ماذا قدم خالد العبيدي من أدلة تدين سليم الجبوري؟

نحن أمام دليلين، وهما شهود أنكروا قيام المتهم بالفعل، وتسجيل صوتي غير مرخص لم يتطرق فيه المتهم أيضاً إلى الابتزاز.

الثلاثاء، 16-08-2016 الساعة 10:25


مرة أخرى، وقع إعلاميون في أخطاء عندما نقلوا أخبار تتعلق بالقرارات الصادرة عن القضاء، وأخذ البعض يبني على هذه الأخطاء مواقف ويطلق اتهامات قبل أن يعود إلى المراجع القانونية المعتمدة في العراق، وهي التشريعات الصادرة عن البرلمان، أو أنه يستشير محامياً أو متخصصاً في مجال القانون.

حديثي بطبيعة الحال ينصب باتجاه من وقع في خطأ بحسن نيّة، لا من يحاول التضليل والتأثير على الرأي العام بغية مصالح مختلفة منها تأجيج الشارع بالضدّ من مؤسسات الدولة.

أغلب عناوين الصحف ما زالت حتى اليوم تطلق خبراً ينطوي على عبارة "براءة رئيس مجلس النواب سليم الجبوري من التهم التي وجهّها ضدّه وزير الدفاع خالد العبيدي بالفساد، في وقت زمني قياسي لا يتجاوز الساعتين أو الثلاثة".

دعونا نفصّل كلمات العنوان، لكي نعرف الحقيقة وفقاً للسياقات القانونية، فالبداية يجب معرفة نوع التهمة المسندة إلى الجبوري، وهي الابتزاز، لا الفساد كما روج له البعض.

العبيدي قال في إفادته بأنه يطلب الشكوى عن جريمة ابتزازه من قبل سياسيين بينهم الجبوري، وجميعهم بحسب قوله طلبوا منه عقوداً لحمايته من الاستجواب، وهذه العقود أي منها لم تبرم، أي أنه أقرّ بعدم وجود فساد.

طبقاً للقانون، فإن المحكمة تقوم بالنظر في الدعوى المعروضة أمامها بالقدر الذي يطلبه المشتكي، وفي هذه الحالة التحقيق جرى عن ابتزازه في الوقائع التي ذكرها وزير الدفاع، وهي ذاتها التي تطرق إليها خلال جلسة استجوابه مطلع الشهر الحالي، كطلب تعيينات ومبالغ مالية ومجموعة عجلات مراسيدس والعجلات المصفحة، ولم يزد عليها شيئاً.

أما عن كلمة "البراءة" فهي الأخرى غير صحيحة؛ لأن القرار القضائي صدر وفق المادة 130/ب من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

بالعودة إلى القانون نجد أن المادة 130 تتحدث عن نهاية التحقيق، في الفقرة (أ) بالإحالة مع توفر الأدلة، والفقرة (ب) بغلق التحقيق مؤقتاً لعدم توفر الأدلة "الكافية".

الفقرة (ب) التي استند إليها القرار تبيّن أن غلق التحقيق وإطلاق السراح هو مؤقت لمدة سنتين، والجبوري لا يزال متهماً حتى انقضاء تلك المدة، فإذا توفر دليل جديد يمكن النظر فيه واستئناف التحقيق مرة أخرى، وهي مدة مناسبة لمن يريد التحرّي عن أسانيد لمحاسبة رئيس مجلس النواب عن واقعة "الابتزاز".

أي أن الأدلة التي قدمها المدعي لا تصلح مع إحالة المتهم على المحاكمة لمحاسبته وفق القانون، علماً بأن القرار القضائي هو ابتدائي يخضع لطرق الطعن.

وهذا يعني أن الجبوري ليس بريئاً ويجب أن ينتظر سنتين من دون ظهور أدلة جديدة لكي يتحول القرار الصادر بحقه بمنزلة البراءة، ويتم غلق الدعوى نهائياً.

في حين أن قرار البراءة وفقاً للمادة 182/ ب تنطبق على عدم وجود أي دليل، أو أن فعل المتهم لا يشكل جريمة، أو عند ظهور دليل واضح يفيد بأنه ليس هو من ارتكب الجريمة بل شخص آخر، وفي هذه الحالة فقط يستطيع "البريء" العودة على المشتكي لطلب التعويض لأنه لم يعدّ متهماً، وهذا النوع من القرارات يصدر من محاكم الجنايات والحنج، فلا يحق لقاضي التحقيق الحكم بالبراءة مطلقاً.

ولعل السؤال الأبرز الذي يطرح هنا، ماذا قدم وزير الدفاع من أدلة لإدانة الجبوري، والجواب واضح، أنهما دليلان لا ثالث لهما، فلم يقدم أياً من الوثائق التي صورها الإعلام عند دخوله إلى هيئة النزاهة.

الدليل الأول: خمسة شهود، جميعهم بات اسمهم معروفاً للرأي العام وهم وزيرا الصناعة والبلديات المستقيلين، ووزير الكهرباء، وقائد عمليات بغداد السابق، ومدير إحدى التشكيلات التابعة لوزارة الدفاع.

وبحسب الإفادات فجميعهم نفوا امتلاكهم شهادة عيانية أو سماعية عن تورط "الجبوري" بهذه الأفعال، بل إن اثنين منهم استنكرا طلب المشتكي سماع أقوالهم عما اعتبروه "صراع سياسي داخل الكتلة الواحدة".

والدليل الآخر المقدم من قبل العبيدي هو تسجيل صوتي في قرص "مدمج" طوله نحو ساعة ونصف الساعة، "غير مرخص قضائياً"، لحديث داخل الكتلة التي ينتمي إليها المدعي والمتهم بحضورهما.

برغم ذلك فإن المحكمة استمعت إليه ولم يتحدث فيه "الجبوري" عن عقود إنما تطرق إلى قضايا سياسية تتعلق بمستقبل كتلته في الانتخابات وهو كلام طبيعي يمكن أن يصدر من أي مسؤول، مع الإشارة إلى أن توجهات محكمة التمييز الاتحادية تفيد بأن التسجيلات الفيديوية والصوتية قرينة لا تصلح وحدها للإدانة عن الجريمة بل تحتاج إلى دليل واضح يدعمها.

أما عمّن يدعي بضرورة تحليل الصوت العائد للجبوري للتأكد من صحته، فلا داعي من هذا الإجراء لأنه أقرّ قضائياً بأنه هو من تحدث في التسجيل.

وبالتالي نحن أمام دليلين، وهما شهود أنكروا قيام المتهم بالفعل، وتسجيل صوتي غير مرخص لم يتطرق فيه المتهم أيضاً إلى الابتزاز وهو قد جرى تسريبه إلى الإعلام ويمكن للجميع الاطلاع عليه.

كما صوّر البعض بأن الهيئة القضائية استعجلت إصدار القرار وأوهم الرأي العام بأن الدعوى تتلخص في المدة الزمنية المحصورة بين طلب الجبوري رفع الحصانة عنه وصدور قرار بالإفراج عنه، وهذا تصور خاطئ أيضاً.

الجواب يكون بالعودة إلى أمر السلطة القضائية بتشكيل لجنة هيئة قضائية تحقيقية ثلاثية ومدع عام وقد صدر في اليوم التالي للاستجواب، أي إن التحقيق استغرق نحو أسبوع بداية من الاستماع إلى اقوال المشتكي والشهود، بالإضافة إلى شخص آخر وجدت المحكمة أن الاستماع إلى أقواله ضروري لحسم القضية، فضلاً عن الاستماع إلى القرص المدمج وتفريغه على شكل كتابة والاطلاع عليه مرة اخرى.

إضافة إلى أن القضية قد أخذت دورها في هيئة النزاهة بتدوين الأقوال هناك وإحالتها على القاضي المختص، وإصدار أوامر بمنع سفر واستقدام المتهمين وهي بكتب صادرة من مديرية تحقيقات بغداد التابعة لهيئة النزاهة، وموقعة من قبل القاضي المختص.

إن الهيئة القضائية الثلاثية قد خصصت وقتها الكامل لإنجاز التحقيق في الدعوى التي هي بالأساس في مرحلة التحقيق ولم تبلغ مرحلة المحاكمة بعد، ولعلها المرحلة الأخيرة في التحقيق وبعد استكمال الإجراءات.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة