ما بعد عاصفة الحزم

أحداث اليمن بالواقع هي امتداد لصراعات إقليمة ودولية.

الجمعة، 08-05-2015 الساعة 20:05


ما يحدث في اليمن بحاجة إلى قراءة أكثر دقة للواقع الدولي والمؤثرات الإقليمية، وكذلك العمل الجاد من حكومات المشرق العربي بساستهم ونخبهم ومثقفيهم لمعالجة هذا الواقع المرير، الذي عصف بالمنطقة نتيجة الاستفحال الإيراني بإيعاز الدول الغربية، وروسيا المراهنة على الأقلية المذهبية في العالم الإسلامي على حساب الأكثرية، كدعم الصفويين ضد الخلافة العثمانية، والدعم الغربي بإنشاء الدولة القومية الفارسية على حساب شعوب المنطقة، ودعمها في كل المراحل التاريخ ضد المشروع العربي والإسلامي كخنجر في خاصرة دول المنطقة منذ الصفويين وصولاً بالحكومة القومية البهلوية حتى زمن ولاية الفيقة حيث أصبحت طهران أداة رخيصة للدول الغربية لفرض واقع جديد يتماشى مع رغبة تلك الدول، التي تدغدغ أوهام أصحاب القرار الإيراني في هذا الشأن.

أحداث اليمن بالواقع هي امتداد لصراعات إقليمة ودولية، وفي نفس الوقت هي لزعزعة استقرار دول المنطقة، خاصة دول الخليج العربي، وتهديد أمنها وخلق صراعات طائفية وسياسية بنوايا خبيثة لتمزيق الوحده الوطنية والترابية لهذه الدول.

تأتي عاصفة حزم بقيادة المملكة العربية السعودية كضرورة؛ بسبب غياب استراتيجية دفاعية تحمي البلاد العربية من التهديدات الإقليمية، والأطماع الدولية في منطقتنا العربية، لذا هذه العاصفة هي تقصد معالجة التأثيرات السلبية جراء ما يحدث في اليمن على أمن دول الخليج في الوقت الراهن وفي المستقبل.

إن الأطماع الدولية للسيطرة على المرافق الاقتصادية وثروات الخليج العربي ليست وليدة اللحظة الراهنة؛ فمنذ القرن الماضي كانت الرغبة الروسية وإصرارها قبل وبعد انتصار الثورة الشيوعية بفتح موطأ قدم في الخليج العربي وساحل عمان واليمن، مدركين تماماً أهمية اليمن من حيث الموقع الجغرافي المطل على المحيط الهندي، والبحر الأحمر وساحل عمان ومضيق باب المندب الذي له أهمية كبرى خاصة بعد افتتاح قناة السويس التي ربطت البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر، مما جعل مضيق باب المندب كممر مائي عالمي وشريان أساسي لنقل البضائع التجارية والنفطية من آسيا الى أوروبا وأمريكا.

الأهمية الاستراتيجية لليمن من جانب الروس تأتي من خلال دعمهم للحركات اليسارية في المنطقة، في الأمس القريب كحركة ظفار والحركات الاشتراكية واليسارية في اليمن (اليمن الجنوبي).

لم تنته الرغبة الروسية للسيطرة على هذه الأراضي حتى يومنا هذا عبر أدواتها في اليمن كإيران والحوثيين؛ لخلق واقع جديد في الشرق الأوسط كما في سوريا، من أجل الحصول على حضور وورقة إضافية لتخفيف الضغط المتزايد والمستمر من قبل أمريكا وشركائها بريطانيا والاتحاد الأوروبي.

كما نلاحظ الآن معركة كسر العظم بين الطرفين في الساحة الأوكرانية ما أدى بالروس إلى فتح جبهات جديدة ضد المصالح ومناطق النفوذ الغربية؛ لامتصاص الضغط المتزايد على الوجود الروسي في شرق أوروبا، بحيث ساهم هذا الصراع الدخول الروسي للساحة اليمنية، كأحد اللاعبين الدوليين عبر إيران والحوثين من خلال الدعم اللوجستي والعسكري والاستخباراتي في سوريا واليمن، بما أن الروس مدركين تماماً أن السواحل اليمنية وعمان مناطق غير مرحبة لتمددهم بأي شكل من الأشكال في الوقت الحالي، لأسباب دولية من قبل دول عظيمة ودول المنطقة المملكة العربية السعودية وجيرانها من دول الخليج العربي.

إن التمدد الايراني في اليمن ليس بالسهل كما في العراق وسوريا، فمنذ مجيء الخميني دخلت إيران كأحد اللاعبين الإقليمين في الساحة اليمنية فاستطاع النظام الإيراني، من خلال عمل مبرمج التواجد على الأراضي اليمنية بعمل استخباراتي؛ تحت غطاء موسسات خيرية ومستشفيات وبناء علاقة مع بعض أبناء اليمن، والدعم المادي والمعنوي لبعض الجماعات، أن تكسر الحاجز التكفير المقدس بين الزيديين والأمامية الأثنى عشرية إلى الذوبان في الفكر الشيعي، من خلال تأسيس جماعة الحوثي، والدعم المتزايد والتسليح العسكري والأيديولوجي، واختطاف هذه المجموعة فكرياً وجعلها جماعة تعتنق وتبايع وتقاتل بالنيابة عن الولي الفقيه في طهران على الأراضي اليمنية.

لاشك أن الطيران في السماء للدول المشاركة في عاصفة الحزم في الوقت الحاضر لايستطيع أن يصلح ما أفسدته إيران، طوال هذه الفترة نظراً للكم الهائل من الأعمال الإيرانية على الأراضي اليمنية طوال السنين الماضية منذ مجيء الخمينيين حتى اليوم، كما أشرنا سابقاً، لكن هذا لا يمنع دول الخليج بالأخص المملكة العربية السعودية العمود الفقري لهذه العاصفة أن تقوم بخطوات أساسية لحماية استقرار وأمن أشقائها في الخليج العربي وحماية مصالحها، وذلك من خلال:

1- أن لا تقتصر عاصفة الحزم على اليمن وإنما تليها رزمة من القرارات السياسية والاقتصادية والمؤسساتية تترجم الحضور العربي في اليمن لمنع التواجد الإيراني .

2- تأسيس منظومة دفاعية لحماية الأوطان في الشرق العربي من التهديد الإيراني المتزايد عبر مليشيات مسلحة في دول الخليج والعراق.

3- دعم الجماعات والشخصيات العربية واحتضان المرجعية الشيعية العربية المناهضة للسياسات الإيرانية ونظام ولاية الفقيه والمرجعية الفارسية في العراق ولبنان.

4- بما أن ايران جغرافية غير متجانسة وكثيرة الملل وهشة نتيجة الصراعات الداخلية ما بين القوميات غير الفارسية كعرب الأحواز والكرد والبلوش والأتراك مع القومية الفارسية المهيمنة على السلطة والثروة في إيران حان الآن دعم هذه القوميات المضطهدة في إيران للحصول على حقوقهم الأساسية والتمثيل السياسي.

على دول الخليج العربي أن تدرك أن أمن أوطانها لا يأتي إلا من خلال التدخل في الشأن الداخلي الإيراني، حيث هنالك أراض مقتطعة من جسد الأمة العربية؛ وهي الأحواز وجزر الإمارات العربية المتحدة، ويجب التنويه أن إيران مهيئة للصراع الداخلي أكثر من أي بلد في الشرق الأوسط لوجود الصراعات والتناقضات العديدة القومية، والثقافية، والمذهبية، على جغرافيتها الحالية، لهذا نجد إيران تصدر الأزمات لخارج حدودها، وتخلق المشاكل مع جيرانها حتى تغطي فشل مشروعها القومي الفارسي، والتمويه على الرأي العام عن أزماتها المتصاعدة يوماً بعد يوم في جغرافيتها المصطنعة.

لذا يجب ألّا تقتصر عملية عاصفة الحزم كردة فعل أمام تهديد خارجي في وضعها الحالي، وإنما يجب بِنَاء مشروع دفاعي عربي ما بعد عاصفة الحزم، يستطيع أن يقف أمام التهديدات الإقليمية لحماية أمن الأراضي العربية في ظل كثرة المشاريع التي تعادي هذه الأمة في المنطقة، والتي ساهمت في معاناة الإنسان والأوطان.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة