مؤتمر إعادة إعمار غزة وشروط الدول المانحة

لم نعتد من الدول المانحة، خاصة الغربية منها، أن تقدم تبرعات طوعية دون مقابل، ولا هي كانت جمعيات خيرية تقدم وجبات ساخنة مجاناً.

الاثنين، 13-10-2014 الساعة 11:49


اجتمعت دول ومؤسسات رئيسية جاءت من كل حدبٍ وصوب للمشاركة في المؤتمر الدولي لإعادة إعمار غزة، والذي عقد في القاهرة يوم الأحد 12/10/2014، بدعوة من حكومة النرويج، وتنوع الحضور من الأمم المتحدة بشخص أمينها العام، والاتحاد الأوروبي إلى منظمة التعاون الإسلامي، وأمريكا، وجامعة الدول العربية، والدول الإسكندنافية، ومعها منظمات الأمم المتحدة المتخصصة من وكالة "الأونروا" و"اليونيسف" و"الأونيسكو" و"الأوتشا"، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة الصحة العالمية والاتحاد الدولي لجمعيات الهلال الأحمر والصليب الأحمر وغيرها من المنظمات الأممية والمؤسسات غير الحكومية، بهدف جمع مبالغ مالية لإعادة إعمار ما دمره العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، والمفارقة وبوقاحة أن يطلب العدو الإسرائيلي المشاركة في المؤتمر الأمر الذي رفضته السلطات الرسمية المصرية.

نجحت الدول المجتمعة في التعهد بدفع مبلغ خمسة مليارات ونصف المليار دولار لإعادة الإعمار (أكثر من المتوقع؛ فالسلطة الفلسطينية قدرت احتياجاتها بأربعة مليارات)، وتصدرت قطر قائمة الدول المتبرعة بقيمة مليار دولار، دون أن يتم تحديد آليات وارتباطها بالمدة الزمنية لإعادة الإعمار، باستثناء أن الأمم المتحدة والسلطة الفلسطينية ستشرفان، وبالطبع دولة الاحتلال، على إدخال المواد وتحديد نوعيتها وكميتها.

نعتقد أنه من الضرورة بمكان أن يعقد مؤتمر مشابه للبحث في كيفية إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للقطاع؛ السبب الرئيس لما تعانيه غزة من حصار وتضييق وعمليات تدمير ممنهجة، أبرزها العدوان الأخير إبان عملية الجرف الصامد وسقوط أكثر من 12 ألف مدني فلسطيني بين شهيد وجريح، وتدمير للبنى التحتية ودور العبادة ومؤسسات "الأونروا" وغيرها من المؤسسات الدولية، فزوال الاحتلال عن القطاع هو اللبنة الرئيسية في إعادة الإعمار.

لم نعتد من الدول المانحة خاصة الغربية منها، أن تقدم تبرعات طوعية دون مقابل، ولا هي كانت جمعيات خيرية تقدم وجبات ساخنة مجاناً، بل لها أهداف وغايات سياسية خاصة بها، والتجارب كثيرة؛ فمثلاً مؤتمر إعادة إعمار مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين في لبنان الذي دُمِّر عن بكرة أبيه في العام 2007 وتسبب بتهجير ما يقارب 38 ألف لاجئ فلسطيني؛ فقد عقد المؤتمر في فيينا بتاريخ 23/6/2008 وخُصص لجمع التبرعات لإعادة الإعمار، وتعهدت الدول المشاركة بدفع مبلغ 122 مليون دولار من أصل 455 مليون دولار طلبتها "الأونروا"، وبعد مرور أكثر من سبعة سنوات على تدمير المخيم لم يتم إعمار سوى أقل من 50 بالمئة من مساحة المخيم، والسبب دائماً عدم التزام الدول المانحة والتأخر أو عدم الدفع، وفي المقارنة استحقاق إعادة إعمار مخيم نهر البارد أسهل بكثير من إعادة إعمار غزة سواءً من حيث حجم الدمار الهائل، أو وجود الاحتلال والتعقيدات التي ستواجهها عملية إدخال المواد من سبعة معابر؛ ستة يسيطر عليها الاحتلال الإسرائيلي (بيت حانون، كرم أبو سالم، المنطار، العودة، الشجاعية، القرَّارة) ومعبر رفح الأخير تحت إشراف وإدارة السلطات المصرية.

للمؤتمر أبعاد ليست فقط مادية وإنما كذلك سياسية وأمنية وبامتياز؛ فالدول المانحة، وتحديداً الغربية، ودول أخرى تتطلع إلى "الهدوء" وحفظ الأمن والاستقرار داخل الكيان أولاً، ثم في غزة ثانياً كاستحقاق لاستمرار التبرعات وإعادة الإعمار والالتزام بما تم الاتفاق عليه من شروط للتهدئة برعاية مصرية، وهذا شرط على المقاومة في غزة أن تلتزم به إذا ما التزم به الاحتلال، لكن المفاوضات غير المباشرة بين الوفد الفلسطيني والكيان الإسرائيلي برعاية مصرية لم تنته بعد، ويستعد الطرفان لجولة قريبة. يبدو بأن التعهد السخي لإعادة الإعمار جاء للضغط على المفاوض الفلسطيني في الجولة الجديدة من المفاوضات لانتزاع المزيد من التنازلات، والتي ستشمل نقاط الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين إبان العدوان الأخير والميناء والمطار، ومن جهة أخرى الضغط على الفلسطينيين لفرض مصالحة ضرورية أياً كانت حتى لا تضيع خطوات إعادة الإعمار في زواريب الخلافات الداخلية والتراشق الإعلامي.

لن يكون صحيحاً في المستقبل أن التأخر في التزام ما تعهدت به الدول لإعادة الإعمار سيكون سببه العجز المالي أو أزمة اقتصادية تواجهها تلك الدول؛ فقد تبرعت الدول المانحة لسلطة الحكم الذاتي في تسعينيات القرن الماضي بمبلغ ملياري دولار، والسبب في ذلك كان اقتصادياً وسياسياً يتماشى مع أهداف توقيع اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير والاحتلال الإسرائيلي عام 1993، وبعد أن أطلقت "الأونروا" في أكتوبر/تشرين الأول 1993 برنامج "تطبيق السلام"، سارعت الدول المانحة وعددها 22 دولة بتمويل المشروع، وبلغت موازنة البرنامج في الأراضي الفلسطينية المحتلة مقدار 83.5 مليون دولار، وكان أبرز أهداف هذه الخطوة إشعار اللاجئين الفلسطينيين بأن السلام وحالة الرخاء ستأتيان مع اتفاق أوسلو، وبالتالي يصبح سعي اللاجئين إلى الاستقرار وتحسين الخدمات الإنسانية على حساب حقهم في العودة وقبولهم بالتوطين كحل نهائي لقضيتهم، لكن هذا ما لم ينجح بفضل وعي الحراك الجمعي الشعبي الفلسطيني، والآن تعود الإغراءات المالية إلى الواجهة من جديد كأداة لتطويع إرادة الفلسطينيين أمام استحقاقات سياسية في حال نجحت - لا سمح الله - فإن تردداتها لن تقتصر فقط على جغرافيا قطاع غزة بل ستتعداها للوجود الفلسطيني في الداخل والخارج، وباعتقادنا لن يكون مصير هذه المحاولات إلا مصير سابقاتها، فالاحتلال هو جوهر المشكلة وهذا ما يجب أن تنكفئ الدول على البحث فيه وإزالته إلى غير رجعة..

*المنسق الإقليمي لمركز العودة الفلسطيني / لندن

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

رويترز: وزير التجارة البريطاني ليام فوكس يعلن عدم مشاركته في المؤتمر الاستثماري في السعودية