ماذا يخفي المستقبل لاتحاد الأوروبيين؟

الاتحاد الأوروبي أصبح يشكو عديد النقائص ويعيش صعوبات كبرى، ولعلّ المستقبل القريب يحمل في طيّاته مفاجآت غير سارّة للدول الأعضاء فيه.

الأحد، 01-05-2016 الساعة 12:19


عاشت أوروبا خلال الأشهر الأخيرة على وقع هجمات إرهابيّة لم يسبق لها مثيل خلال العقد الأخير، بعد أن استهدف مسلحون موالون لتنظيم"الدولة الإسلامية" مناطق متفرّقة من العاصمتين الفرنسية والبلجيكية، على التوالي.

هذه الهجمات المتفرّقة الّتي استهدفت أماكن سياحيّة في باريس وأخرى سياديّة في بروكسل، والّتي راح ضحيّتها مئات القتلى والجرحى من جنسيات مختلفة، أعادت إلى أوروبا من جديدة ذكرياتها الأليمة مع بداية الألفية الثالثة، عندما قام موالون لتنظيم القاعدة بتفجيرات في العاصمتين الإسبانية مدريد والبريطانية لندن.

الإجراءات الأمنيّة الاستثنائيّة الّتي سبقت إقرار التدخل الجوي ضد تنظيم الدولة في كلّ من العراق وسوريا عام 2014، لم تمنع من وقوع هذه الهجمات المروّعة، بل عجّلت بمراجعة دول الاتحاد الأوروبي لكلّ الاتفاقيات الأمنيّة المبرمة فيما بينها، حتّى وصل الأمر ببلجيكا إلى إيقاف العمل بنظام "شنغن" وقتيّاً خوفاً من تجدّد الهجمات داخلها.

من جهة أخرى، طالبت عديد الشخصيات البريطانيّة، عموم الشعب البريطاني بالتصويت بنعم لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء القادم، وأوضح آخر استطلاع للرأي نشر في شهر سبتمبر 2015، أن أغلبية البريطانيين (51%) ولأول مرة يفضلون الخروج من الاتحاد الأوروبي مقابل (49%) يفضلون البقاء.

خلال السنوات الأخيرة، يمكننا القول إنّ الاتحاد الأوروبي أصبح هشّاً أو هكذا يبدو، فبعد الأزمات الاقتصاديّة الخانقة الّتي ضربت كلّاً من اليونان وإسبانيا والبرتغال، بالإضافة إلى الهجمات الإرهابية الكبيرة الّتي طالت عواصم أوروبيّة عديدة، بدأت بوادر عدم الإنسجام بين عدد من الدول الأوروبيّة ظاهرة للعيان، فرغم التعاون الأمني والتنسيق الاستخباري بين دول الاتحاد، إلّا أنّ ذلك لم يمنع من وقوع الكارثة بحسب ما يرى مراقبون، فالخليّة الّتي قامت بعمليّات باريس كانت على علاقة مباشرة بخليّة هجمات بروكسل، بل كان التعاون بينهما على أشدّه خلال الأشهر الّتي سبقت تنفيذ العمليّات.

الهجمات الأخيرة، أسفرت عن تكثيف المراقبة الأمنيّة والتعاون الاستخباري، وتشديد الإجراءات الداخليّة في كلّ البلدان الأوروبيّة وإقرار ميزانيات بمليارات الدولارات لأجل تحقيق كلّ ذلك، واجتماعات لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبي تدارسوا فيها سبل إقرار التدابير الداخلية الصارمة لأجل مكافحة الإرهاب الّذي ضرب المناطق الآمنة في أوروبا.

فبعد تفحيرات بروكسل، ألمح وزير خارجية بلجيكا إلى ضرورة إيجاد تعاون أوثق في سبل تبادل المعلومات المخابراتية، وقال للصحفيين إن تبادل المعلومات القضائية شأن مهم جداً، حيث أنّه كل يوم نكتشف أموراً تدخل في إطار ما حصل في باريس وبروكسل، مضيفاً أنّه من المهم جداً أن تتعاون أجهزة مخابراتنا وأجهزتنا القضائية وأن يتم تبادل المعلومات الضرورية.

من جهته شدّد وزير داخلية فرنسا، برنار كازنوف، على تشديد عمليات المراقبة الحدودية، حيث قال: "نصرُّ على ضرورة تقوية مراقبة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي وعلى الدول الأعضاء أن تهيىء المطارات الأوروبية لهذا الغرض".

المخاوف من التهديدات الإرهابيّة وموجات الهجرة غير الشرعيّة والمشاكل الكبيرة الّتي تعيشها اتفاقيات التعاون المشترك بين الدول الأوروبيّة لم تكن على إثر هجمات باريس وبروكسل فقط، فقبل هجمات باريس بشهر، أعلن الدنماركيون المشككون في فعالية الوحدة الأوروبية في استفتاء شعبي، رفضهم تعزيز التعاون في مجال الشرطة والأمن مع الاتحاد الأوروبي خوفاً من فقدان سيادتهم بشأن الهجرة.

وعلى إثر صدور نتائج الاستفتاء، قال الخبير السياسي كاسبر مولر هانسن: إن "الكثير من الدنماركيين ما يزالون يشككون بالتكامل الأوروبي"، لافتاً إلى أن القوة الرئيسية للرفض كانت التركيز على مسألة السيادة.

وفي أواخر شهر مارس الماضي، انتقد مفوض الاتحاد الأوروبي للاقتصاد الرقمي والعلاقات، جونتر أوتينجر، عدم تعاون الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي (28 دولة) بشأن القضايا الأمنية، وطالب بـ"اتحاد آمن"، حيث قال: "يجب على وكالات الشرطة والاستخبارات تحسين تبادل البيانات والمعلومات على وجه السرعة".

وأضاف: "الشيء المهم هو أن تتعلم الدول الأعضاء من الهجمات الإرهابية التي شهدتها بروكسل"، مؤكداً في نفس الوقت على أهمية مطابقة قواعد حماية البيانات عبر الحدود، وقال: "نحن بحاجة إلى قوات أمن للاتحاد الأوروبي".

بعد كلّ هذه المعطيات، يمكننا القول إنّ الإرهاب هو المعضلة الكبرى الّتي تواجه الدول الأوروبيّة، حيث ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنّ الثغرات الأمنيّة كبيرة، ولعلّ ما قاله مايكل هيدن، مدير الاستخابرات الأمريكية (CIA) السابق، من أن الاتحاد الأوروبي "يعرقل بشكل ما" عمل الأجهزة الامنية والاستخبارية، أبرز دليل على ما نقول.

كما أضاف الجنرال المتقاعد هيدن في تصريحات لشبكة "بي بي سي" البريطانيّة، أن الاتحاد الأوروبي ليس "مساهماً طبيعياً في الأمن القومي"، متقاسماً بذلك رأي السير ريتشارد ديرلوف، مدير الاستخبارات البريطانية (MI6) السابق، الّذي أكّد أنّ الأجهزة الأمنية الأوروبية "قليلة الفعالية".

الاتّحاد الأوروبي الّذي يضرب به المثل في الوحدة والتعاون والصلابة أصبح يشكو عديد النقائص ويعيش صعوبات كبرى، ولعلّ المستقبل القريب يحمل في طيّاته مفاجآت غير سارّة للدول الأعضاء فيه، خاصّة أمام تنامي التهديدات الإرهابيّة الّتي تستهدف العالم أجمع وأوروبا خاصّة. فماذا يخفي المستقبل للأوروبيين بعد أن طالتهم في ديارهم هجمات الجهاديين؟

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

اليمن | مصادر إعلامية: اعتراض صاروخين بالستيين لمليشيا الحوثي في الدريهمي بمحافظة الحديدة