ماذا سيروي التاريخ عنّا؟ (1)

رأينا أولاد المسؤولين يتسوقون بأرقى أحياء أوروبا وأبناء الفقراء لا يجدون قلم رصاص لمدرستهم.

الجمعة، 14-11-2014 الساعة 12:06


كلّ جيل من الأجيال البشرية مهما كانت ملّته، دائماً يريد أن يترك تاريخاً ناصعاً وفق مقاربته الأيديولوجية يُروى لأجياله اللاحقة وتستفيد منه في صناعة كيانها، ولذلك تجد أبناء كل جيل يعملون ما في وسعهم كي يورّثوا ما يتشرّف به الذين يأتون من بعدهم.

ترى ماذا ترك جيلنا حتى يرويه التاريخ عنّا لأحفادنا وأحفاد كل المسلمين؟

علينا أن ننظر إلى واقعنا وبعين الصدق والمصداقية بعيداً عن التزييف والتزوير ومن دون عنتريات وعنجهيات فارغة، لأنه سوف تأتي أجيال أخرى ستعرف الحقيقة كما هي حتماً والتاريخ لا يحسن الكذب طول الوقت ولا يرحم أحداً وطالما فضح الكذّابين حتى من المؤرخين أنفسهم عبر عصور خلت.

ولدت منذ أكثر من أربعين عاماً، وعايشت مع أبناء جيلي حرباً أهلية في الجزائر مات فيها أكثر من ربع مليون جزائري لم ينالوا حقهم من العدالة إلى يومنا هذا. وكنّا شهوداً على الوحشية من النظام والوحشية المضادة من جماعات معارضة بالسلاح، كما رأينا أن عملاء الجيش الفرنسي إبان حرب التحرير هم من صاروا يحكمون البلاد والعباد وهم من تسبّبوا في قتل الجزائريين وتدمير وطنهم ورهنه تحت أقدام أسيادهم في باريس.

لقد شاهدنا أرذل الناس هم من يحكمون أخيار الناس، ليس في الجزائر فقط بل في أغلب العالم العربي حيث أن الفقراء لا يجدون قوت يومهم في بلادهم الغنيّة وثرواتهم يبذّرها الحكام على غرائزهم ومصالحهم ويتسلّون بها في كبرى عواصم العالم، حتى صار هذا يشتري "جحشة" بالملايين وآخر يبتاع سيارة مرصّعة بالياقوت وذاك يريد أن يتميّز بهاتف محمول صنع خصيصاً له من الذهب الخالص.

رأينا أبناء وبنات المسؤولين في أرقى الأحياء الأوروبية يتسوّقون بالملايين من أموال الخزينة العامة، في حين أبناء الفقراء لا يجدون ما يشترون به قلم رصاص حتى يكملوا مشوارهم الدراسي المتميز.

رأينا أبناء الحكام وبطانتهم يبتعثون للخارج كي يكملوا دراستهم الجامعية على حساب أموال الشعب رغم أن حصولهم على الشهادات كان بالغش أما المتفوق الحقيقي فلا حظّ له حتى في جامعات بلده لأن ذنبه اليتيم أنه من أبناء عامة الشعب.

رأينا الراقصة والعاهرة يفرّش لها السجّاد الأحمر بعواصم العالم العربي، وتفتح لها وسائل الإعلام أبوابها ويتباهون بشهرتها ويتنافس المسؤولون على خدمتها والتقرّب منها بثروات طائلة، أما الشريفة العفيفة التي تربّي أطفالها في كوخها أو بيتها القصديري وتخرّج لنا النوابغ فلا حق لها حتى في مساعدة رمزية كي تكمل مسارها النبيل.

رأينا مطربي الحانات وعلب الليل يستقبلهم الزعماء ويوشّحونهم بأوسمة من أعلى الدرجات، أما العلماء فيموتون في السجون ومن ينجو منهم فيحاصر حتى في لقمة عيشه ولا يجد من سبيل سوى المنفى إن أفلت بجلده من كلاب صيد المخافر.

ترى هل هذا سيشرّفنا أمام الأجيال القادمة من أحفادنا وأحفاد غيرنا من أبناء العالم الإسلامي؟

ليس ما ذكرنا فقط فهو غيض من فيض، بل عايشنا ثورة الشعب السوري وهو يذبح على المباشر، ولم نقدّم له غير الحسرة على صفحات التواصل الاجتماعي، لأننا لا نملك شيئاً من القدرة، في حين أصحاب القرار يتلذّذون بدماء الأطفال الذين قتلوا في مجازر بالسكين والقصف بالبراميل المتفجّرة وصواريخ سكود وأسلحة دمار شامل. بل إن جامعة الأنظمة العربية تحركت ببعثة من مراقبين رقصوا على جراح الضحايا ثم عادوا لبيوتهم وجيوبهم منتفخة بأموال وهدايا، وبعدها ظلت هذه "الجامعة" تتاجر بمآسي السوريين حد المازوخية الممجوجة.

أربع سنوات والشعب السوري يذبح ولم يتدخّلوا إلا بكلام وبيانات عابرة ومؤتمرات للتصوير والتدرّب على فنون الخطابة، واليوم الذي حلّق فيه طيران "الأصدقاء" في سماء الشام، قصفوا المناطق التي لا يتواجد فيها شبّيحة بشار الأسد ولا مليشيات إيران التي انتهكت الأعراض وشربت من دماء الأبرياء بمنتهى الطائفية.

عايشنا كجيل مأساة سوريا، ثم عايشنا مأساة مصر التي ثارت على طاغية مستبد وانتخب الشعب من يريد أن يحكمه غير أن العالم الذي لا يريد أن يرى الشعوب تقرّر مصيرها غدر بهذا الخيار ودعّم جنرالاً دموياً يحلم بمنصب الرئيس منذ صباه، فانقلب على حاكم شرعي واقترف المجازر في حق مواطنين مصريين أبرياء في رابعة العدوية والنهضة غيرها.

عايشنا كجيل متعب ومثقل بجراح أمته، أن إيران التي كان شيعتها العرب يمارسون التقية ويخفون تشيّعهم حتى على ذويهم من الجبن صاروا يذبحون غيرهم من أهل السنّة في مجازر قذرة تتناقلها الفضائيات. إيران التي تسبح فوق نهر من البنزين صارت تتمدّد وتسقط العواصم العربية واحدة تلو الأخرى، ولو اقترب منها عود ثقاب واحد لمسحت من الخريطة، ولكن للأسف من يدّعي مواجهتها هو من يحميها ولو على حساب استقرار وطنه لأن المخرج الأمريكي أراد ذلك.

كنّا شهوداً على سقوط بيروت بأيادي مليشيات ما يسمى "حزب الله" الذي هو الذراع العسكري للولي الفقيه. وسقطت أمام أعيننا بغداد لؤلؤة التاريخ الإسلامي، فاحتلّتها إيران التي كانت لا تتجرأ على الاقتراب من حدودها، وصارت تعيث فيها قتلاً وفساداً وتدميراً وانتقاماً من حرب الثماني سنوات وعنصرية للعرق الفارسي.

للأسف شاهدنا على المباشر دبابات أمريكا وهي تدخل عاصمة الرشيد وعلى متنها ملالي إيران وبدعم أنظمة عربية سنّية تزعم أنها تحارب المشروع الصفوي. كنا موجودين عندما تآمر حكام العرب على عربي من طينتهم يدعى صدام حسين لأنه يختلف معهم في لون الطغيان، وبدل أن يفتحوا قنوات للحوار ولملمة الخلافات بما يحافظ على قلعة العراق الحصينة التي كانت غصّة في حلق الخميني، إلا أنهم قرّروا بمهماز أمريكي أن يدمّروا بلاد الرافدين قبل حتى أن يغزو صدام الشقيقة الكويت ظلماً وعدواناً. وهكذا لم نعد نسمع أن صواريخ العراق تدكّ إيران بل إن العراق مجرد محافظة إيرانية فقط يركع حكامها تحت أقدام خامنئي، وثرواتها الطائلة تحوّل إلى طهران بدل أن يستفيد منها العراقيون الذين منذ عام 1990 لم يهنأ لهم بال، وصاروا يتنقلون من مستنقع إلى آخر، وذنبهم أنهم واجهوا الخمينية ومنعوها من التمدّد.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة