مؤتمر باريس الدولي للسلام

مؤتمر باريس الدولي سيسجل شهادة جديدة مفادها أن الفلسطينيين ما زالوا متمسكين بعملية السلام.

الأحد، 15-01-2017 الساعة 11:23


لا شك أن عدم تجاوب إسرائيل بالمشاركة في حضور مؤتمر باريس الدولي للسلام، الذي سيعقد، اليوم الأحد، قد أفقده قيمته الحقيقية، ولكن لا يمكن إغفال حقيقة أن مجرد انعقاده بحضور سبعين وفداً دولياً، منهم أكثر من أربعين وفداً على مستوى وزراء الخارجية، بعد أن طال انتظاره، وفي ظل التحديات التي تواجه الساحة الدولية، بأنه يمثل إنجازاً معنوياً لا يمكن التقليل من شأنه حتى أكون منصفاً.

لذلك، كان من المنطقي بعد أن تطرقت في عدة مقالات سابقة إلى هذا الموضوع، أن أتحسس حالة القلق التي تواجه القيادة الفلسطينية، والتي جاء التعبير عنها في سياق تصريح مجدي الخالدي، المستشار الدبلوماسي للرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي قال فيه لإذاعة "وطن"، أمس السبت (14/1)، إن اتصالات تمت خلال الأيام الماضية لرفع مستوى الوفود التي ستحضر مؤتمر باريس؛ لما له من أهمية، مشدداً على ضرورة الخروج بقرارات مهمة لدفع العملية السياسية للأمام، خاصة بعد إعلان الحكومة الإسرائيلية رفضها للمؤتمر والمشاركة فيه، وهذا أمر جيد التفكير فيه وبمنطقه!

الجدير بالذكر أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس وصل، أمس، إلى روما، في زيارة قصيرة زار فيها الفاتيكان واجتمع مع البابا فرنسيس، قبل يوم واحد من انعقاد مؤتمر باريس الدولي، حيث أثنى على أهمية مواقف البابا وتوجهاته وتحركاته لإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني من الاحتلال.

ما لفت نظري في هذه الزيارة منذ بدايتها هو الاستقبال ضعيف المستوى في المطار للرئيس محمود عباس والوفد المرافق له، حيث كان على مستوى رئيسة البروتوكول في وزارة الخارجية الإيطالية، إلى جانب سفيري فلسطين لدى إيطاليا والفاتيكان، وجمع من أبناء الجالية الفلسطينية الإيطالية، ولم أجد تفسيراً لذلك، ولكنه لربما كان بسبب قصر الزيارة، أو لأنه لم تكن في الأساس كزيارة رسمية لإيطاليا ولكن للفاتيكان، حيث إنني كنت أتمنى لو أن ترتيبات الاستقبال كانت على مستوى أفضل لتحمل رسالة سياسية، خاصة أنها جاءت قبل عقد مؤتمر باريس الدولي للسلام بيوم واحد.

اقرأ أيضاً:

صراع فلسطيني إسرائيلي على شواطئ تركيا

بالأمس أيضاً، وقبل مؤتمر باريس بيوم واحد، وفي ظل الأخبار التي تتحدث عن نية الإدارة الأمريكية الجديدة المضي قدماً في قرارها نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، كانت حالة التوتر في صفوف الفلسطينيين تتزايد طردياً، خاصة أنه لوحظ بأن هناك إشارات كثيرة تعبر عن حالة القلق التي تنتاب القيادة الفلسطينية خشية من تنفيذ مثل هذا القرار الذي سيضعها بلا شك في مأزقٍ وطني أمام أبناء الشعب الفلسطيني، حيث خرجت تصريحات نارية عن حركة "فتح"، قال فيها الناطق الرسمي باسمها، أسامة القواسمي، إن القدس الشرقية هي عاصمة الدولة الفلسطينية، وفقاً للقانون والشرعية الدولية والقرارات الأممية ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية، والتي كان آخرها القرار 2334 الذي نص على إدانة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، والذي حظي بإجماع دولي تاريخي وغير مسبوق، وإن التوجه لنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس يمثل حالة اعتداء على تاريخ الشعب الفلسطيني ودينه وموروثه الثقافي، وحقه القانوني في أرضه ومقدساته، وإن الشعب الفلسطيني سيدافع عن القدس وعن الأرض الفلسطينية مهما بلغت التضحيات.

وعلى الرغم من قناعاتي بأن هذه التصريحات تأتي في سياق ينطبق عليه المثل القائل: "كلامك يا عنتر مثل زخات الرصاص في الهواء!"، وهي في تقديري مبرمجة وموجهة وتأتي في سياق التنفيس، كما أنني أجد فيها استعجالاً واستباقاً للأحداث غير موفق، حيث إن الحكم على سياسة إدارة الرئيس المنتخب دونالد ترامب تجاه هذا الملف كان متسرعاً، خاصة بأنه لم يتسلم الحكم بعد، وكل ما قيل في هذا السياق ما زال أمراً إعلامياً جاء في سياق تصريحات متناقضة وغير ملزمة؛ لكونها تمثل اجتهادات شخصية على لسان مسؤولين عدة في الإدارة الأمريكية الجديدة، كما أنه في عالم السياسة لا يجوز الحكم على التصريحات الإعلامية المسبقة، أو التعاطي بعقلية عنتريات صدامية لا تقدم ولا تؤخر سوى أنها قد تجلب ضرراً لا لزوم له.

بل من المفيد أن يكون هناك قدرة على الاحتواء وصناعة العلاقة مهما كانت التعقيدات والتحديات موجودة، واستراتيجية في العمل لتفكيك المواقف المعقدة، ومرونة في استخدام الأدوات التي تتلاءم مع تحديات كل مرحلة، من دون هذا النوع من التشنج والتهديد والوعيد، خاصة في ظل ضرورة احترام أسس العلاقات الدولية وعدم الإخلال في فهم الموازين والقوى.

لذلك لا بد من الأخذ بالحسبان أن مؤتمر باريس الدولي يأتي في ظل الحديث عن انتخابات فرنسية قريبة، وتحديات داخلية تواجه الرئيس الفرنسي هولاند، وكونه استطاع أن يجسد هذا الأمر واقعاً، واستطاع أن يعقد هذا المؤتمر بالفعل، بالرغم من أن أكثر المتفائلين حظوظاً لم يكن يتوقع بأن هذا المؤتمر سيرى النور أو يُعْقَد بالفعل.

وبغض النظر عن حجم الحضور ونوعيته، تبقى هناك حقيقة بأن مؤتمراً دولياً للسلام في باريس قد عُقِد، وأن هناك توصيات دولية قد خرجت وسُجِّلَت للتاريخ، وأن هناك أيضاً جهوداً دولية ما زالت تبذل للمحافظة على مبدأ حل الدولتين الذي بات يواجه تحديات جمة، أثارت تخوفات العالم من أن الإقرار بفشله يعني الدخول في دوامة عنف لا أحد يعرف مداها، والجميع يدرك الحاجة لتجنب هذا الخيار، وأهمية ذلك بالنسبة للسلم العالمي.

من الواضح أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس بات يواجه تحديات جمة، ومن ثم فإن ما سيتمخض عنه هذا المؤتمر، مهما كان، سيمثل نوعاً من الرافعة الداعمة له على الأقل في الأشهر القليلة القادمة، ولربما يكون ذلك حافزاً جيداً بالنسبة له لينطلق بجهود دبلوماسية جديدة تؤمن له الاستمرار كخيار وحيد ما زال متوافراً، تعمل على جلب المزيد من الاعترافات الدولية، إن خدمه الوقت لكسب علاقة طبيعية مع إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، الذي يبدو بأنه سيبدأ مرحلته الرئاسية بمواجهة تحديات جمة على المستوى الداخلي والدولي، والذي في تقديري سينعكس بالسلب على هذه العلاقة ولن يعطيها حظوظاً من الاهتمام في الوقت الحالي.

لذلك فإنني أرى أن مؤتمر باريس الدولي سيمثل فرصة أخيرة في هذه المرحلة ليحمل مناشدة فلسطينية ودولية للإدارة الأمريكية الجديدة لحماية حل الدولتين، أكثر من أن يتمخض عنه مبادرة دولية فعلية وملزمة أو ذات جوانب مؤثرة، خاصة أن المعادلة التي من المفترض أن تجمع طرفي الصراع ما زالت ناقصة؛ لكون الطرف الإسرائيلي رفض الحضور أو المشاركة في هذا المؤتمر.

كما أن هذا المؤتمر سيكون حافزاً مشجعاً لأطراف الحوار في العاصمة الروسية موسكو لأن يخرجوا بموقف موحد تجاه ضرورة إرساء مصالحة فلسطينية عاجلة، تبدأ بتشكيل حكومة وحدة وطنية على الفور، وتكون أساساتها مبنية على ضرورة اختيار أدوات فاعلة وقادرة على حمل المسؤولية في المرحلة القادمة، والتعاطي مع متطلباتها.

لذلك في تقديري، أن مؤتمر باريس الدولي- للأسف- لن يجلب معه حلاً سحرياً في هذه المرحلة، يعيد الأمل للشعب الفلسطيني، الذي طال انتظاره للحصول على حقوقه المشروعة، ولكنه سيسجل علامة فارقة تحمل شهادة جديدة، بأن المجتمع الدولي ما زال حريصاً على إيجاد حلٍّ عادل للقضية الفلسطينية، وما زال يحاول أن يحمي حل الدولتين من الانهيار، وأن ذلك يحتاج للتأكيد على ضرورة دعم جميع الأطراف الدولية، ومن ضمنها طرفا الصراع، لا عدم التزام أو تجاهل وتغيب أحدهما.

نعم مؤتمر باريس الدولي سيسجل شهادة جديدة مفادها أن الفلسطينيين ما زالوا متمسكين بعملية السلام، وأن هذه العملية تحتاج لجهودٍ توافقية، ودعم دولي، وإصرارٍ على العمل الجاد من أجل إيجاد حلٍّ عملي ومنطقي للقضية الفلسطينية التي باتت تمثل العمود الفقري لأساس الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، لا بل في العالم أجمع.

لذلك فإن مؤتمر باريس الدولي للسلام سيعلق الجرس من جديد ليشير إلى مخاطر انهيار حل الدولتين بمجرد انعقاده، على الرغم من كل التحديات التي تواجهه، وذلك بهدف استنهاض الهمم الدولية من أجل العمل معاً للمحافظة على هذا الحل، وحمايته؛ لكونه هو الوحيد الذي ما زال يحمل بارقة الأمل الوحيدة والممكنة لصناعة السلام بين شعوب المنطقة.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة