ما بعد الحصانة المجتمعية في الخليج

تميزت بيئة الخليج لعهد طويل نسبياً، عن سياقها العربي، بما يحظى به مواطنوها من حصانة مجتمعية.

الخميس، 01-01-2015 الساعة 09:38


تميزت بيئة الخليج، لعهد طويل نسبياً، عن سياقها العربي؛ بما يحظى به مواطنوها أو معظمهم، من حصانة مجتمعية، لا تمنحهم امتيازات الرفاه وحسب؛ بل تجعلهم في مأمن من بطش السلطة أيضاً.

بل لم يستسغ الخليجيون تعبيرات البطش، أو حتى مصطلح السلطة أو النظام أساساً، فاختاروا تسمية البلاد والحكومات بأسمائها الرسمية، أو بإشارات القرب الاجتماعي من الحاكم أسوة بشيخ القبيلة.

كان شعار "أسرة واحدة" مرفوعاً في بعض الأرجاء الخليجية، فأوحى أنّ مقاليد الأمور في "الديرة" ليست للأسر الحاكمة، وإنما لمجتمع المواطنين ككل. ومقابل شعارات رفعتها أحزاب في بلدان عربية للمطالبة بتجسير الهوة بين الحاكم والمحكوم؛ كان معظم الخليجيين يرَون واقعهم المحلي بمنأى عن سطوة الحكم أو عزلة الشعب عنه. كان هذا هو الحال تقريباً، سواء كان تعبيراً عن وعي حقيقي أم زائف.

كان المنطق التراحمي يعمل في الخليج على نطاق واسع، فالتسهيلات التي يلقاها المواطن تبدأ من المساعدات الاجتماعية دون أن تستثني المخالفات المرورية، التي تفرض أواصرُ الانتماء إلى "الديرة" تخفيفَها بحق المواطنين أحياناً، حتى قيل تندّراً: إنّ أولوية المرور في الطرقات هي للمواطن على الوافد.

كان ذلك فيما مضى، فما الذي تبقّى من تلك الحصانة؟

تلاحقت العواصف على بلدان الخليج في ربع قرن، عبر محطّات حافلة بالحروب والأزمات والهزّات، منها غزو العراق للكويت، وواقعة البرجين الشاهقين في نيويورك، وتطوّرات العراق بعد 2003، وأحداث أمنية متعددة، ثمّ الهبّات الشعبية العربية، وصولاً إلى مخاضات الإقليم الشاقة التي تنعقد الألسن عن تقدير مآلاتها.

اكتشفت قطاعات من الخليجيين أنّ أبناء "الديرة" خسروا حصانتهم التقليدية التي تمتعوا بها، ولم يكونوا بانتظار التقارير الحقوقية المتوالية لتثور شكوكهم فيما يجري من تحت أقدامهم. فمن كان يحسب أنّ بعض بلدان الخليج ستخوض تجربتها العربية التقليدية في التعامل الخشن مع مواطنيها؟

انحسر المنطق التراحمي مع تقدّم منطق "أمن الدولة". وكان يكفي رفع لافتة "مكافحة الإرهاب" في الداخل، ليعني أنّ هناك مواجهة مفتوحة على جبهة المجتمع، وأن هناك من سيتمّ استثناؤهم من الامتيازات وإخراجهم عن التعريف، كما تفعل الولايات المتحدة ببحثها عن قاعدة أمريكية خارج حدودها اسمها غوانتنامو، لتتملّص فيها من أي التزامات كانت.

وكلّ ما جرى من تحوّلات تحت السطح الخليجي، وفوقه أيضاً، إنما جرى دون نقاش، ولا يبدو واضحاً أي مكاسب جنَتها البلدان والمجتمعات الخليجية من هذا التبدّل النسبي البطيء في النهج، سوى أنّ قابليات العنف والتطرّف لا تشهد انحساراً، بل بدا وكأنها تزداد تأججاً مع الوقت.

أتت التحوّلات على المجتمع الأهلي في بعض دول الخليج، فهمّشت بعض مؤسساته، أو هشّمتها بالكامل، ولا يبدو واضحاً أي مكاسب جنتها البلدان والمجتمعات من هذا أيضاً. وتعاقبت القرارات المتسرِّعة والغريبة، مثلاً في تدبيج قوائم الحظر المطوّلة، التي لا يبدو أنها خضعت لأي نقاش عام في الفضاء المجتمعي أو حتى السياسي.

ومن يعقد المقارنات بين ماضي الخليج وحاضره قد يفغر فاه ذهولاً من فيض الأنباء عن انتهاكات جسيمة تجري باسم الخليج، وبحق أبناء مجتمع الأسرة الواحدة الكبيرة. وسيفاجئه غياب النقاش عن هذه التحوّلات التي جرت بضغط هزّات المراحل في الإقليم وما حوله.

ولئن غاب النقاش حتى الآن، فإن فرصة المراجعة لم تغب بالكامل، فأن تأتي متأخرة خير من أن لا تأتي، خاصة مع أعمدة الدخان التي تحاصر المنطقة وطبول الحرب التي تُقرع في الأرجاء.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة