ما الجدوى من لافتات التفاخر؟

الرسائل الدعائية لم تعد محصورة ضمن مجتمعاتها المحلية، فالعالم يتداخل ويتواصل كما لم يحدث في أي وقت مضى.

الخميس، 04-06-2015 الساعة 09:23


تتناسخ الحملات، مستهلكة شعاراتها في تعظيم الفخر بالانتماء إلى الوطن. ولهذه الرقعة المسيّجة بإحكام أن تحظى بآصرة الحب وروح الاعتزاز بها، كما يحق للمجتمع أن يعتز بمشاعر الانتماء إلى هويته، لكنّ لافتات التفاخر بهذا والتباهي بذلك تستحق وقفة مع مغزاها ومساءلة لجدواها.

قد يلمس بعضهم مفعول هذه الحمّى في تمجيد الحاضر وصرف الأجيال عن صناعة غدها. فالانتماء كما توحي به بعض الحملات المتقادمة، لا يتطلب عملاً ولا يستحق بذلاً، وما على المرء سوى الإحساس بالفخر ولو أفضى به إلى الاستعلاء على غيره.

فكيف ستبلغ رسالة الفخر بالانتماء الوطني مقصدها وهي قابلة للشحن بروح التعالي على شركاء المجتمع واللغة والدين والإنسانية؟ وكيف سيفهم السالكون في مدارج الحياة رسائل التفاخر، بأصدائها المتوالية في أسماعهم وأبصارهم منذ نعومة الأظفار؟

عندما تتنوّع التركيبة، ويخالطها وافدون من أرجاء الأرض، لا تتوجّه اللافتات العملاقة إلى هؤلاء جميعاً، بل تتجاهلهم، ولا تراهن على كسب عقولهم وقلوبهم، ولو كانوا أغلبيةَ المتحركين من حولها على الطرقات. إنها حملات تصرف عنهم مشاعر الانتماء إلى النسق الجامع، فتحتكره لسلالة دون أخرى، أو تستأثر به لمن يحمل أوراقاً وأختاماً مخصوصة. إنه إقصاء عن المشهد بحق من يخالجونه في أعماقه ويشاركون في رفع بنيانه كل صباح، ذلك أنّ "المواطن" وحده هو من يحق له الفخر، وليس شريكه وزميله، وصديقه ومعاونه، وأستاذه وتلميذه.

ثم أنّ الرسائل الدعائية لم تعد محصورة ضمن مجتمعاتها المحلية، فالعالم يتداخل ويتواصل كما لم يحدث في أي وقت مضى. فكيف ستصل مقولات التفاخر إلى المشاهدين عبر الفضاء، على تنوّع مواطنهم ومشاربهم وثقافاتهم؟

من يعجز عن قراءة العبارات من زوايا متعددة؛ فليتخيّل لافتات الفخر بالانتماء الأمريكي مثلاً وهي تواجهه في فواصل "سي إن إن" المتلاحقة، أو ليتصوّر مثيلاتها وهي تقتحم عليه شارعه المفضل، فتحاصره في "أكسفورد ستريت" أو "إدوجوار رود" مكللة بعناوين عريضة مفترضة من قبيل: "بريطاني وأفتخر!". ولن يصدر مثل هذا إلا عن أقصى اليمين السياسي، المشبّع بالعنصرية والاستعلاء القومي، أو منشورات "الحزب القومي البريطاني" أو "حزب استقلال المملكة المتحدة".

ليس الفخر معضلة في أصله، بل المأخذ في كيفية استحضاره في الحملات، وفي ما تراكم عليه من إيحاءات شوّهتها استعمالات البشر وأجهزة الدعاية. وقد كان التفاخر لصيقاً بالدعاية القومية الفجّة، حتى أسرفت الفاشية والنازية في استعمال هذه المفردة ومثيلاتها تعالياً على "الآخرين" ولو كانوا شركاء المجتمع القريب، وكان ذلك إيذاناً باجتثاثهم والفتك بهم.

من حقّ الحملات أن تتأهل للتقاعد عندما تستوفي أغراضها أو تتضح مكامن قصورها. لكنّ الدهور تمضي والمراحل تتعاقب، وتبقى حملات التفاخر الأجوف في الأبواق الوطنية على حالها، دون تمحيص لجدواها أو فحص لتأثيراتها.

ليس نزع اللافتات منقصة، فعندما يحين أوانها يجدر بها أن تستريح وأن تريح، ولن يعني ذلك التنصّل من الفخر الحميد بالوطن، والاعتزاز الرشيد بالهوية.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة