مأزق الخليج يجسد محنة العرب

أزمة الفراغ العربي حاضرة بقوة في اجتماع القمة الخليجية الذي ينعقد اليوم في الدوحة.

الثلاثاء، 09-12-2014 الساعة 12:13


(1) في مؤتمر "حوار المنامة" الذي شهدته البحرين في السادس من شهر ديسمبر الحالي ألقى ولي عهد البحرين كلمة قال فيها إن مصر هي العمق الاستراتيجي للعرب، وفي كلمته تحدث وزير الخارجية المصري السيد سامح شكري عن الحاجة الملحة إلى إقامة نظام إقليمي عربي جديد.

لكن الحدث الأهم الذي استأثر بالأضواء لم يكن اجتماع ذلك الحشد الذي ضم 50 من وزراء الخارجية والقيادات السياسية والأمنية العربية والأجنبية. ذلك أنه أثناء انعقاد المؤتمر وقعت البحرين اتفاقية لإقامة قاعدة عسكرية بريطانية على أراضيها، جنباً إلى جنب مع قاعدة الأسطول الخامس الأمريكي.

واعتبر ذلك حدثاً مثيراً، لأنها المرة الأولى التي تعود فيها بريطانيا عسكرياً إلى المنطقة العربية منذ انسحابها من شرق السويس في عام 1971. وهو ما أعلنه صراحة وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون حين قال عقب التوقيع إن بلاده ستعود إلى التمركز في الخليج من جديد؛ ليكون لها وجودها الدائم وبعيد المدى، لاهتمامها بالأمن والاستقرار ومواجهة التهديدات التي تتعرض لها المنطقة، وبمقتضى الاتفاقية فإنه سيكون بمقدور بريطانيا أن ترسل سفناً أكبر لتعزيز استقرار الخليج. وهو ما أكده وزير خارجية البحرين الذي قال إن الخطوة التي اتخذتها بلاده تؤكد مجددا تعميمها على الحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمي في مواجهة التحديات التي تتعرض لها.

في التفاصيل ذكرت التقارير الصحفية أن البحرين هي التي طلبت إقامة القاعدة، وأنها تكفلت بإقامة المنشآت اللازمة لها التي ذكر أنها في حدود 23 مليون دولار، في حين أن بريطانيا ستتكفل بمصروف التشغيل.

(2) الخبر ليس مفاجئاً تماماً، والبحرين لم تنفرد بطلب إقامة قاعدة عسكرية إضافية على أراضيها والتكفل بنفقات إنشائها، بل إن وجود قواعد عسكرية غربية في منطقة الخليج لم يعد خبراً من الأساس، وإنما غدا إحدى الظواهر الطبيعية التي لم تعد محل استياء أو استنكار. وأي زائر يتاح له أن يتجول في دول الخليج سيصادف عناصر الجنود والضباط الأمريكيين في كل فنادقها ومطاعمها وملاهيها. ذلك أنه منذ انسحاب بريطانيا من المنطقة في عام 1971، فإن واشنطن تطلعت إلى ملء الفراغ الذي تركته، وكان النفط ولا يزال عنصر الجذب الأساسي لها، الذي أضيفت إليه إسرائيل بعد ذلك.

ويسجل الدارسون أنه في عام 1980، بعدما برزت فكرة الاستخدام السياسي للنفط في حرب أكتوبر عام 1973، أعلن مبدأ كارتر والذي نص على أن "أي محاولة من جانب أي قوى للحصول على مركز مسيطر في منطقة الخليج سوف تعد في نظر الولايات المتحدة هجوماً على مصالحها الحيوية، وسوف يتم ردها بكل الوسائل، بما فيها القوة المسلحة".

وعلى إثر ذلك أنشأت الولايات المتحدة قوة التدخل السريع لتكون جاهزة لنقلها إلى منطقة الخليج إذا لزم الأمر، وأهم ما في إعلان كارتر أنه أخرج منطقة الخليج بنفطها من دائرة الصراع الدولي إلى دائرة الأمن القومي الأمريكي، إلى جانب أنه طرح فكرة الاستغناء عن الاعتماد على القوى الإقليمية في الدفاع عن أمن الخليج والتوجه نحو التواجد العسكري المباشر في المنطقة.

احتلال صدام حسين للكويت عام 1990 كان الباب الذي أكسب التواجد العسكري الأمريكي شرعيته في منطقة الخليج، الأمر الذي غدا محل قبول وترحيب من جانب قطاعات عريضة من الرأي العام. وفي غياب أي دور عربي لمواجهة الموقف فإن الولايات المتحدة بدت وكأنها تقوم بدور المنقذ أو الكفيل الذي حرر الكويت من جيش صدام. وبخروجه فإن الأبواب انفتحت على مصارعها للانتشار العسكري الأمريكي في كل دول الخليج بلا استثناء. وشجع ذلك الانتشار وعززه استمرار المخاوف الخليجية من أصداء الثورة الإيرانية وتطلعاتها، خصوصاً بعد انتهاء حربها مع العراق في عام 1990.

الشاهد أن القواعد الأمريكية انتشرت كالفطر في منطقة الخليج، وإذ استقر الأمر على ذلك النحو منذ بداية التسعينيات، إلا أن الذي جدَّ عليه كان دخول الأوروبيين على الخط إلى جانب الأمريكيين. وكانت أبوظبي سبّاقة في ذلك المضمار، ذلك أنها طلبت من الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك إقامة قاعدة عسكرية ثابتة على أراضيها، لكنه لم يكترث بالطلب - كما ذكرت صحيفة لوموند - لأن تركيزه آنذاك كان متجهاً إلى دول غرب إفريقيا (الفرانكوفونية)، إلا أن خليفته نيكولا ساركوزي وافق على الطلب فور توليه للسلطة، وشارك بنفسه في تدشين القاعدة التي أقامتها حكومة أبوظبي في شهر مارس عام 2009، وكانت تلك هي المرة الأولى منذ خمسين عاماً التي حشدت فيها فرنسا جنودها في قاعدة عسكرية دائمة خارج أراضيها الوطنية.

(3) في البدء كان الهاجس الأمني، وفي النهاية تضاعف ذلك الهاجس وعم الخليج، حتى استنفر الجميع ودفعهم إلى تجاوز الخلافات الحاصلة داخل البيت، لأن الرسالة التي تلقوها خلال الأشهر الأخيرة أعطت الأشقاء بأن البيت كله في خطر، ذلك أن حكام الخليج انتبهوا إلى أنهم أصبحوا يواجهون أكثر من إعصار ضرب المنطقة من أكثر من ناحية. فحين تمدد الحوثيون في اليمن واجتاحوا صنعاء وأصبحوا قريبين من باب المندب، واشتم الآخرون رائحة لإيران فيما جرى، فإن ذلك كان بمثابة تهديد مباشر لأمن الجارة السعودية وإنذار لمحيطها، فضلاً عن أن الاقتراب من باب المندب ذي الأهمية الاستراتيجية الفائقة يعد خطا أحمر لا يسمح بتجاوزه.

من ناحية أخرى فإن ظهور تنظيم داعش وتمدده ما بين العراق وسوريا، واقتراب نفوذه من الحدود الشمالية للمملكة مع العراق، حمل في طياته نذر إعصار آخر، ليس فقط لما يمثل من تهديد لأمن السعودية، ولكن أيضاً لأن للتنظيم جذوره الفكرية الوهابية التي انطلقت أساساً من المملكة. والأخبار التي صرنا نتلقاها من الرياض بصورة متواترة تتحدث عن ملاحقة مؤيدين لداعش في داخل المملكة ذاتها. وأحدث تلك الأخبار نقلت إلينا أن السلطات السعودية ألقت القبض على 135 شخصاً، بعضهم من غير السعوديين، بتهمة الانتساب إلى داعش والتخطيط لعمليات إرهابية في البلاد.

صحيح أن تراجع أسعار النفط بمقدار الثلث عما كانت عليه في السابق يؤرق الدول الخليجية بدرجة أو أخرى، إلا أنه لا يشكل إزعاجاً لأغلبها، وإذا استثنينا البحرين وسلطنة عمان، فإن بقية الدول الخليجية لديها من الاحتياطي النقدي ما يجعلها غير مكترثة كثيراً بتلك التراجعات، وإذا كان الاحتياطي النقدي للسعودية مثلاً في حدود 750 مليار دولار، فلن يزعجها كثيراً أن تسحب منه ما بين 10 إلى 20 ملياراً في السنة، والحاصل في السعودية له نظيره في الإمارات والكويت وقطر.

لكن ما سبق كله في كفة، واحتمالات التفاهمات الأمريكية - الإيرانية حول الملف النووي في كفة أخرى، ذلك أن بعض ذوي الصلة بدوائر القرار الخليجي يعتبرون أن تداعيات تلك التفاهمات هي العامل الأهم وراء الدعوة إلى لمّ الشمل الخليجي التي أطلقها العاهل السعودي في منتصف شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، والتي انتهت بالاتفاق على عقد القمة الخليجية في الدوحة.

لم يعد سراً أن أمير الكويت لعب دوراً في مساعي الوفاق التي تكللت بالنجاح النسبي، وأدت إلى إطلاق دعوة العاهل السعودي وإعادة سفراء السعودية والإمارات والبحرين الذين سحبوا من الدوحة في أوائل مارس من العام الحالي 2014.

حسب معلوماتي فإن الدوائر الخليجية تتابع بقلق التفاهمات الأمريكية - الإيرانية، وتخفي عدم ارتياحها إزاء الدور الذي تقوم به سلطنة عمان في هذا الصدد. وثمة اقتناع لدى القيادات الخليجية بأن من شأن الاتفاق بين الطرفين الأمريكي والإيراني أن يؤدي إلى انكشاف منطقة الخليج، خصوصاً في ظل غياب أي غطاء عربي يمكن التعويل أو المراهنة عليه. وربما كان ذلك الشعور بعدم الثقة في الموقف الأمريكي والشك في أن واشنطن يمكن أن "تبيع" الخليج في أي صفقة، هو الدافع الأساسي وراء لجوء بعض الدول الخليجية إلى محاولة تحصين دفاعاتها من خلال الاستعانة بالقوات البريطانية والفرنسية في البحرين وأبوظبي.

إذا صح ذلك التحليل فهو يدعونا إلى إعادة النظر في تقييم قمة الرياض الطارئة التي عقدت في الشهر الماضي، وأسفرت عن إعادة سفراء الدول الثلاث إلى الدوحة، ذلك أنها لم تركز على الخلافات بين دول مجلس التعاون الخليجي بقدر ما ركزت على المخاطر والتحديات التي تواجه الجميع، والتي سبقت الإشارة إلى عناوينها.

(4) وفقاً لتقديرات منظمة ايدكس للدفاع الدولي ومعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري) فإن مشتريات الخليج من السلاح خلال عامين بلغت 200 مليار دولار، وأن متوسط مشتريات السلاح للدول الخليجية سنوياً لا يقل عن 70 مليار دولار، وخلال السنوات ما بين عامي 2005 و2009 فإن دولة الإمارات العربية استأثرت بنحو 57 بالمئة من الأسلحة التقليدية الرئيسية التي تم استيرادها من الولايات المتحدة، في حين أن نسبة السعودية كانت 10 بالمئة فقط.

وفي ديسمبر عام 2011 أبرمت واشنطن صفقة بيع أسلحة متطورة لدول الخليج بقيمة 123 مليار دولار، حصلت السعودية منها على طائرات مقاتلة ومروحيات وصواريخ.

ووقعت دولة الإمارات على صفقة بنحو 3.6 مليار دولار لشراء 100 صاروخ دفاعي اعتراضي، وطائرات مقاتلة كجزء صغير من صفقة أكبر بلغت قيمتها 36 مليار دولار تتضمن عشرات الطائرات المقاتلة.

حين يُطالع المرء تلك الأرقام المهولة التي تنفق على التسليح سنوياً في دول الخليج، فلابد أن يدهشه أن الشعور بانعدام الأمن يتناسب طردياً مع زيادة الإنفاق العسكري، ولابد أن يستغرب استمرار الحرص في الوقت ذاته على الاحتماء بالقواعد العسكرية الأجنبية في مواجهة احتمالات التهديد الخارجي، وهو ما يدعونا إلى تأييد الفكرة التي تقول إن كل ذلك التسليح يستهدف حماية الأمن الداخلي بالدرجة الأولى.

كما أن بعض الدول الخليجية توظفه في ترجيح كفة بعض الأطراف المشاركة في الصراعات الإقليمية. هذه الفكرة نبه إليها مقال مهم نشرته صحيفة واشنطن بوست في 5-12 تحت عنوان "صحوة الجيوش العربية". وقد كتبه روبرت سبرنجبورج، وهو أحد الخبراء العسكريين الأمريكيين الذين عملوا في الخارجية الأمريكية والمملكة المتحدة، ومما ذكره في مقالته أن أحد التطورات الخطيرة التي شهدها العالم العربي أن الجيوش لم تعد مهمتها مقصورة على حماية البلاد ضد التهديدات الخارجية، ولكنها باتت تستخدم في مواجهة التهديدات الداخلية ومكافحة الإرهاب وحسم الصراعات في الدول المجاورة.

لا تستطيع أن تتوجه باللوم إلى الدول الخليجية التي باتت ضحية الشعور الدائم بالخوف رغم كل ما توفر لها من فرائض مالية وقدرات عسكرية، قبل أن نلوم أنفسنا حين خرجت الدول العربية الكبرى من معادلة القوة، وأصبحت ذاتها ضحية صراعاتها الداخلية، فلم تستهلك طاقاتها ولم تضعف قدراتها فحسب، ولكنها ضيَّعت معها الدول الأصغر حين ألجأتها إلى سؤال اللئيم مضطرة حيناً وطائعة ومختارة حيناً آخر.

بسبب مني فأزعم أن استقرار الخليج واطمئنان أهله لن يتحقق إلا إذا استقام أمر الدول العربية الكبرى (هل أذكر بموقف جمال عبد الناصر من أزمة الكويت في بداية الستينيات حين استعانت ببريطانيا في مواجهة تهديدات عبد الكريم قاسم بضمها للعراق، هو الذي أوقف التدخل البريطاني؟)، وتلك مشكلة أخشى أن تكون أكثر تعقيداً، لكنها تظل الحل الوحيد. ومن لديه خيار آخر فليدلنا عليه.

(الشرق القطرية)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة