مأساة العرب السنة في العراق

مأساة العرب السنة في العراق، في حقيقة الأمر، ترجع لأخطاء أصدقائهم، أكثر من مكر أعدائهم بهم.

الثلاثاء، 09-06-2015 الساعة 09:23


العراق بلد غير مستقر تاريخيا، وأهم أسباب عدم استقراره تعددية مجتمعه الطائفية. منذ مقتل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب والعراق عامل عدم الاستقرار الأخطر في المنطقة، بعيدا عن سلطة مركزية قوية وقادرة. كما أن العراق، التي كان يُطلق عليه أرض السواد لكثرة نخيلها ووفرة مائها تُعد قبل الفتح الإسلامي أرضا عربية محتلة من قبل الفرس، وكانت بها عاصمة كسرى (المدائن) وحررت في عهد أبي بكر الصديق.

منذ أن ظهر التشيع، وقبل ذلك فتنة الخوارج، والفرس لم يتخلّوا عن كيدهم للعرب والإسلام في بلاد الرافدين. ولم يستقر الأمر سياسيا للعرب في العراق، إلا بعد أن فرضت الخلافة الأموية سيطرتها الكاملة في العراق، على يد الحجاج بن يوسف الثقفي. مهما قيل عن الحجاج بن يوسف، إلا أن التاريخ يذكر له أنه لولا سيطرته المحكمة على العراق، لما امتدت الدولة الإسلامية شرقا، حتى وصلت إلى بلاد ما وراء النهر إلى حدود الصين ولا كانت امتدت جنوبا حتى الهند.. وبالتبعية: لم يكن يتسنى للدولة الإسلامية أن تمتد غربا حتى الأطراف الجنوبية الغربية لقارة أوروبا في بلاد الأندلس.

عبقرية موقع العراق هذه اكتشفها إذن الحجاج بن يوسف، الذي رأى بعقليته الاستراتيجية الفذة أنه ليسيطر على العراق عليه أن يقوم بخطوتين استراتيجيتين أساسيتين. الأولى الاعتماد على العنصر العربي، بصفة حصرية، كما فعل معاوية بن أبي سفيان قبله، ومن بعده جميع خلفاء بني أمية. الثاني: القيام بما نطلق عليه اليوم بتعديلات على الخريطة الإدارية للعراق. لقد بنى الحجاج عاصمة جديدة اسماها واسط بعيدا عن الكوفة والبصرة واختار بذلك حصار مناطق الاضطراب والقلاقل، بدلا من أن تكون مؤسسات الدولة فيها. تقليد أتبعه العباسيون بعد ذلك عندما بنوا بغداد. من حينها العراق (الدولة) نٓعِم باستقرار سياسي وأمني، وإن جادل البعض بقسوة الحكم المركزي في العراق، بل وأحيانا شدة قمعه. إلا أن العراق كان مستقرا طوال ما بقي العرب في أمان، الأمر الذي لم يتحقق - تاريخياً - إلا بسيطرتهم الفعلية على مقاليد الحكم في العراق.

عندما غزا الأمريكيون العراق عام ٢٠٠٣ حلوا جيشه، الذي كان يسيطر عليه العرب.. وأخذوا بنظام المحاصصة الطائفية. بدعوى ديمقراطية حكم الأغلبية، جاءوا بالطائفيين لسدة الحكم ومعهم الأكراد، ولم يبقوا للعرب السنة سوى مناصب سياسية هامشية، مثل أحد نواب نائب رئيس الدولة ورئيس البرلمان! عندها بدأ مسلسل الاضطهاد والانتقام ضد العرب السنة، ليس على المستوى السياسي، لكن على المستوى المذهبي والعرقي، أيضاً... وكانت فرصة لطهران أن تنتقم من العراق كله بوجود حكومة موالية لها في بغداد، ليصل طموحهم للقول إن بغداد أضحت عاصمة إيران ليعيدوا التاريخ إلى الوراء خمسة عشر قرنا للوراء!

اليوم تحاول الحكومة الطائفية في بغداد بمعاونة إيران القيام بتطهير عرقي للعرب السنة، حتى في مناطق تواجدهم التقليدية، في سط العراق وغربه. وأخيرا: بحجة داعش يجتاح الجيش العراقي المدن والقرى العربية السنية، حيث تقوم مليشيات الحشد الشعبي بتصفية العرب السنة في المناطق التي يدخلونها مع الجيش فيقتلون من يقتلون ويهجّرون من يهجّرون ويمنعون من الخروج من يمنعون، حتى للاحتماء بعاصمة الدولة!

في كل هذا وإيران تساهم بمد الجيش العراقي ومليشيات الحشد الشعبي بالعتاد والسلاح والمال، وحتى الرجال، بينما واشنطن تدعم الحكومة الطائفية في المنطقة الخضراء ببغداد بالمساندة السياسية، بالرغم من علمها بالفضائع التي يرتكبها الجيش العراقي، وبالأخص مليشيات الحشد الشعبي، ضد المدنيين من العرب السنة! ويبقى العرب السنة بلا معين، يدفعون ضريبة فتح أجدادهم للعراق وإدخالهم الإسلام إليه وتقويض حكم كسرى أنوشروان ونشر الإسلام حتى سُوَر الصين العظيم وشبه الجزيرة الهندية وسقف العالم على امتداد جنوب شرق أوروبا، وحتى القوقاز وسلسلة جبال الأورال غربا.

لو أن العرب السنة في العراق يجدون بعض ما يتلقاه الطائفيون في العراق من دعم إيران وتفهم الغرب، لما كان لداعش من نصيب في أرض العراق وعربه، ولوفر العرب على أنفسهم التهديد الخطير الذي يمثله تنظيم الدولة وداعش والقاعدة وبقية الجماعات لمتطرفة التي تعمل تقتيلا وتخريبا وتعيث فسادا، الآن، في العراق وبلاد الشام.. وتتسلل كالسرطان في مشرق العالم العربي وغربه، وأطراف الجزيرة العربية الجنوبية.

مأساة العرب السنة في العراق، في حقيقة الأمر، ترجع لأخطاء أصدقائهم، أكثر من مكر أعدائهم بهم.

المصدر: عكاظ

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

سي إن إن ترك: لقطات جديدة للحظة ركن السيارة الدبلوماسية السعودية بمرآب في إسطنبول حيث كانت مفقودة منذ يوم اغتيال خاشقجي قبل أن تجدها الشرطة الاثنين