مؤتمر السعودية واليسار الكردي والدرس رقم ألف

الجمع بين أيديولوجية داعش وبراغماتيتها ليس نموذجاً يحتذى به في فرض الأمر الواقع وإقامة دولة ذات حدود ونفوذ وسكان.

الاثنين، 07-12-2015 الساعة 20:43


حزب PYD الكردي يثبت للمرة الألف أن اليسار الكردي المسلح المنبثق عن حزب العمال الكردستاني ليس إلا "حمار طروادة" للمصالح الإقليمية والدولية، يُستعمل ويُركب كلما تطلب الأمر، ليلقى به في نهاية المطاف في بادية معزولة عن العالم.

حزب الاتحاد الديمقراطي، كما يسمي نفسه، تردد في مشاركة الثوار السوريين في بداية الاحتجاجات ثورتهم ليتبين له في أي اتجاه ستؤول الأمور، ثم تلقى عرضاً بالتنسيق والتعاون مع النظام يقضي بمنحه إدارة ذاتية "كرتونية" لا تحمل أبسط مقومات الحكم الذاتي أو الإدارة الذاتية، مقابل تشبيحه لصالح النظام ومنع كل أنواع الحراك الثوري السوري، سواء بين الأكراد أو بين المكونات العرقية الأخرى، وهذا التنسيق باعتراف رأس النظام نفسه في مقابلته الأخيرة، ولكي يستمر الحزب في تمثيل دور المعارضة انضم لهيئة التنسيق الوطني ليرضي بذلك النظام من جهة، ويلبي بذلك مصلحته في الظهور بمظهر المعارض والمتمسك بالثورة من جهة أخرى.

عندما ظهر داعش بدا حزب PYD المتطرف في أيديولوجيته وبراغماتيته أيضاً وحيداً في معركته ضد التنظيم في محيط الكانتونات الكرتونية، لولا أطواق النجاة التي ألقت بها واشنطن إليه وأرغمت تركيا، بمختلف أنواع الضغوط، على مساعدته وإنقاذه من محرقة محققة في عين عرب (كوباني) وبقية الكانتونات التي يسيطر عليها.

ومنذ ذلك الوقت يرى الحزب الكردي المتطرف نفسه في معسكر أمريكا والتحالف الدولي ويبني سياساته على هذا الأساس، ولما حصلت الانتخابات التركية في 7 يونيو/ حزيران الماضي الماضي، حيث بدا أن تركيا في حالة أضعف وأكرادها في حالة أقوى من السابق، عنّ لقادة حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل الانقضاض على الأراضي الكردية ومباشرة عملية إعلان الحكم الذاتي، فكان حزب PYD يستعد هو الآخر على الضفة الأخرى من الحدود فبدأ بعمليات الحرق والتدمير والتهجير العرقي تحضيراً لتحقيق الحلم بإعلان إقامة دولة، ولكن خابت الظنون وفشل الحزب الأم في تركيا في تحقيق شيء بل تلقى خسارة فادحة عسكرياً وسياسياً توجت بتراجع حزبه في إعادة الانتخابات التركية، الأمر الذي انعكس بدوره على ابنه السوري.

اليوم مع رفض الرياض دعوة صالح مسلم زعيم الحزب الأيديولوجي المتطرف إلى مؤتمر المعارضة السورية (حتى الآن على الأقل) رغم الدعم الأمريكي الحقيقي الذي تلقاه في معاركه ضد تنظيم الدولة، يتجرع الحزب مرارة عدم اصطفافه في معسكر واضح، واعتماده سياسة أخطبوطية تقوم على وضع رجل في كل معسكر كي لا يكون بكل ثقله في المعسكر الخاسر يوماً، إلا أنه اليوم ليس بالإمكان أن يحسب على معارضة ولا على موالاة، وحتى علاقاته بهيئة التنسيق لم تنفعه في إثبات وجوده وتأثيره وجدوى إشراكه في المحافل التي تنعقد كنتيجة لاتفاق فيينا.

يستميت الحزب اليوم لفعل شيء يقول من خلاله أنا هنا، فقد أعلن اليوم عن مؤتمر "سوريا الديمقراطية" الذي يسعى لعقده الثلاثاء والأربعاء في مدينة المالكية الواقعة تحت سيطرته شمالي سوريا، مستبقاً بذلك مؤتمر السعودية، الذي يشعر PYD أنه سيؤدي إلى تشكيل وفد سيشارك في حكم سوريا وفقاً لاتفاق فيينا، في حين أنه هو مغيب عنه ومغيب أيضاً وبكل تأكيد عن وفد النظام.

وبغض النظر عن تقييم اتفاق فيينا وتحليله وتخمين ما سينشئه على الأرض، فإن الزاوية التي حشر حزب PYD نفسه فيها ضيقة بما يكفي ليتلقن درساً في عدم جدوى السياسة الأخطبوطية والرهان على دعم القوى العظمى ما دام يتخذ من الاستئصال منهجاً والقوة مبدأ.

الدرس الذي يتكرر وباستمرار دون أن يتعلم حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي يعاني من جرائمه خصومه من الأكراد قبل إخوانهم العرب والتركمان وسائر المكونات العرقية، أن الجمع بين أيديولوجية داعش وبراغماتيتها ليس نموذجاً يحتذى به في فرض الأمر الواقع وإقامة دولة ذات حدود ونفوذ وسكان، ولا يؤدي بالضرورة إلى النتيجة ذاتها، بل ليست سوى فقاعة أريد لها أن تنتفخ كثيراً وتتضخم إلى ما فوق قدرتها على السيطرة حتى تنفجر في اللحظة والمكان المناسبين، في ضوء مصالح اللاعبين الدوليين.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة