ماذا تريد روسيا من تصعيد خلافها مع تركيا؟

تركيا التي تقدم أفضل نماذج الديمقراطية المحافظة في العالم الإسلامي أفضل للدولة الروسية من دول العمائم الدينية السوداء.

الخميس، 26-11-2015 الساعة 13:21


أسقطت الطائرات التركية إف16 طائرة روسية من طراز سوخوي24 كانت تنتهك مجالها الجوي صباح يوم 2015/11/24، وعلى إثر ذلك وقع الاختلاف بين تركيا وروسيا في الأسباب والدوافع والنتائج وردود الأفعال، ولا شك أن تركيا غير معنية بإسقاط طائرة روسية حربية دون أن تنتهك مجالها الجوي؛ لأن ذلك سيعتبر عملاً عدوانياً وليس عملاً استفزازياً كما وصفه الرئيس الروسي بوتين.

فوصف بوتين ووزير خارجيته لافروف اسقاط الطائرة بأنه عمل استفزازي هو وصف يخفف من وطأة الحدث، بالرغم من أن هيئة الأركان الروسية تدعي بأن الطائرة أسقطت فوق الأراضي السورية، وبالتالي فإن الأسباب الظاهرية غير متفق عليها بين روسيا وتركيا.

أما ردود الأفعال، فقال رئيس الوزراء التركي داود أوغلو إن بلاده لن تغلق التواصل مع روسيا، وإنها ستبقي قنوات الاتصال مفتوحة مع موسكو، وإن تركيا تؤكد أن من حقها حماية حدودها ومجالها، وتقول بأنها لن تسمح لأحد باختراق مجالها، ولكنها لا تريد التصعيد مع روسيا بعد هذه الحادثة، بل تقول إنها لم تكن تعرف أن هوية الطائرة روسية إلا بعد اعتراف الكرملين بذلك، وبالفعل فإن البيانات الأولى لهيئة الأركان التركية قالت بأنها أسقطت طائرة مجهولة الهوية، وكانت من قبل قد اتفقت مع هيئة الأركان الروسية على شروط قواعد الاشتباك، بعد اختراق المجال الجوي التركي في مرات سابقة وعديدة، كانت هيئة الأركان الروسية قد اعترفت أنها كانت خطأ، ووعدت بعدم تكرارها، ولكنها وبعد وعدها بعدم التكرار وقع الانتهاك الجوي مراراً دون أن تقدم تركيا على مهاجمة الطائرات الروسية؛ لأن تركيا تعتبر الدولة الروسية دولة صديقة، وشريكاً اقتصادياً وتجارياً وسياحياً وسياسياً مهماً، وتسعى إلى رفع مستوى التبادل التجاري معه إلى أضعاف مستواه الحالي.

أما ردود الأفعال الروسية فمن يومها الأول بل ساعاتها الأولى كانت غير دبلوماسية وغاضبة جداً، وقد كان يمكن تفهمها باعتبار أن إسقاط الطائرة له آثار سلبية معنوياً على الجيش الروسي والشعب الروسي، ولكن كان بإمكان الرئيس الروسي بوتين ووزير خارجيته تهدئة النفوس والتحكم بردود الأفعال بعد الصدمة الأولى، وهو ما سعت الحكومة التركية إلى فعله، بدعوة وزير الخارجية الروسي لافروف إلى لقاء نظيره التركي شاويش أغلو للتباحث بشأن إسقاط الطائرة ومعالجة ما حصل بالطرق الدبلوماسية والقانونية، ولكن لافروف رفض اللقاء، وهو أي لافروف الذي ألغى زيارة كانت مقررة له إلى أنقرة مساء يوم إسقاط الطائرة الروسية، ورد الفعل الروسي في مستواه السياسي يمكن اعتباره محتملاً في مرحلة ردود الأفعال الأولى، أو لو بقي في اليوم الأول.

ولكن ما هو ملاحظ أن ردود أفعال الرئيس الروسي بوتين مبالغ فيها، أو أنها ردود أفعال مدروسة ومخطط لها، وتندرج ضمن خطة مرسومة سابقاً، فالردود الأولى لبوتين هي اعتبار اسقاط الطائرة طعنة في الظهر، وأن هذه الطعنة جاءت من الداعمين للإرهابيين، وفي ذلك اتهام مباشر لتركيا بأنها دولة داعمة للإرهاب، وهذا تجاوز في اللغة الدبلوماسية التي ينبغي أن يتحلى بها رئيس دولة كبرى مثل روسيا الاتحادية، ولكن رد الفعل الصادر عن الرئيس الروسي بوتين في اليوم التالي يكشف عن أن بوتين يضمر نفسية عدائية للحكومة التركية، ويمكن اعتبارها نفسية عدائية ضد حزب العدالة والتنمية ورئيسه المؤسس السيد رجب طيب أردوغان، الذي يشغل الآن منصب رئيس الجمهورية التركية، وكأن بوتين يريد تحميل أردوغان مسؤولية إسقاط الطائرة، ولذلك أصدر الكرملين بياناً قال فيه إن عملية إسقاط الطائرة كانت عملية مدبرة ومقررة مسبقاً، دون تقديم دليل، والأسوأ من ذلك أن يتدخل الرئيس الروسي في الشؤون الداخلية التركية، فيقول للدلالة على كراهيته لتركيا: "إننا ندرك والعالم يدرك معنا بأن القيادة التركية الحالية تعمل ومنذ سنوات على أسلمة تركيا"، وهذه عبارة لا تقل في رعونتها عن وصفه للحدث بأنه طعنة في الظهر من الداعمين للإرهابيين.

ونصف هذه المواقف للرئيس الروسي بوتين بالرعونة، حتى لا نقول بأنه يخطط عمداً إلى تصعيد الصراع مع تركيا بعد يومين من زيارته إلى طهران ولقائه خامنئي الذي يقود إيران منذ عقدين من دمار إلى آخر، ويخوض بشعبه المسكين حروباً خاطئة وتائهة لأسباب طائفية تاريخية؛ أي أن بوتين يسعى إلى توسيع رقعة الخلاف والصراع مع الحكومة التركية؛ وذلك لظنه أن الحكومة التركية ستكون العقبة الكأداء في مشروعه التوسعي في الشرق الأوسط، بحسب ما أخبره التائهون، فتركيا في نظرهم لعبت دوراً كبيراً في إفشال التوسع الطائفي الإيراني في البلاد العربية، وبالتالي فإن إخافة تركيا وحكومتها ورئيسها خطوة مهمة في نظر بوتين إذا أراد أن يحقق نجاحاً استعمارياً توسعياً في البلاد العربية، وبالأخص في مرحلتها الأولى في سوريا.

وهكذا قد يكون من المهم متابعة ردود الأفعال العسكرية الروسية التي تقوم بها روسيا على أنها ليست قرارات مستعجلة، وليست ردود أفعال فقط، فالتحركات العسكرية الكبيرة، وإرسال بارجة موسكو إلى سواحل المتوسط، ونشر صواريخ S400 في المرحلة المقبلة، وتوسيع لغة العداء نحو تركيا، والتهديد بإجراءات اقتصادية، ومطالبة الشعب الروسي بعدم السفر إلى تركيا بحجة أنها دولة إرهابية، كل ذلك يؤكد أن ردود الأفعال الروسية ليست ضد إسقاط الطائرة السوخوي 24 يوم 2015/11/24 فقط، وإنما هي إجراءات مخطط لها مسبقاً، وبالتالي فإن انتهاك الحدود التركية من الطائرة الروسية كان مقصوداً، وكان تحدياً للإنذارات التركية بهدف إسقاطها، في لحظة هروبها إلى الأراضي السورية، حتى يتم سقوط الطيارين الروس بالمظلات في القواعد الروسية في سوريا، ولو لم تقم المعارضة السورية بقتل الطيار الروسي وهو في الجو لتمكن مثل زميله من السقوط في القواعد الروسية بحسب الخطة المرسومة.

هذه قراءة لردود الأفعال الروسية التي تفوق ما يتطلبه الحدث؛ لأن تركيا واضحة وصريحة وصادقة بأنها لم تسقط الطائرة وهي تعلم أنها روسية أولاً، وأنها لا تريد التصعيد ثانياً، وأنها تريد التواصل مع السياسيين الروس لمعالجة ذلك الحدث بالطرق الدبلوماسية ثالثاً، فإذا أصرت روسيا وبوتين على تصعيد حالة الخلاف والعداء، وإن لم تصل إلى حالة الحرب بين الدولتين، إلا أن التصعيد المبالغ فيه دليل على أن روسيا تخطط لشيء موجود في عقلها قبل إسقاط الطائرة الروسية، قد يكون له صلة بفشل القصف الروسي على مواقع المعارضة السورية، وعدم تحقيق الغزو الروسي لأهدافه حتى الآن.

إن مرور قرابة شهرين على الغزو الروسي لسوريا دون تحقيق شيء من أهداف بوتين سوف يحرج بوتين أمام الجيش الروسي، وسوف يحرجه أكثر أمام الشعب الروسي، وكنا نود أن نقول أمام المعارضة الروسية، ولكنه قضى عليها منذ سنوات، ويمارس السلطة على طريقة القياصرة، ولذلك فإن بوتين بحاجة إلى مبررات أخرى لمواصلة حربه في المنطقة غير مبررات حربه على الإرهاب؛ لأن الشعب الروسي غير معني بمحاربة الإرهاب في بلاد الآخرين، ولذلك اصطنع بوتين حربه مع تركيا، وأخذ يصنع من تركيا دولة معادية في الساعة الأولى لإسقاط الطائرة، فوصفها بالدولة الداعمة للإرهابيين، وأنها طعنته بالظهر، وأن سبب هذه السياسة التركية أن فيها حكومة وحزباً يقودان تركيا نحو الأسلمة والتطرف الإسلامي منذ سنوات، وبالتالي فإن الإرهاب الإسلامي التركي بزعمه هو من يحارب روسيا ويسقط طائراتها، وبالتالي فإن روسيا بزعم بوتين تريد أن تظهر نفسها ضحية الإرهاب التركي بحسب المخطط الروسي الذي وضعه بوتين لإقناع شعبه بأحقية حربه في سوريا والشرق الأوسط؛ أي أن بوتين يريد أن يصنع على ظهر الأتراك 11 سبتمبر روسيا.

ما يؤكد هذه الرؤية التي نأمل أن تكون خاطئة، هي أن بوتين وإعلامه توجه مباشرة لمخاطبة الشعب الروسي بمغادرة تركيا وعدم السفر إليها، وأنها مثل مصر دولة ينتشر فيها الإرهاب، وكذلك قامت المخابرات الروسية في يوم 2015/11/25 أي في اليوم التالي لإسقاط الطائرة بأخذ حفنة من المتظاهرين الروس إلى السفارة التركية في موسكو لرميها بالحجارة، لاصطناع حالة عداء شعبي روسي ضد تركيا وضد الأتراك، فالقضية ليست موضوع الطائرة وإنما المخطط هو اصطناع العداء مع تركيا لأهداف لها صلة بفشله في تحقيق أهداف حربه في سوريا.

ولذلك فإن القيادة التركية مطالبة أن تأخذ في حسبانها هذه العقلية الروسية المتهورة والضائعة، التي سوف تواجه كل فشل في سوريا بالانتقام من الجهات التي تظن أنها هي السبب في فشل مشروعها في سوريا، وفي مقدمتها تركيا والسعودية وقطر، وفي المقابل تتقارب روسيا بوتين مع زعماء الدول العربية التي تعادي تركيا ورئيسها أردوغان، التي بذلت المليارات من أجل إسقاط حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ولكنها فشلت في ذلك، فأخذت تحيك المؤامرات مع روسيا، وحضرت مع بوتين مهرجاناته الرياضية، أو تتعاون معه في تصنيف التنظيمات الإرهابية وغيرها.

إن الرئيس الروسي بوتين وضع نفسه في عش الدبابير في الشرق الأوسط، سواء بتحالفه مع الدول الطائفية المذهبية التي لا تسعى لأسلمة دولتها فقط، وإنما صنعت جمهوريتها (الإسلامية) على عقلية مذهبية كهنوتية تاريخية من القرون الوسطى، مثل الدولة الإيرانية التي يقودها رجال الدين، أو بسبب تحالفها مع حزب الله اللبناني، الغارق في الأسلمة الطائفية الحاقدة، أو في التحالف مع بعض المراهقين من الزعماء العرب، الذين يعزفون خارج التاريخ والواقع، فتركيا التي تقدم أفضل نماذج الديمقراطية المحافظة في العالم الإسلامي أفضل للدولة الروسية من دول العمائم الدينية السوداء، إذا كانت روسيا حريصة على بناء سياسة صحيحة في التعامل مع المسلمين في بلادها والعالم الإسلامي، فهي بحاجة إلى النموذج التركي والابتعاد عن معاداة تركيا من أجل مصالحها ومستقبلها.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة