مؤشرات لقاء قمة ترامب وبن سلمان

إدارة ترمب اتخذت إجراءات تؤكد جدية المواقف الأمريكية في رفض التمدد الإيراني العدواني في المنطقة.

الثلاثاء، 21-03-2017 الساعة 19:34


تمتاز العلاقات السعودية الأمريكية بأنها قوية واستراتيجية وتحالفية لعقود طويلة سابقة، وامتازت أيضاً بأنها علاقات مطّردة في الثقة المتبادلة، وقد شابها بعض المواقف الخاطئة من الإدارة الأمريكية السابقة؛ عندما قامت إدارة باراك أوباما بتوصيف العدوان الإيراني على البلاد العربية، والتدخل في شؤونها بغير وجه حق، على أنه صراع سني شيعي، فهذا التوصيف خاطئ، ومنحاز إلى الإعلام الإيراني بالكامل؛ فالسنة موجودون قبل أربعة عشر قرناً وعقود، والطائفة الشيعية موجودة منذ عشرة قرون على أقل تقدير، ولم يكن بينهما قتال ولا صراع لأسباب طائفية، وما استجد في السنوات الأخيرة هو طمع إيراني فارسي بالتوسع السياسي والعسكري، لظن إيران أن الدول العربية في حالة ضعف شديد تتيح لها تحقيق أحلامها في توسيع نفوذها السياسي، وهذا الطمع تتولاه قيادة الحرس الثوري الإيراني، التي تسيطر على مقاليد الأمور في البلاد، وهي قيادة تنطلق من أيديولوجيات تاريخية حاقدة، وأطماع توسعية معاصرة، وأما مواقف الدول العربية، ومن ضمنها السعودية، فترفض هذا التدخل الإيراني، وتعتبره عدواناً على الدول العربية، وهو عدوان بالغ في انتهاكه الأرواح البشرية والحقوق الإنسانية، وارتكابه لمجازر ومذابح بشرية؛ عن طريق الحصار والتجويع، وقطع الماء والغذاء عن المحاصرين في سوريا والعراق واليمن، فملايين المواطنين من هذه الدول إما في مخيمات اللجوء، أو مشردين، أو قتلى، أو جوعى.

هذا العدوان الإيراني على الشعب العربي أخطأت الإدارة الأمريكية السابقة بأن تركنه دون محاسبة؛ لأنه أدى إلى زيادة في عدوانه وتمادٍ في انتهاكاته، وكانت ذريعة الإدارة الأمريكية السابقة في عهد أوباما ادعاءها أن هذا الصراع مذهبي بين السنة والشيعة، وأن أمريكا لن تتدخل فيه، وأن على الدول العربية ألا تنتظر من أمريكا التدخل في صراع كهذا، بينما كان واضحاً أن عشرات آلاف الجنود الإيرانيين، وعشرات آلاف الحرس الثوري الإيراني، وعشرات آلاف المليشيات الطائفية المتطوعة من العراقيين واللبنانيين والأفغانيين، يقاتلون بإمرة الحرس الثوري الإيراني داخل البلاد العربية، ولم ترسل الدول العربية جندياً واحداً إلى إيران لمحاربتها داخل أراضيها، ولا لمقاتلة الجيش الإيراني المحتل لأربع عواصم عربية، ولذلك كان طبيعياً أن ترحب الدول العربية المتأذيّة من العدوان الإيراني بالإدارة الأمريكية الجديدة، التي أعلنت في حملتها الانتخابية أنها سوف تصحح هذه الأخطاء وهذا المسار الضار، وستعالج أخطاء الإدارة السابقة، وتلجم العدوان الإيراني في العراق وسوريا والمنطقة، بل وتعيد النظر في الاتفاق النووي الإيراني مع أمريكا، الذي تم توقيعه في يونيو/حزيران 2015؛ لما يحمله من مخاطر على المنطقة والعالم.

وفي الشهر الأول من إدارة الرئيس الأمريكي الجديد ترامب، اتخذ بعض الإجراءات التي تؤكد جدية المواقف الأمريكية في رفض التمدد الإيراني العدواني داخل المنطقة، وأن إيران بأعمالها هذه قامت بأعمال إرهابية لا بد من منعها عن مواصلتها، ولو قولياً حتى الآن، ولذلك جاءت زيارة ولي ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، إلى أمريكا قبل أيام، ولقاؤه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ذات دلالات مهمة في هذا السياق؛ فاستقبال ترامب للأمير محمد بن سلمان مؤشر على الاهتمام الأمريكي بهذه الزيارة من أعلى المستويات السياسية الأمريكية، والمؤشر الثاني ما صدر عن هذا اللقاء من تصريحات تشير إلى نجاحها أولاً، وإلى أنها خطوة مهمة وتاريخية في العلاقات بين البلدين، بعد أن مرّت بفترة من تباعد وجهات النظر في العديد من الملفّات، وكأن اللقاء قد أعاد العلاقات السعودية الأمريكية إلى مسارها الصحيح.

لقد وصف مستشار ولي ولي العهد السعودي الاجتماع في بيان له بأنه: "يشكّل نقلة كبيرة للعلاقات بين البلدين في كافة المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية؛ وذلك بفضل الفهم الكبير للرئيس ترامب لأهمية العلاقات بين البلدين، واستيعابه ورؤيته الواضحة لمشاكل المنطقة".

ومن النقاط المهمة ما قيل إن الأمير محمد أبدى ارتياحه بعد اللقاء للموقف الإيجابي والتوضيحات التي سمعها من الرئيس ترامب حول موقفه من الإسلام، وهو الموقف المعاكس لما روّجه الإعلام، وإن الرئيس الأمريكي لديه نيّة جادة وغير مسبوقة للعمل مع العالم الإسلامي، وتحقيق مصالحه بشكل كبير، وإن للرئيس ترامب موقفاً متشدداً من الإرهاب الذي تمثّله إيران في المنطقة، فقال المستشار السعودي: "إن الأمير محمد بن سلمان وترامب اتفقا في اجتماعهما على أن إيران تمثل تهديداً أمنياً على المنطقة"، وقال: "تطابقت وجهات نظرهما بشكل تام حول خطورة التحركات الإيرانية التوسعية في المنطقة، وأن إيران تحاول كسب شرعيتها في العالم الإسلامي عبر دعم المنظمات الإرهابية".

وهذا توصيف دقيق للسلوك الإيراني منذ سنوات، إن لم يكن منذ نشأة الجمهورية الإيرانية المذهبية؛ فالحرس الثوري الإيراني هو الذي قضى على النظام الإيراني السابق داخلياً، وهو يعمل لتصدير الطائفية البغيضة إلى الخارج، وهو من أسّس حزب الله في لبنان، باعتراف عدد من مؤسسي الحزب، وهو من كرّر ذلك في عدد من الدول العربية والإسلامية في غفلة منها، وأثرها مثلاً أن حزب الله في لبنان يقدّم مصالح إيران في لبنان والمنطقة على مصالح لبنان وعلى مصالح الأمة العربية؛ لأن إيران هي الأب الشرعي له، ولو ولد في رحم لبنان، وهي التي أمدته بالأسلحة الثقيلة التي تفوق قوة الجيش اللبناني، حتى أصبحت مؤسّسات الدولة اللبنانية وأحزابها يخشونه ويطلبون وده خوفاً ورهباً، وليس محبة ولا صداقة، وبذلك استحوذ على أغلبية عدد من الطائفة الشيعية في لبنان.

وفيما يخص الملف النووي الإيراني، جاء في البيان أن الأمير محمد بن سلمان أكد أن الاتفاق النووي الإيراني "سيئ وخطير للغاية على المنطقة، وشكّل صدمة للعارفين بسياسة المنطقة، وأنه لن يؤدي إلا لتأخير النظام الإيراني الراديكالي لفترة من الزمن في إنتاج سلاحه النووي"، وهذه مخاوف محقّة من المشروع النووي الإيراني من العرب والمسلمين قبل غيرهم؛ لأن إيران استعملت سلاحها الفتاك ضد العرب المسلمين في العراق وسوريا واليمن وغيرها، بل وأطلقت صواريخها الباليستية باتجاه مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وغيرها من المدن السعودية، فكيف لا تتخوف السعودية والدول العربية والإسلامية من ألا تكون من ضحايا أسلحة إيران النووية قبل غيرها؟ بل ألا يكون الضحية أحداً سواها؟

إن مطالبة أمريكا أن تضع حداً للأطماع الإيرانية في البلاد العربية هو مطلب محقّ؛ لأن قيام الدول العربية بإرسال جيوشها إلى العراق وسوريا سيدخل الأمة الإسلامية في حروب لا تنتهي، فالأطماع الإيرانية تحتاج إلى مواقف حازمة من المجتمع الدولي، ومن مجلس الأمن، ومن الدول الكبرى؛ مثل أمريكا وروسيا والصين وأوروبا؛ لأن المخاطر التي تحدثها إيران في المنطقة العربية تضر بكل الاستقرار العالمي، وإخراج النفوذ الإيراني من العراق وسوريا واليمن هو السبيل الوحيد لحل مشاكل هذه الدول، فالأموال التي أهدرتها إيران في حروبها في البلاد العربية كان يمكن أن تنفع الشعب الإيراني، وأن تحل له مشاكله الاقتصادية والاجتماعية، وتبني له المساكن، بدل المبيت في الشوارع والطرقات، وأن تفتح له المدارس والمستشفيات، بدل شراء المتطوّعين من مشرّدي شرق آسيا للموت في سوريا، فالتعاون الدولي المنشود بين الدول العربية والإسلامية مع الدول الكبرى هو مساعدة للشعب الإيراني كما هو مساعدة لشعوب الدول العربية وعموم الشرق الأوسط.

إن الاعلام الإيراني الذي يهاجم سياسات الدول العربية التي تشتكي من العدوان الإيراني وتطالب المجتمع الدولي بوقفه، هذا الإعلام الإيراني مطالب أن يراجع نفسه قبل مهاجمة الآخرين؛ لأن وجود إدارة أمريكية تطالب إيران بالامتناع عن سياساتها العدوانية في المنطقة هو لمصلحة الشعب الإيراني أيضاً، في حين أن الإدارات الأمريكية السابقة التي شجّعت إيران على مشاركتها في احتلال العراق، أو إرسال حرسها الثوري إلى سوريا، أو دعم الانقلاب الحوثي في اليمن، أو إثارة المشاكل في دول الخليج العربي، فهذه الإدارات هي التي أضرّت بالدولة الإيرانية وشعبها، وأهدرت الأموال والأرواح الإيرانية هباءً منثوراً؛ لأنها ورّطتها في حروب ظالمة لم تقتل فيها إلا المسلمين، فأي مصلحة لإيران في ذلك؟ وأي مصلحة لها في أن تصنع داعش أو تشارك في صناعتها، ثم تجعل منها ذريعة للحرب العالمية على الإرهاب، وتؤدي إلى تدمير عدد من الدول العربية والإسلامية، فلا مصلحة لإيران بإضعاف العرب ولا المسلمين ولا تفكيك دولهم؛ لأنها لن تستطيع أن تكون هي البديل لملء هذا الفراغ، وإنما ستؤدي إلى إضعاف نفسها وإضعاف العرب فقط، فأين الشعب الإيراني من هذه السياسات الإيرانية الفاشلة، وكيف يسكت الشعب الإيراني على قتل شبابه هدراً، وإضاعة أمواله خسراً، وجعل سمعته سوءاً، وتحميل تاريخيه وزراً؟

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة