ماذا لو ثبُت تورط أميركا في انقلاب تركيا؟

يبدو أن علينا اتخاذ الديمقراطية مع حرف الاستدراك "لكن"؛ لكن على شرط وصول من يريده الغرب لا الشعب!

الأربعاء، 27-07-2016 الساعة 16:28


يتفق الكثير من علماء الاجتماع وأهل السياسة على أن الانقلابات العسكرية هي سِمة الدول النامية. بعضها تكون لصالح الدولة، حتى يُفرَض على المجتمع تقبل فكر مُعين ونمط عيش محدد ودخول عناصر جديدة، كالحداثة، وبعدها تنتقل الدولة إلى مصاف الدول العصرية والمتقدمة حين يُصبح المجتمع متقدماً وعصرياً؛ وبعضها الآخر للاستيلاء على الحكم بالسلاح.

وأكاديمياً، فإن الولايات المتحدة، خصوصاً، والغرب عموماً، يظل ليلاً نهاراً يحاضر بالعِفة والدفاع عن مبادئ ومفردات الحداثة: ديمقراطية، تداول سلطة، حرية، فصل الدين عن الدولة، ليبرالية، تطور، تحرير المرأة... إلخ؛ ولكن كما يقول المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي: "لا توجد دولة أخرى تتحدث عن القوانين الأساس كالولايات المتحدة، وهذا صحيح طالما أننا نعترف بكلمة فاعلة هي التحدث فقط".

السؤال الذي يُطرَح اليوم: "هل هناك تورط أميركي وراء المحاولة الفاشلة لانقلاب العسكر على الحكم الشرعي في تركيا؟". ولنكن أكثر دقة، هو انقلاب على الحكم برمته، وليس على الرئيس أردوغان وحده، ولهذا السبب وقفت الأحزاب المعارضة في صفه، ونزل الشعب إلى الشارع يرفع العلم التركي دون صورة الرئيس، وهي علامة فارقة ودليل وعي لشعب أصبح يؤمن تماماً أن عصر الانقلابات قد ولَّى، وأنه اليوم في مصاف الدول المتقدمة.

بالطبع لا أملك دليلاً جدياً لاتهامي الولايات المتحدة بالمحاولة، ولكن الأقلام التي سالت دفاعاً عن السلطة الشرعية، فرضت أسئلة وعرضت قرائن تقول بتورط أميركي. هل يُعقل أن يقوم فتح الله غولن بترتيب انقلاب من منزله في ولاية بنسلفانيا الأمريكية دون علم السلطات الأميركية؟ أليس هناك تنصت على المفكرين الإسلاميين، حتى لو كان فكرهم مقبولاً جداً عند الغرب!؟ كيف تستطيع الولايات المتحدة أن ترصد مكالمات تهدد الأمن القومي ومصالح خارجية، بينما تجلس ساكتة أمام مشروع غولن؟ كم هو ذكي ذلك المفكر الإسلامي الذي استطاع أن يهزم عباقرة "وتر غيت"! بينما لم تستطع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أن تتفادى التنصت الأميركي عليها!

الرئيس أردوغان اتهم غولن صراحة بترتيب الانقلاب، وطالب بتسليمه، ويبدو أنه كان على جهوزية تامة لاستئصال "الكيان الموازي"، الذي يضم أغلب مناصريه من الأساتذة والمحاضرين. ولكن الجديد اليوم هو قبول محكمة الجزاء الرابعة في العاصمة التركية أنقرة، لائحة الاتهام الموجهة ضد منظمة الكيان الموازي الإرهابية بزعامة غولن، والتي جاء فيها أن المنظمة وزعيمها يعملان تحت إمرة الولايات المتحدة الأمريكية، ووكالة الاستخبارات المركزية "CIA". وبذلك نبني كلامنا على هذا الكلام القضائي: الولايات المتحدة هي من دبّرته، فماذا بعد فشل الانقلاب؟

نعلم تماماً أن تركيا منذ اندلاع الحرب الباردة وهي متموضعة مع الغرب، وقد شكلت جداراً صلباً ضد حلف وارسو، ولم تختلف مع الولايات المتحدة إلا في الشأن اليوناني، فأتى انقلاب 1980 ليُصلح العلاقات من جديد. تركيا بحاجة إلى الغرب ليقف معها في وجه الأطماع السوفيتية الروسية في المضائق التركية التي سوف توصلها إلى البحار الدافئة، لكن الملف السوري أظهر خلافاً استراتيجياً مع الأميركان؛ فكلاهما يتفقان على رحيل نظام بشار الأسد، لكن العقدة الكبيرة في الكيفية، خاصة في ظل وجود معضلة الأكراد.

لقد تركيا راهنت سابقاً على منظمات، تُعتبر إرهابية عند الغرب، لتستنزف الأحزاب الكردية المعادية لأنقرة، بينما ترى الولايات المتحدة في هذه الأحزاب حلفاء ضد الإرهاب، خاصة داعش وجبهة النصرة. أنقرة أيضاً تدعم الآن جماعات إسلامية "متطرفة"، بنظر الأميركي، في سوريا مثل: "أحرار الشام"، التي ترتبط بعلاقات مع تنظيم "القاعدة"، وذلك في جهودها الرامية إلى إسقاط نظام بشار الأسد.

أيضاً وفقاً لتقرير "مجموعة صوفان" (الأمريكية للدراسات والأمن الاستراتيجي)، فقد عبَر الحدود إلى سوريا أكثر من 2100 مواطن تركي للمحاربة إلى جانب تنظيم "الدولة"، كما أن تركيا الآن هي رابع أكبر مساهم في عدد المقاتلين في هذا التنظيم، بعد تونس والمملكة العربية السعودية وروسيا. أضف إلى ذلك أن الإعلام الغربي سلط الضوء على تقرير صدر من "مجلس التعليم العالي التركي"، وهو هيئة تديرها الحكومة، توصية سياسية تقضي "بإعطاء دروس إلزامية عن الإسلام السنّي في المدارس الحكومية إلى جميع التلاميذ، حتى البالغين من العمر ست سنوات".

في النهاية، طُبِّقت هذه السياسة وكنتيجة لذلك، لم يعد من الممكن اعتبار نظام التعليم العام في تركيا علمانياً، وأُلزم التلاميذ في سن رياض الأطفال من الديانات الأخرى، أو من عائلات لا تتبع ديناً محدداً، أو عائلات لا تمارس عقائدها الدينية بتلقّي الدروس حول الإسلام وفق الطائفة السنية في مدارس القطاع العام". هذه الوقائع تُظهر مدى اتساع رقعة خلاف تركيا مع الغرب، وهو ما ساهم بضرورة تغيير استراتيجية الرئيس أردوغان بضرورة العودة إلى "تصفير المشاكل" مع دول الجوار.

ماذا بعد فشل الانقلاب؟ والتورط الأميركي؟

قناة "بي بي سي" نقلت عن صحيفة "كوميرسانت" الروسية، قول مدير "مركز تحليل الاستراتيجيات والتكنولوجيات" (كاست)، رسلان بوخوف، إن كلاً من بوتين والرئيس السوري بشار الأسد، الذي يدعمه بوتين، سيستفيدان من نتيجة الانقلاب. وأضاف قائلاً: "أردوغان لن يمتلك لا الطاقة ولا الموارد اللازمة لمساعدة المعارضين المؤيدين للأتراك في سوريا".

أيضاً، أدلى أردوغان بتصريح لافت قال فيه إن منظمي الانقلاب، "هم نفس الأشخاص الذين أسقطوا الطائرة الروسية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015!". يبدو أن أردوغان بدأ بتغيير تموضعه والتقرب من روسيا، وقد انتشر هذه الأيام تقارير تفيد عن اجتماع مرتقب بين الرئيسين الروسي والتركي في شهر آب/أغسطس القادم!

هل يُمكن أن يتفق الجانبان على كافة الملفات؟ خاصة الملف السوري! هل سيقابل أردوغان بوتين بصفته رئيساً قوياً داخلياً، أم ضعيفاً فيتنازل عن موقفه اتجاه النظام السوري؟! هل سيقدم له اقتراحاً بالحفاظ على مصالح روسيا في المنطقة التي تستطيع أن تسيطر عليها تركيا، القوقاز والشمال السوري، مقابل التخلي عن الأسد والبحث عن البديل؟ هل سيتركه الغرب يبحث مستقبل المنطقة مع روسيا!؟

إذا ثبت فعلاً تورط الولايات المتحدة بأدلة جدية، فإن العاقبة سوف كبيرة. الغرب أصبح متورطاً في دعم انقلابات عسكرية ضد حكومات شرعية، مصر وتركيا وهما الدولتان الأكبر في المنطقة، بينما يصدعون آذاننا في رفض حالة الطوارئ وضرورة إطلاق الحريات والديمقراطية وتداول السلطة! بعد أن أقدم الرئيس المصري المعزول محمد مرسي في خطاب له بضرورة الشروع في "الاكتفاء الذاتي"، ووقف الاتكال على الغرب، وقف الأخير متفرجاً، ولا أقول متواطئاً، أمام انقلاب العسكر على مرسي في يوليو/تموز 2013!

يبدو أن علينا اتخاذ الديمقراطية مع حرف الاستدراك "لكن"؛ لكن على شرط وصول من يريده الغرب لا الشعب!

شرّ البلية ما يضحك.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة