ماذا عن شعار "باقية وتتمدد"؟

تظل الحقيقة الواضحة أن التنظيم لن يسمح له بالبقاء رغم ما هو حاصل الآن من تمدد.

السبت، 23-05-2015 الساعة 11:12

"باقية وتتمدد"، بدأ الدكتور فيصل القاسم مقدم برنامج الاتجاه المعاكس الذي تبثه قناة الجزيرة، الترويج لحلقته المقبلة.

لا نحاول من خلال سطور هذا المقال الترويج "للتنظيم"، أو أن نتبنى أياً من أفكاره، بل هي قراءة موضوعية على خريطة الواقع، ولا نحاول أن نخوض في تاريخ التنظيم ونشأته.

هل بات شعار تنظيم الدولة "باقية وتتمدد" يشبه إلى حد ما شعار شبيحة الأسد في سوريا "الأسد أو نحرق البلد"؟ فأحرقوا البلد ولم يتبق شيء للأسد، السيد دون سيادة.

قضية تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق، باتت تشكل كابوساً يراود آلاف السوريين والعراقيين، ومن خلفهم شعوب المنطقة، وقوات التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا ضد التنظيم، بالإضافة لمراكز الدراسات والأبحاث.

من جانبهم، سكان سوريا والعراق باتوا يستيقظون صباح كل يوم على سقوط منطقة جديدة تضاف إلى أراضي التنظيم، الذي غدا "دولة" مساحتها أكبر بكثير من مساحة فرنسا ودويلات المنطقة. ينتظرون عن ماذا سينقشع غبار المعارك مع التنظيم، وآخرون معتكفون في منازلهم خشية إلقاء القبض عليهم بتهم التعاون مع التنظيم أو مع أعداء التنظيم في كل من سوريا والعراق. هذه الحالة دفعت بأعداد كبيرة للهجرة من ديارهم إلى العراء، يترقبون مصيرهم المجهول، مات الكثير منهم جوعاً، وغرق كثير منهم في البحر خلال محاولتهم الهجرة غير الشرعية، أما من يقبض عليه من الطرفين قبل بدء رحلة الفرار، فيكون مصيره السجن في ظروف مزرية، ربما الموت يكون أرحم له في كثير من الأحيان.

بالعودة إلى موضوعنا "باقية وتتمدد" في هذا السياق، لا بد أن نتذكر بأن تنظيم الدولة، جاء مع من جاء لنصرة الشعب السوري بتوجيهات من زعيم تنظيم القاعدة "أيمن الظواهري"، ثم انقلب عليه وعلى شقيقه في القاعدة "جبهة النصرة"، ودخل في منازعات مع بقية الفصائل السورية المعارضة، على رأسها "الجيش الحر"، ليقوم بعدها التنظيم بالسيطرة على معظم المناطق التي كانت بيد الجيش الحر، وأهم مراكزه مدينة "الرقة" التي حررت سابقاً من جيش النظام.

تمدد التنظيم بعدها إلى عين العرب في ريف حلب، وسيطر على معظم الأراضي الواقعة بين حلب، الرقة، دير الزور، الحسكة، وليظهر له مناصرون في ريف حمص وريف دمشق رافق هذا التقدم الذي أحرزه التنظيم اتهامات من قبل الكثير من المعارضين السوريين والمهتمين بشؤون المنطقة، بأن "بشار الأسد" كان يسهل لهم التمدد في تلك المناطق ليستفيد من موضوع مكافحة الإرهاب، خاصة مع الفظائع التي ارتكبت على أيدي عناصر التنظيم ولم ينكرها، لتكون أول معركة حقيقية بين النظام وتنظيم الدولة في الفرقة السابعة عشرة ومطار الطبقة العسكري في الرقة، حيث خسر النظام السوري مئات القتلى بين صفوف قواته التي فرت مذعورة.

العراق كان يعيش في ظل حكم نظام شمولي، وضع أفراد المجتمع في إطار إيديولوجي وتفرد في إدارة نظام الحكم، بعبارة أخرى احتكر السلطة بأسلوب تسلطي خارج إطار القوانين التي يفترض أنها تحكم العلاقات بين المجتمع والنظام الحاكم، ودعم مليشيات محددة تخضع لسلطته وهمش المجتمع السني الذي وجد في تنظيم الدولة نصيراً له، لا يمكننا هنا القول بأن تحالف العشائر السنية والمتظاهرين السلميين الرافضين لطائفية "نوري المالكي"، كان تحالفاً استراتيجياً، بل كان عملاً تكتيكياً فقط، بعبارة أخرى "تقاطع مصالح "، وقد يقول البعض اليوم بعد سيطرة التنظيم على أهم محافظات العراق، بأن ذلك التحالف "دمر الثورة العراقية" ومطالبها المشروعة.

يتابع العالم السقوط المدوي لحكومة العراق، وانهيار جيشه وكتائب مليشياته الطائفية، ويكتشف الرأي العام يوماً بعد يوم بشاعة الإجرام والمجازر المرتكبة من قبل هذه المليشيات الطائفية وأدواتها، بحق أبناء المناطق المحررة من أيدي تنظيم الدولة، وحكومة "العبادي" التي رهنت مصير العراق بيد مليشيا طائفية، تواصل نهجها في تكريس هيمنتها ومن خلفها إيران على العراق.

استفاد تنظيم الدولة بشكل خاص من الاضطراب في العراق، وجير تقاطع المصالح مع العشائر السنية والثائرين ضد حكومة "نوري المالكي"، ودخل الأراضي العراقية مثل فيضان جارف، وتمكن خلال أيام قليلة من السيطرة على الموصل وعدد كبير من المناطق العراقية، ووصل إلى حدود بغداد، وشن هجمات شمالاً على محافظة أربيل مركز حكومة كردستان العراق، واليوم بات يسيطر على محافظة الأنبار ووصل إلى قاعدة الحبانية، ويقترب يوماً بعد يوم من بغداد مع فرار مليشيا الحشد الشعبي من سوريا والعراق للتحصن في كربلاء المدينة المقدسة لدى الشيعة، في هذه الأثناء، سيطر تنظيم الدولة على مدينة تدمر وسط بادية الشام، لتصبح الأراضي التي تحت سيطرة التنظيم في سوريا حوالي نصف مساحة سوريا من الشمال إلى الجنوب.

رغم تشكيل التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ضد التنظيم في سوريا والعراق، الذي يكاد يبلغ عامه الأول، ورغم البيانات الصادرة عن القيادات السياسية والأمنية والعسكرية الأمريكية لم يستطع هذا التحالف وقف تمدد التنظيم، ويمكن القول بأنه فشل بذلك، بالنظر لما تم من قبل التحالف الدولي في "عين العرب" نلاحظ أنه احتاج أربعة أشهر من القصف وتدمير المدينة بالكامل حتى أخرج التنظيم من المدينة الصغيرة في ريف حلب، كذلك فعل مع مدينة "كركوك" في العراق حيث فشل الجيش العراقي ومليشيا الحشد الشعبي في إعادة السيطرة على المدينة، حتى تدخل سلاح الجو الأمريكي لحسم المعركة بعد أن تكبدت المليشيا آلاف القتلى.

لم تكد تنتهي الحكومة العراقية من الاحتفال باستعادة "كركوك" حتى استفاقت مع حليفها السوري بشار الأسد على سقوط "الرمادي" و"تدمر".

مما تقدم ذكره نجد بأن شعار تنظيم الدولة "باقية وتتمدد" أصبح شعاراً ملموساً على أرض الواقع ومساحته تمتد، تم أخيراً ربط المدن السورية والعراقية الحدودية بعضها ببعض، وأصبحت مرتعاً لجنود التنظيم يصولون ويجولون فيها، مع عجز واضح لكل من حكومة بشار الأسد وحكومة "العبادي".

* تمكن التنظيم من استقطاب مقاتلين إلى صفوفه من كل أنحاء العالم من خلال شبكاته وإمكانياته الإعلامية، بلغوا أكثر من 12 ألفاً من المقاتلين الأجانب، بمن فيهم أكثر من ألف أوروبي، وأكثر من مئة أمريكي، وصلوا إلى سوريا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، انضموا إلى "الدولة الإسلامية"، بحسب مدير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب ماتيو أولسين.

* كما أنه أصبح لدى التنظيم قوة اقتصادية هائلة بحسب "ماتيو أولسين"، دخول التنظيم المتأتية من بيع النفط والتهريب والفداءات تبلغ مليون دولار يومياً، هذا كان قبل السيطرة على تدمر والرمادي.

* سيطر على معظم سلاح الجيش العراقي والسوري الذين يفرون أمامه دون قتال.

لنعد إلى الوراء "باقية وتتمدد"، يمكن أن نجزئ هذا الشعار إلى جزأين: "تتمدد" لا يخفى على متابع أنها تتمدد وتسيطر على مساحات تفوق مساحة دول عظمى؛ مستفيدة من أمرين مهمين؛ أولهما: التنظيم يستفيد من مسألة استمرار تهميش "سنة" العراق، ورفض تسليحهم من قبل الحكومة العراقية بضغط من المليشيات الشيعية.

الأمر الآخر هو: عدم الجدية في دعم الجيش الحر وبالأسلحة المتطورة، ومساعدته على إعادة التنظيم، يضاف إلى هذا، وجود حكومتين؛ سورية وعراقية، يعتمدان على موضوع التجييش الطائفي ضد التنظيم، مما يكسب التنظيم عناصر إضافية تنضم لصفوفه.

أمر آخر، أصبح جلياً أن ما عرف بـ"استراتيجية أوباما" لاحتواء تنظيم الدولة قد أثبتت فشلها، في أقل تقدير عدم جدية إدارة أوباما في التصدي للتنظيم، وبات على دول المنطقة أن تتصرف بمعزل عن إدارة أوباما، كما فعلت في "عاصفة الحزم"، لكنها قد تصطدم برفض الحكومة العراقية بتبريرها في التدخل العربي.

أما الشق الثاني "باقية"؛ فإنه ورغم كل هذه المساحات الشاسعة "ثلث العراق ونصف سوريا"، التي أضحت تحت سيطرة التنظيم، فهو أمام اختبار حقيقي يكمن في المعطيات التالية من أجل أن يتحقق:

- تغيير سلوكه السياسي، والبدء في التحدث إلى دول العالم كدولة حقيقية.

- محاولة تغيير الصورة النمطية عن التنظيم التي تتصف بالوحشية والقسوة الشديدة.

- وقف الأعمال التي يصفها البعض بالبربرية؛ مثل تدمير آثار الموصل وهدم الحضارة والتاريخ الإنساني.

- وقف الخطاب المتشدد، والتكفير ضد كل من خالفه بالفكر والمنهج.

- وقف استهداف واستعداء دول العالم من خلال تفجيرات هنا وهناك ضد مصالح الدول وتبنيها.

تظل الحقيقة الواضحة أن هذا التنظيم لن يسمح له "بالبقاء"، رغم ما هو حاصل الآن "من تمدد"، لأسباب عديدة؛ أهمها دول المنطقة التي تتخوف على دولها وملكياتها، دول العالم التي أنشأت الكيان الإسرائيلي في قلب الدول العربية لمنع تواصلها ووحدتها ولتظل في حالة فوضى "هلاكة"، ولا تتفرغ لبناء دولها ومجتمعاتها.

يساعدهم على ذلك تجييش المجتمعات ضد التنظيم بسبب عنفه الرهيب وبطشه بخصومه بشكل وحشي يخيف الحلفاء قبل الأعداء، لكن يبقى السؤال حائراً هل ستتفاوض أمريكا مع التنظيم كما فعلت مع حركة طالبان؟

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة