها تسيطر عليها مليشيات من لبنان والعراق وإيران وغيرهم.

أيضاً نجد دولة "داعش" التي تمتد من الموصل إلى الرقة، ولها مساحة تعادل مساحة بريطانيا العظمى، وصارت التحدي الأكبر للمجتمع الدولي، والتنظيم بلا شك حقق ما تصبو إليه كل من روسيا وإيران في تحويل المشهد من ثورة شعبية إلى حرب على الإرهاب، وهذا هو هدف لعب مخابرات إيران دورا محورياً في صناعة البعبع الداعشي في المنطقة.

ليس هذا فقط، فلا يوجد شيء في الواقع اسمه نظام الأسد، بل بعد الغزو الإيراني عبر مليشيات وتنظيمات إرهابية، جاء الغزو الروسي الرسمي تحت حجة محاربة تنظيم "داعش"، ولكنه في الحقيقة يحارب المعارضة المسلحة بكل فصائلها، سواء المعتدلة أو المتطرفة، بل إن أكثر من 90% من العمليات الجوية الروسية تستهدف المعارضة المعتدلة فقط، حيث أراد بوتين ألا يبقى في المشهد السوري سوى بشار الأسد والبغدادي والجولاني حتى يقول للمجتمع الدولي عليكم أن تختاروا بين هؤلاء الثلاثة.

يوجد الكثير من الحديث بخصوص هذا الأمر، ولن يكفينا المقام في جمع كل الحيثيات، ولكن نؤكد أن دي ميستورا سيفشل حيث خاب سابقوه؛ لأنه لهذه اللحظة لم تتوفر لدى المجتمع الدولي أي إرادة لوضع مقاربة سليمة للمشهد السوري، رغم مرور خمس سنوات من الدماء.

وبعدما كان الوضع عبارة عن مظاهرات شعبية سلمية يقمعها النظام، تحول إلى مقاومة مسلحة ضد مليشيات غازية، وها هي الثورة الآن ضد محتل روسي إيراني، وللأسف دي ميستورا ومن معه ما زالوا يتحدثون عن صراع بين المعارضة والسلطة، مع أن بشار الأسد انتهى منذ ثلاث سنوات، وجيشه تحول إلى مليشيات وعصابات تغرق في الإجرام الطائفي، والدولة مستباحة من كل حدب وصوب، وتبلغ المسخرة أن حلفاء النظام ما زال منهم من يتحدث عن السيادة السورية وتقرير الشعب السوري لمصيره من دون تدخل أجنبي.

سيفشل دي مستورا إن لم تنطلق مهمته من منطلق أن سوريا دولة صارت تحت الاحتلال، وأي مبادرات دولية يجب أن تكون بين الشعب السوري والمحتل الروسي والإيراني، وليس بين بشار الأسد الذي لم يمتلك يوماً شرعية شعبية حتى نتحدث عن نهايتها.

للحديث بقية

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة