ماذا وراء مؤتمر المعارضة العراقية في عمّان؟

"فاجأت الأردن الجميع بتغيير موقفها السابق المعلن الذي كان قريباً من حكومة ‏نوري المالكي لأسباب اقتصادية محضة ..".

السبت، 19-07-2014 الساعة 04:34


لم تكن نتائج مؤتمر عمان للقوى الوطنية العراقية مفاجئة، بعد أن كانت طبيعة الدعوات ‏والنيات الأساسية من عقد المؤتمر تعمل باتجاه ما صدر لاحقاً من مقررات تدعم ‏الثورة في العراق، وترفض التقسيم والفيدرالية والأقاليم، وتطالب بمقاربة سياسية ‏جديدة في العراق لا تظلم أو تهمش أحداً، ولا تكون مطية للخارج.‏

لكن هذه النتائج المفرحة لا ينبغي أن تلهينا عن طرح تساؤلات جدية عن المحطة التي ‏يقدر أن ينتهي إليها هذا المشوار الذي بدأت محطته الأولى بمؤتمر عمان، وعن ‏المعاني الكامنة وراء الحماسة الأردنية لعقده في عمان بهذه الحفاوة والاهتمام ‏والاستعجال، وعن العلاقة بين القوى والكتل والشخصيات المشاركة، وعن علاقة ‏الطابع (السني) للمؤتمر بالرؤية الوطنية الجامعة التي طرحها، وأخيراً عن رؤيته ‏للواقع على الأرض الذي بات موزعاً بين سيطرة كردية على مساحة تفوق مساحة ‏إقليم كردستان، وتنظيم الدولة الإسلامية الذي يسيطر على الموصل وأجزاء من ‏صلاح الدين وديالى والأنبار، وحكومة فاشلة في بغداد فيها قوى متناحرة ستشعر ‏قريباً بحاجتها للوحدة في مواجهة قوة معارضة تنمو سياسياً وميدانياً.‏

لقد فاجأت الأردن الجميع بتغيير موقفها السابق المعلن الذي كان قريباً من حكومة ‏نوري المالكي لأسباب اقتصادية محضة، لم يلم أحد عمان عليها، لا سيما أن المملكة ‏طالما احتضنت على أراضيها ولا زالت شخصيات وقوى معارضة للعملية السياسية ‏والاحتلال الأميركي، وكان ذلك على الدوام موقفاً مقدراً ومحترماً. غير أن التحول ‏السريع، على ما فيه من بشرى خير للقوى الوطنية، إلا أنه لا بد أن يثير التساؤلات.‏

الحكومة في الأردن لم تقدم إجابات واضحة لهذا التغيير الجوهري والمفاجئ في ‏سياستها تجاه العراق، لكن التحليل الأولي ربما يقود إلى تصور أن عمان علمت، ‏سواء من خلال مصادرها أو معلومات أصدقائها في الغرب، أن السلطة الراهنة في ‏العراق لن تصمد طويلاً أمام ضربات الثوار، وأن تغييراً أكيداً سيحصل، حيث ستتغير ‏الوجوه والسياسات، وأن المشروع الإيراني القوي في العراق هو اليوم في مرحلة ‏انهيار وشيك، لذلك كان لا بد أن تأخذ المبادرة قبل أن يتلقفها غيرها، وأن تبدأ بتأسيس ‏تحالفات جديدة مع قوى عراقية ذات صلة بالمستقبل، فتحفظ فيها أمنها القومي ‏ومصالحها.

لكن الأمر ليس أبداً بهذه البساطة، فالتواصل مع (قوى المستقبل) هذه كان يمكن أن ‏يتحقق من دون مؤتمر يرعاه الديوان الملكي، ويحظى بكل هذا الاهتمام والترويج، ‏ومن غير طلاق نهائي مع النظام في بغداد، الذي اعتبر الخطوة الأردنية "طعنة في ‏الظهر"، وقام بسحب السفير، وهدد طبعاً بقطع النفط وسائر المعاملات مع عمان.‏

ظني أن الأمر ليس مجرد رهان من قبل الأدن على حتمية انتصار قوى الشعب، و‏انهيار السلطة الحالية وعمليتها السياسية، فالرهانات غير المضمونة ليست من تقاليد ‏السياسة الأردنية الحذرة التي تتلمس خطاها بدقة وتراعي توازنات ومصالح، وتتعامل ‏بواقعية مع قدرات البلاد وفرصها، لا سيما مع الجيران. والأقرب للتحليل هنا أن ‏عمان كانت بخطوتها الجريئة هذه جزءاً من سياق إقليمي ودولي تفاجأ بقدرات ثورة ‏الشعب العراقي، وانهيار قوات النظام السريع وخسارتها السيطرة على أجزاء كبيرة من ‏البلاد خلال بضعة أيام، وهو يريد اليوم أن يشترك في إعادة ترتيب الأوضاع في ‏العراق، على أن تكون الأردن ولأسباب عديدة واجهة هذا التحرك ومفتاحه.‏

وبطبيعة الحال فالأمر لا يرتبط بمعطيات وضع ميداني قد يكون معروفاً للجميع، بل ‏هو أيضاً حصيلة متغيرات سياسية جرت بتأثير الوضع الميداني ظاهرها انهيار قدرة ‏نوري المالكي على الدفاع عن رغبته بولاية ثالثة في منصبه، وباطنها المستتر ‏المرتبط بمفاجآت الميدان هو تغيير جوهري للعملية السياسية، يقلب الطاولة ويعيد ‏ترتيب هيكل السلطة في العراق، وقد يكون مرتبطاً بنوع من التقسيم الذي قد يتخذ ‏شكلاً فيدرالياً أو حتى أكثر من ذلك، وكل ذلك من المفاجآت المقلقة التي يريد الأردن، ‏وربما دول أخرى، أن تبقيها تحت السيطرة حتى لا تكون سبباً في انهيار شامل في ‏أنحاء المنطقة. ‏

إن الأردن يفضل في هذه الحالة تنظيم علاقاته بـ(جيرانه المستقبليين)، ومساعدتهم ‏في ترتيب أوضاعهم، دون أن يتدخل مباشرة في هذه المرحلة على الأقل في تحديد ‏خياراتهم، فالمهم لديه أن يكون في حال أي تطور في صورة ما يحدث، وأن تكون لديه ‏الفرصة والقدرة للتدخل لحماية مصالحه وأمنه على أقل تقدير.‏

القصة الأخرى ترتبط ببروز تنظيم الدولة الإسلامية وحضوره الواضح في ميدان ‏المعارك، وقدراته الضخمة التي أصبحت سبب خشية كل دول الجوار من أن تطالها ‏طموحات هذا التنظيم، لا سيما أنه يجد كل يوم مزيداً من المؤيدين والمريدين والأتباع ‏في هذه الدول ومنها الأردن.‏

لقد وعت الأردن كما سواها أن تنظيم الدولة لا يمكن مواجهته عسكرياً، ولو حدثت ‏مثل هذه المواجهة فستكون طويلة ومكلفة وقاسية، وإزاء هذا المأزق جرى استدعاء ‏تجربة عام 2007 حينما استعانت القوات الأمريكية بالعشائر السنية في العراق، بل ‏وببعض القوى التي كانت محسوبة على المقاومة آنذاك، لتقوم بمحاربة القاعدة في ‏مناطقها، لا سيما في الأنبار التي كانت قد أصبحت كاملة تقريباً خارج سيطرة ‏الأمريكيين.‏

وهكذا جرى تأسيس ما عرف بالصحوات التي أنقذت المشروع الأمريكي، وكانت تريد ‏أن تواجه المشروع الإيراني، لكنها توجهت بدلاً من ذلك لمحاربة باقي فصائل ‏المقاومة، وأصبحت بعد الانسحاب الأمريكي جزءاً من جهد السلطة، وبالتالي إيران، في ‏إخضاع المناطق السنية، وتحولت إلى مخلب قط شديد القسوة على أبناء هذه المناطق.‏

وبغض النظر عن مشكلات الصحوات، إلا أن كثيرين تحدثوا عن ضرورة استعادة ‏تجربتها بشكل أوسع وأفضل هذه المرة لمواجهة تنظيم الدولة، وضمان حرمانه من ‏الحاضنة الشعبية، مستشهدين بذلك بمجموعة وقائع ظهر فيها أن تنظيم الدولة لن يقدر ‏له العيش والبقاء وسط بيئة طاردة من أبناء المناطق السنية وقواها العشائرية، حتى لو ‏تسبب ذلك بعمليات انتقامية مؤذية يشنها هذا التنظيم، ففي النهاية لن يهتم أحد كثيراً ‏بحجم التضحيات التي يمكن أن تقدمها المناطق السنية لطرد تنظيم الدولة.‏

وإلى هذا وذلك فلعلنا نجد سبباً ثالثاً يقف وراء هذا الاهتمام الأردني بأحوال سنة ‏العراق، وذلك يتمثل بتأسيس قاعدة لعلاقة وثيقة بين المؤسسات الأردنية والقوى ‏المؤثرة في القرار السني خارج دائرة السلطة الراهنة، يمكن أن تجعل من الأردن في ‏المستقبل القريب وسيطاً ناجحاً وموثوقاً به لإنجاز عملية مصالحة وطنية شاملة، تقدم ‏فيها كل الأطراف تنازلات جدية، على أن تجري إصلاحات جوهرية في العملية ‏السياسية وفي الدستور تسمح بمثل هذه المصالحة، وتقنع القوى الثورية بجدوى الدخول ‏في حوار مع أطراف كانت تقع في دائرة العدو. أما أطراف النظام السياسي الحالي ‏فستكون مجبرة على الدخول في مثل هذه العملية لأسباب تتعلق بحرج موقفها ‏العسكري، والخلافات السياسية بين أقطابها، وإخفاقها في إدارة الدولة طيلة السنين ‏الماضية، هذا فضلاً عن ضغط أمريكي قد يرغمها على تقديم تنازلات كبيرة، بما في ‏ذلك غياب وجوه رئيسية في المشهد الحالي. كما أن الأمر قد يكون خياراً إيرانياً ‏تفضل فيه إيران أن تحصل على قدر من المصالح في العراق بدلاً من خسارة كل ‏شيء، لا سيما في حال نجاح المفاوضات النووية وبدء تطبيع العلاقات مع الغرب.‏

يمكن لأحد هذه الأسباب وربما لجميعها أن تقف وراء الموقف الأردني الجديد، لكن ‏يبقى أن يقدر الأردن أن الوضع العراقي أكثر تعقيداً بكثير من مجرد انقسام طائفي بين ‏شيعة وسنة وأكراد، وأن شبكة المصالح الداخلية والإقليمية والدولية في هذا البلد قد ‏تجعل من محاولات التعامل مع القضية العراقية مختبراً صعباً يتطلب الكثير من الحذر ‏والمهارة والصبر.‏

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة