ماذا تبقى من أوطاننا؟!

دوي المدافع يكاد يصم الآذان، وأزيز الطائرات يروع القلوب، ومشاهد القتل والدمار شريط يتجدد أمام العين كل يوم.

الأحد، 18-03-2018 الساعة 11:29


عندما أتأمل ما يدور حولي من مشاهد قتل ودمار في أوطاننا العربية، بقدر ما هي متناثرة، بقدر ما هي متشابكة ومترابطة. مشاهد متسارعة كأنها تتسابق في سباقٍ محموم، كل شيء في أوطاننا يحدث فجأة وبسرعة تجعل الكثير منا لا يستطيع استيعاب ما يجري من أحداث.

دوي المدافع يكاد يصم الآذان، وأزيز الطائرات يروع القلوب، ومشاهد القتل والدمار شريط يتجدد أمام العين كل يوم. وما بين مَنْ يعيش الحرب وَمَنْ يشاهد فصولها تُنقل نقلاً حياً على الشاشات، ضاعت الطفولة وازدادت معاناة الأمهات وانحنت أظهُر الآباء. فماذا فعلت الحروب بأوطاننا؟

- المرأة

دفعت المرأة العربية الثمن الأكبر في النزاعات التي شهدتها ولا تزال تشهدها المنطقة العربية، فقد وجدت نفسها محكومة بعدة قرارات مصيرية يتحكم بها الآخرون.

وأصبحت من جهة أُم شهيد أو زوجته أو شقيقته، ومن جهة أخرى لاجئة أو نازحة من مكانٍ لآخر تعاني الأمَّرين؛ من ذلٍ ومهانة ومشقة؛ للبقاء على قيد الحياة أو المحافظة على عائلتها أو أطفالها.

وربما وجدت نفسها سلعة تتبادلها التنظيمات الإرهابية وتستغلها في القتال معها.

- العائلة

كانت العائلة الضحية الثانية للحرب، فقد باتت متشرذمة تفرقها المسافات والأفكار والعقائد والتوجهات السياسية؛ فإن كان الابن أو الأخ مع التنظيمات الإرهابية يكون والده مع النظام.

وإن كانت الأُم وأولادها في أحد مخيمات النزوح، يكون الأب في عرض البحر يحاول اجتيازه، لعلّه يصل إلى مكانٍ آمن يأتي بعائلته إليه.

أما الأرامل والأيتام مِمنْ فقدوا ذويهم خلال رحلة العبور إلى ما وراء البحار أو جراء الحرب والنزاعات الدائرة، فهم مشردون هنا وهناك، إما في الدول التي قَبِلت بإدخالهم إلى أراضيها أو في مخيمات النزوح واللجوء- سواء داخل أوطانهم أو في دول الجوار- منتظرين المعونات والمساعدات، عَلَّهم يتمكنون من الظفر بحياة آمنة كريمة.

- الأطفال

قتلت الحروب الآلاف من الأطفال، ويتمت وشردت أضعافهم، وعرضّت المئات منهم للاكتئاب والصدمات النفسية.

فالصدمات الناجمة عن مشاهدة الطفل لحالات وفاة مروعة أو جثث مشوهة لأقارب له، أثرت على قدراته العقلية، وتسببت في معاناته من مشكلات عصبية ونفسية ممتدة.

فأخطر آثار الحروب على الأطفال ليس ما يظهر منهم وقت الحرب، بل ما يظهر لاحقاً في جيلٍ كامل مِمنْ نجوا وقد حملوا معهم مشكلات نفسية لا حصر لها، تتوقف خطورتها على قدرة الأهل على مساعدة أطفالهم في تجاوز مشاهد الحرب.

- المُدن

أدت الحروب الجارية في المنطقة إلى تدمير جزء كبير من عمران المدن وبناها التحتية، إضافة إلى تغيير معالمها الجغرافية والاجتماعية والديموغرافية، حواضر عربية ذات جذور تاريخية وإسلامية دُمِّرت وخُرِّبت ولم يبقَ منها إلا الأطلال شاهدة على أن الحروب دوماً تقتص من المدن التي لا ذنب لها إلا أنها عاشت في زمانها.

عوامل الفقر والجهل والمرض كانت إحدى أبرز نتائج هذه الحروب، فإضافة إلى الخسائر الكبيرة في الممتلكات والأرواح يتبعها نقصان في مصادر تمويل العائلة أدت هذه الحروب إلى خسارة في فرص الحصول على العمل أو فقدانه أحياناً، وغياب حالة الأمن وازدياد نسب الجرائم.

ولعل أبرز وأسوأ ما أحدثته الحروب هو تردي الأخلاق، فالانقلاب الذي حدث في السلوك والأخلاق وتبدل القيم والأعراف، وموت المعاني الجميلة، وارتكاب الجرائم المختلفة أنذر بكوارث على مستوى السلوك والأخلاق، وفي النهاية أدى إلى ازدياد نسب احتمال قيام النزاعات بين أفراد المجتمع الواحد.

وبالنتيجة فإن ماجرى في هذا القرن قد أخذ مساراً يخالف الفطرة وما اعتاد عليه الناس من الالتزام بالفضائل، حيث أصبحت الفضائل سيئات والسيئات حسنات، فلا المعروف بقي معروفاً ولا المنكر بقي منكراً .

ويبقى السؤال الأصعب بعد كل هذا: هل سيتمكن الإنسان العربي من نسيان أو تناسي المعاناة التي مر بها وعاشها كي يؤسس لمستقبل جديد؟

وهل من الممكن تعويض القتلى والأيتام والأرامل والمصابين؟

لا يمكن التكهن بذلك، لكن الأكيد هو أن لا شيء ممكن قبل إيجاد حلول جذرية لكل الأزمات التي تعيشها المنطقة.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة