ما بعد "شارلي إيبدو"

السخرية من السود عنصرية والسخرية من النساء شوفينية والسخرية من اليهود معاداة للسامية أما الإسلام حرية التعبير.

الخميس، 22-01-2015 الساعة 08:20


تابعت مثل غيري، على شاشة "فرانس 24"، شريطاً لملثمين قيل إنهما ارتكبا جريمة قتل وجرح عدد من العاملين في مقر المجلة الفرنسية الساخرة "شارلي إيبدو"، التي يبدو أن القائمين عليها اكتشفوا أداة إعلامية مهمة من خلال ردود أفعال المسلمين الغاضبة على 12 رسماً كاريكاتورياً نشرتها صحيفة يولاندس بوستن الدانماركية في 30 سبتمبر/ أيلول 2005، فيها إساءة لرسول الإسلام محمد بن عبد الله، فأعادت شارلي إيبدو نشرها سنة 2006 مثلها في ذلك مثل غيرها من وسائل إعلام أوروبية أخرى.

ولكن شارلي إيبدو أمعنت في إيذاء مشاعر المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، من منطلق أنها مجلة ساخرة لا تقتصر في سخريتها على دين أو فئة اجتماعية دون غيرها، خصوصاً أن الدستور الفرنسي يضمن لها ولغيرها حرية إبداء الرأي في أي شيء وبأي أسلوب.

ولن أغوص كثيراً في الملابسات التي سبقت وقوع الهجوم الإجرامي على المجلة وربما قادت إليه، ولا في فلسفة الحرية في إبداء الرأي ونسبيتها، وإن كانت على قدر كبير من الأهمية، ولكن ما يترتب على وقوع الجريمة هو الذي يهمنا بالدرجة الأولى في هذه المقالة.

وبالرغم من أنني لا أبرئ أحداً ولا أتهم أحداً في هذه الجريمة البشعة، إلا أنني أيضاً مثل كثيرين غيري لم نجد ما يؤكد حتى هذه اللحظة من نفذ الجريمة على وجه التحديد. وهذا ما عبر عنه وزير العدل الأمريكي أريك هولدر من باريس في يوم مظاهرة الأحد الكبرى أبلغ تعبير بقوله: "في هذه المرحلة ليست لدينا أي معلومات موثوقة تسمح لنا بأن نحدد من هي المنظمة المسؤولة". وتكمن أهمية هذا التصريح في أنه أتى بعد إعلان السلطات الفرنسية عن مسؤولية الأخوين "كواشي" المسلمين الفرنسيين عن الهجوم وقتلهما في مكان بعيد عن موقع الحادث، فكان الرد الفرنسي على الوزير الأمريكي بظهور وجه كريه تفوح من فمه رائحة عفن العمالة ليعلن مسؤولية القاعدة في اليمن عن الهجوم على المجلة.

وكثيراً ما تكرر هذا المشهد منذ أحداث 9/11 الشهيرة، خاصة خلال ولاية الرئيس بوش الابن. فحينما لا تفلح القرائن والأدلة في إثبات حالة إرهابية على المسلمين، ينبري أحد المنتمين لتنظيم القاعدة ليعلن تحمله المسؤولية ما يؤكد الشكوك بأن هذا التنظيم مثله مثل غيره من التنظيمات الإرهابية التي تسبغ على نفسها صفة الجهادية وترتكب كل الموبقات باسم الإسلام، لا تعدو كونها أذرع عميلة ملوثة مسخرة من قبل أجهزة استخبارات أجنبية.

وبصرف النظر عمن ارتكب الجريمة الإرهابية البشعة ومن وقف خلفها، إلا أن الحكومة الفرنسية ومن بعدها البلجيكية بدأتا في حملة اعتقالات بين المسلمين يتوقع أن تمتد إلى كامل التراب الأوربي. وفي ألمانيا تنادى المتطرفون القوميون للتظاهر ضد الإسلام والمسلمين، وفي بريطانيا رد رئيس الوزراء ديفيد كاميرون بلهجة حادة على بابا الفاتيكان الذي حذر من التهجم على عقائد الآخرين بقوله: "إن حرية النقد مقدمة على كل أمر، وإن الأديان يمكن أن تكون عرضة للانتقاد".

والغريب أن رئيس الوزراء البريطاني يتحدث بهذه القوة تجاه معتقدات الآخرين، وهو يعلم أن انتقاد عقيدة "الإنجليكان - الإنجيلية" الرسمية في بريطانيا أو السخرية منها، دون غيرها من العقائد، محرم بموجب القانون البريطاني.

وأخشى ما أخشاه في ضوء هذه التعبئة التي لا تفرق بين الإرهاب والإسلام أن تكون مقدمة لاستنساخ الأوربيين في مرحلة ما للنموذج الإسرائيلي في التعامل مع الأقليات المسلمة. ذلك النموذج الذي يرتكز على الضربات الاستباقية لسحق الفلسطينيين في الضفة والقطاع، كلما ظهر جيل جديد لم يجرب ويلات الحروب بالاستفزاز المتعمد لإجباره على الاختيار بين أمرين أحلاهما مر، فإما أن يقبل بشروط الاحتلال أو يغادر التراب الفلسطيني إلى غير رجعة.

ولذلك أرى أن لجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي دور مفقود في مد يد العون للأقليات العربية والمسلمة في أوروبا التي تتعرض لحملة كراهية واستفزاز من الأرض مدعومة بالة إعلامية هائلة. ويبقى أن أشير إلى أن في أوروبا منصفين أيضاً ويمكن بمد أيدينا إليهم أن نتعاون في مساندة الأقليات العربية والإسلامية إعلامياً وثقافياً على الأقل في تجاوز هذه المحنة.

فهذا، مثلاً، وزير خارجة فنلندا إركي توميوجا الذي لم تمنعه المشاركة في مظاهرة الأحد في باريس أن يصف حال التحيز الإعلامي الغربي تجاه المسلمين أبلغ وصف بقوله: إذا سخرت من السود فإنها عنصرية، وإذا سخرت من النساء فإنها شوفينية، وإذا سخرت من اليهود فإنها معاداة للسامية، ولكن السخرية من الإسلام هي حرية التعبير.

(عكاظ)

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة