ماذا سيروي التاريخ عنّا؟ (2)

ليس غريباً أبداً ما نرى ونسمع وما سنلمس مستقبلاً، فقد سمعنا مسؤولين من العرب يتودّدون إلى علي خامنئي..

الثلاثاء، 18-11-2014 الساعة 15:36


في مسيرة خيبات يعيشها جيلنا، شهدنا أيضاً سقوط صنعاء تحت حوافر الحوثيين الموالين للمشروع الإيراني. للأسف العرب يتفرّجون، ومن لم يلذ بالصمت فهو يفرّك أصابعه والكلّ ينتظرون دورهم في طابور المدّ الصفوي. بل إن جهات عربية للأسف الشديد تواطأت في سقوط العاصمة اليمنية بقبضة ما يسمى "أنصار الله" وهي مليشيا متمرّدة تتحرك بإيعاز من طهران، وتواجه جيشاً نظامياً موحداً، بل الأدهى من ذلك أن هذه المليشيا لم تنجح على مدار سنوات في السيطرة على دماج، وفجأة تتمكن من إسقاط العاصمة صنعاء في عملية استعراضية غريبة، ويفتش مسلحوها عناصر الجيش في الشوارع على مرأى الناس.

ليس غريباً أبداً ما نرى ونسمع وما سنلمس مستقبلاً، فقد سمعنا مسؤولين من العرب يتودّدون إلى علي خامنئي ويصفونه بأنه مرشد العالم الإسلامي كله، ولم تبق إلا بيعة رسمية له كـ"وليّ فقيه" قد نشهدها لاحقاً إن بقي حالنا على هذا الحال.

قبل بغداد وصنعاء، نجد دولة الأحواز العربية محتلّة منذ أكثر من ثمانين عاماً، ولم يتحرّك العرب ولا ساندوا الأحوازيين وهم يتعرّضون للإعدامات ومخطّطات عنصرية لمحو هويتهم العربية والإسلامية. ولا يزال الأحوازيون يئنّون من طائفية محتلّ إيراني لا يرحم أحداً سواء كان سنّياً أو شيعياً ما دام الأمر يتعلق بمصالحه القومية الفارسية التوسعية في المنطقة على حساب أمة عربية تغطّ في نوم عميق بسبب تخدير رسمي محلي ومستورد.

أما دمشق عاصمة الأمويين ومنارة الأمة الإسلامية عبر التاريخ، فهي محتلّة منذ نصف قرن تقريباً من طرف نظام نصيري الديانة وصهيوني الغاية وإيراني الهوى وعلماني الشعارات ودموي في عقليته الأمنية، ولما ثار الشعب السوري لتحرير أرضه وعرضه، ذبح على المباشر وعلى مدار ما يقارب أربع سنوات لا يزال يتعرّض لما يندى له الجبين من إبادة باركها حكام العالم لأسباب صفيونية بحتة، وتناقلتها مختلف وسائل الإعلام عبر الأقمار الصناعية.

في الوقت الذي نجد فيه حكام إيران يذبحون المسلمين والعرب ويشعلون الحروب الطائفية النجسة التي تدمّر الأوطان وتبيد الإنسان، ما يزال هؤلاء الحكام المعمّمون يُفرّش لهم السجّاد الأحمر في عواصم الوطن العربي وتفتح لهم حتى أبواب الكعبة المشرّفة التي هي حلم مشروعهم الفارسي.

أما فلسطين فهي جرح عميق ينزف منذ أكثر من ستين عاماً، ولا تزال يُتاجر بها في أسواق النخاسة العربية والدولية. إيران التي تدّعي أنها تقاوم لتحرير الأقصى صنعت فيلقاً للقدس لم يقتل سوى العرب والمسلمين في دول يغزوها بدعم صهيوني، حتى حزبها في لبنان منذ حرب تموز 2006 لم يخض سوى صراعات من أجل السلطة في لبنان ثم دخل بحرب قذرة على الشعب السوري في سوريا دفاعاً عن نظام مستبد تحميه "إسرائيل"، ولو كان ممانعاً ومقاوماً لاستغلّ الصهاينة فرصة الثورة وانقضّوا عليه، والمفارقة أن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك كان حليف "إسرائيل" ولكن تركوه يواجه مصيره حتى صار يحاكم على سرير المرض، أما بشار الأسد الذي يُسوّق إيرانياً على أنه عدوّهم اللدود تجري حمايته منذ ما يقارب الأربع سنوات من ثورة شعبية اقترف خلالها بحق المدنيين كل جرائم الحرب التي يعاقب عليها القانون الدولي كما ذكرنا مراراً وتكراراً.

بل أبعد من ذلك أن نظام الأسد خصّص لفلسطين فرعاً استخباراتياً لم يسلخ غير جلود السوريين وهم أحياء لأجل الحفاظ على أمن "إسرائيل" التي تحتلّ الجولان السوري، وفعل ما يندى له الجبين بحق الفلسطينيين اللاجئين في مخيّم اليرموك وغيره.

وهذا ملك المغرب محمد السادس يترأس لجنة تحمل اسم القدس ومستشاره الشخصي صهيوني بامتياز!

لن يتوقف الأمر على العواصم التي ذكرنا بل ستسقط عواصم أخرى تباعاً تحت حوافر مليشيات إيرانية إن لم تُستدرك المواقف سريعاً، فعين الصفويين على البحرين والكويت والأردن ومصر والجزائر والإمارات وغيرهم، ولقد صارت إيران تبتعد عن مكة المكرمة بعدد العواصم العربية ولحدّ الآن تحتلّ كل من بيروت وصنعاء وبغداد ودمشق والأحواز ولم تبق إلا حوالي عشرين عاصمة وكلما سقطت واحدة إلا واقترب "الفرس" أكثر من الكعبة المشرّفة.

لا يمكن أبداً مهما كانت الشعارات، أن نواجه إيران الصفوية وإسرائيل الصهيونية والعرب يكيدون لبعضهم بعضاً بأقذر ما يمكن أن يتخيله العقل البشري، ولا يمكن أن نحمي أمن أوطاننا والحكام أنفسهم هم أخطر من يهدّد أمننا القومي بتسلطهم وفسادهم واستبدادهم وعبثهم بالمنظومات الفكرية والتربوية والعسكرية والاستخباراتية..

الصحراويون يعيشون كلاجئين في تندوف الجزائرية ويعانون الأمرّين بسبب احتلال مغربي لم يحترم القيم المشتركة في المنطقة المغاربية. السوريون اللاجئون يتعرّضون لأبشع ما يمكن تخيّله من المعاملة الحقيرة في البلاد العربية، في حين نجد غير العرب يستقبلونهم في أفضل الأحوال. الفلسطينيون عانوا الكثير وصلت حدّ مجازر بحقهم في لبنان والأردن وسوريا وملاحقات واغتيالات هنا وهناك. الليبيون تحترق بلادهم بحرب أهلية مدمّرة بدعم من دول الجوار التي تكيد لثورتهم بعدما سقط نظام الديكتاتور معمر القذافي.

الكثيرون من شباب الدول المغاربية يحلمون بالفرار نحو الضفة الأخرى من المتوسط، وبينهم من يغامرون في هجرة سرّية عبر قوارب خشبية فيموتون غرقاً في عمق البحر المتوسط ومن ينج منهم يستقبل في محتشدات مهينة للإنسان والإنسانية في الضفة الأخرى وبدول تحمل شعارات حقوقية فضفاضة.

لم تبق ذرّة من الكرامة للحكام والمحكومين العرب، عندما تصرخ معتقلات في سجون بشار الأسد تطالبن بحبوب منع الحمل بسبب الاغتصاب لأنهن يرفضن إنجاب أبناء الحرام. وعار على العالم العربي والإسلامي أن تستنجد شريفات بسجون إيرانية في العراق يطلبن قصفهن حتى يرتحن من التعذيب وانتهاك أعراضهن. وهوان للأمة جمعاء لما تقف فلسطينية وهي تدافع عن المسجد الأقصى وحكام العالم العربي يتفرّجون وبينهم من يقضي إجازته مع عائلته في قصر فاخر يمتلكه في أرقى منتجعات تل أبيب.

يشهد ربّي أن قلبي قد تعب رغم الأمل الذي لا يندثر حتماً، وأنا أتحدّث عن خيباتنا كجيل قدره أن يعيش في هذا الوقت البائس من عمر أمة الإسلام، التي كانت كالشمس تنشر أشعتها الحضارية والإنسانية في كل ربوع الأرض، وطالما افتخرنا نحن بتاريخ أجدادنا وأمجادهم وعدالتهم وأخلاقهم وسموهم الإنساني، وصار حالها الآن بائساً إلى منتهى البؤس من عار أنظمة طاغية ووحشية تنظيمات باغية ثم همجية جيوش غازية تحتلّ الأرض والعرض بمختلف الصور والمشاهد والوسائل.

حقيقة لو يبعث للدنيا أحدنا بعد مئة عام سيخجل أن يكشف عن هويته الحقيقية لأنه سيجد أحفاد الأحفاد يتفادون الاقتراب من دفاتر تاريخنا لأن رائحته عفنة وكريهة جداً، وكل ما فيها ينغّص عليهم صفو حياتهم إن نجحوا طبعاً في تحرير أنفسهم من عارنا وشنارنا، أما إن بقي حالهم على ما تركناه لهم أو أسوأ فإنهم أيضاً سيلعنون أجدادهم الذين ورّثوهم البؤس وما يخجل منه كل من له أدنى قطرة حياء وفي وجهه ذرة من حمرة الخجل.

أضطرُ أن أتوقف عن سرد خيباتنا في كل العالم، لأنني إن لم أفعل قد يتوقف نبض قلبي من شدة الأسى على خير أمة أخرجت للناس، ومهما قلت وما لم أقل سيبقى الأمل قائماً بلا أدنى شكّ في فتيةٍ أراهم يخرجون من بين ركام المآسي لنفض الغبار على وجوهنا المكفهرة من أحزان ضحايانا الذي لا يزالون يصرخون في شتى بقاع الدنيا.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة