ما قبل المدينة وما بعدها

فجأة يدوي صوت انفجار هائل، يرفع المفطرون أنظارهم من على سفر الطعام التي انتظمت مئات الأمتار بساحة الحرم.

السبت، 09-07-2016 الساعة 13:12


الدقائق القليلة التي تفرق بين انتهاء مؤذن الحرم المدني من رفع أذان المغرب وبين إقامة الصلاة تغمر المكان سكينة، وأصوات خافتة لمئات الآلاف من الصائمين، وهم يفطرون على القليل من التمر وماء وقهوة وخبز تختص به المدينة المنورة، يسمونه "شريك"، لا تسمع فيها إلا همساً وتسبيحاً، يتبادل الناس خلالها نظرات الرضا والعرفان أن أكرمهم المولى بالإفطار بمسجد نبيه وبجوار قبره الشريف.

فجأة يدوي صوت انفجار هائل، يرفع المفطرون أنظارهم من على سفر الطعام التي انتظمت مئات الأمتار بساحة الحرم وكلها مبادرات من محسنين يريدون من ورائها الأجر من الله والإحساس بالتراحم فيما بينهم، ينظرون من دون تصديق ناحية صوت الانفجار، يرتفع عمود من الدخان، لم يتوقع أحد أن يكون هذا عملاً إرهابياً، لا بد أنه حريق، أي شيء إلا أن تكون جريمة إرهابية من جرائم «داعش» التي انتهكت حرمة شهر رمضان بطول وعرض العالم الإسلامي، يطردون الوسواس العابر قائلين: إنها مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يمكن أن يصيبهم الجنون ويستهدفوها، إنها المدينة المنورة وكفى.

يجمعون سفر الطعام بسرعة، كل يعرف دوره، خلال دقيقة أو اثنتين تختفي السفر، ويتنظمون لأداء صلاة المغرب، بعد الصلاة تصلهم الأخبار الكارثية التي لا تصدق، ذلك الصوت المدوي الذي سمعوه قبيل صلاتهم كان عملاً إرهابياً خسيساً، قتل فيه أربعة جنود سعوديين أوقفوا إرهابياً يرتدي حزاماً ناسفاً، تحل صدمة عليهم، كيف؟

في رمضان!

في ساعة الإفطار!

في المدينة!

وعلى بعد أمتار من قبر سيد الخلق!

إنها لحظة فارقة، ويجب أن تكون كذلك للمملكة العربية السعودية، خادمة الحرمين، ومن ثم بقية العالم الإسلامي، فالحرب على الإرهاب بعد جريمة المدينة يجب أن تختلف عما قبلها، على سوء فعل «داعش» في جدة والقطيف، ودكا وبغداد وإسطنبول، فإن جريمته في المدينة أضعاف أضعاف غيرها في القبح والمروق، إنها قاع القاع، بعد المدينة لم يبقَ محرم أكبر يمكن أن يتمرغ «داعش» فيه، فمن يقدم على جريمة تفجير وقتل بجوار المقام النبوي الشريف، يسهل عليه كل شيء آخر، بعد المدينة، كلنا أصبحنا أهدافاً لــ «داعش».

لم يتبنّ العملية، لعله محرج، نادم، ولعله تكتيك جديد؟ ليس مهماً البحث عن إجابة، لم يعد مهماً كيف سيكون «داعش» بعد المدينة، ولا من المستفيد من جرائمه، ولا كيف انتهى إلى ما انتهى إليه، المهم ماذا سنفعل نحن؟

إنه الحدث الجدير بتغيير مسرى التاريخ، يجب أن يضغط علينا، ونضغط به على الدولة من أجل القضاء على «داعش»، إذ لا نستطيع أن نعيش 20 سنة أخرى في ظل عنف أعمى كهذا، نعم لقد عشنا 20 عاماً من الإرهاب الأعمى، ورأينا كيف اتسعت دائرة عنفهم، بدأت في شتاء 1995 بهجوم استهدف مقراً لبعثة أمريكية عسكرية بالرياض، سقط فيه عدد من المدربين الأمريكيين، بعد ذلك بعشرين عاماً، وبعد عشرات العمليات، اتسعت دائرة جهنم لتصل إلى جند مسلمين يفطرون في رمضان في موقع تطل عليه القبة الخضراء التي تظلل مقام الرسول وبين الأذان والإقامة، رسم بياني لا يبشر بخير.

ولكن كيف سنخرج من دائرة جهنم هذه؟ الحل الرائج في السعودية هو وقف التحريض ومحاسبة المحرضين، وهي فكرة جيدة، بخاصة إذا حسمت الدولة أمرها من خلال مؤسساتها العدلية بصوغ نظام يجرّم التحريض والكراهية، وثمة مشروع بذلك تسربت تفاصيله مؤخراً، ثم تحدد الجهات المختصة أسماء المتطرفين، وتقدمهم للمحاكمة وقبلها التحقيق، حينها تستطيع الدولة إقفال هذا الملف الذي يستخدمه أكثر من فريق للتلاوم وتصفية الحسابات، ما يشوش الصورة ويشغل الدولة عما هو أدعى وأهم.

يجب أن نقبل أن «جرثومة التطرف والتكفير» أصابت العقل المسلم، ليس في السعودية وحدها وإنما في أطراف الأرض، ولن يقضى عليها بخطبة وموعظة حسنة، ولا بإصلاح المناهج والخطاب الديني، ولا بوقف المحرضين ومحاسبتهم، على رغم أهمية ذلك لحماية أجيال قادمة، ولتعطيل عملية التجنيد التي ما انقطعت منذ بداية الحرب على التطرف. لقد نشأ جيل كامل منذ أن كتبت أول مقالة تدعو إلى تغيير المناهج والإصلاح الديني قبل عشرين عاماً، ولكن استمرت عملية صناعة جيل آخر من المتطرفين، ينضمون إلى «القاعدة» و«داعش» من بعدها، مؤمنين بها، ومستعدين للموت في سبيل فكرها العدمي. ثمة مقاربة جديدة للتعامل مع هذه الحقيقة المؤلمة، هي أن التطرف موجود في كل مجتمع ودين، مهما تحضر أهله وتمدنوا، في شكل يمين متطرف متعصب مستعد للقتل والتدمير إذا غفل عنه الأمن، وحصل ذلك غير مرة في النرويج، وفي الولايات المتحدة، وفي اليابان، وغيرها، ولكنه بقي هناك محصوراً مطارداً تحت المراقبة الأمنية وسيادة دولة القانون، وكذلك في المملكة، لم يحتل مدناً، ولم يصبح اختياراً شعبياً، لا يزال محصوراً منبوذاً من غالب المجتمع، حتى وإن تماهى أحياناً مع أفكار متطرفين متعصبين، يختلفون عنه في مسألة استخدام العنف ولكن يوافقونه في مسائل مجتمعية وسياسية أخرى، والتماهي ذاته تجده لدى قوى سياسية متطرفة في الغرب مع منظماتها العنفية، فتتبرأ منها، ولكن تجد مبررات لأفعالها وتحاول توظيفها لخدمة أجندتها المتطرفة في حدود المسموح لها، مستفيدة من سعة حرية التعبير وحرص الدول المتمدنة على سيادة القانون والتعايش السلمي، وعدم أخذ الناس بالشبهات.

ولكن، لماذا تمدد «داعش» وهو الممثل «العنفي» لليمين المتعصب، وباتت له دولة ومساحات واسعة يسيطر عليها ويرفع فيها راياته ويطبق فيها نظامه المتطرف، ويصبح نموذجاً وقبلة تجذب إليها الأنصار المؤمنين بفكرته؟ لننظر إلى خريطة المنطقة، فنجد أن دولة «داعش» تتمدد حيثما سادت الفوضى، وانهار النظام سياسياً واجتماعياً، فنجدها في العراق وسوريا، وليبيا والصومال وفي غيرها موجودة كمنظمة إرهابية سرية تعمل تحت الأرض، تضرب وتختفي، الحقيقة واضحة، ثمة علاقة طردية بين الفوضى و«داعش»، وعلاقة طردية أخرى بين وجود دولة لــ «داعش» ونشاط خلاياه في الدول المستقرة.

لذلك يجب أن تكون بداية أي تحرك حقيقي ضد «داعش» هي القضاء على دولته، النموذج الخطأ الذي لا يستحق أن يكون اختيار البائسين والمظلومين، ولا حتى الغاضبين المتعصبين، ولن يكون ذلك «بنشر ثقافة الاعتدال ومواجهة المحرضين ومناصحة الضالين» إلى آخر قائمة المواجهة «الناعمة» وهي ضرورية، وتنفع على المدى البعيد، وإنما بحرب لا تبقي ولا تذر، مواجهة عسكرية بحتة، جيوش تمضي نحو الرقة والموصل وسرت وكل مدينة رفعت فوقها راية سوداء، تحرر المدن وأهلها، تقتل وتسجن ثم تحاكم وتعاقب، «داعش»، حديد، ولا يفل الحديد غير الحديد.

ولكن ساحة المعركة معقدة، وقوى الخير والشر فيها متداخلة، ونوايا المتورطين فيها غامضة وأحياناً مشبوهة، يزعم بعضهم أنهم يريدون القضاء على «داعش» ولكنهم يناصرون الاستبداد والفشل والطائفية التي صنعته، تدافعهم هناك مع الثورات وأنصارها يولد الفوضى، والفوضى تولد «داعش»، وهكذا تستمر دائرة جهنم في عالمنا.

ما لم تتفق هذه الدول، كلها أو بعضها، المؤثرة منها فتحزم أمرها، وتضغط من أجل المواجهة الحاسمة، ستستمر دائرة جهنم وسطنا، تتسع أكثر، وترمي بشررها، لنعيش عمراً آخر وجيلاً آخر في أتونها، مزيد من العمليات الإرهابية، أقبح وأدمى، فلقد بلغ «داعش» قاع القاع وهو يفجر بجوار حرم رسول الله، بعده كلنا مستهدفون.

لتكن جريمة المدينة لحظة فارقة في الحرب على الإرهاب، ويجب أن توظفها السعودية لتفعيل التحالف الإسلامي الذي أعلنته في سبتمبر/أيلول الماضي، فما من دولة إسلامية ستتردد في المشاركة بحملة لنصرة الرسول الكريم، لتدعُ إلى قمة إسلامية، ولتشرك فيها القوى العظمى المتورطة في المنطقة وصناعة الفوضى فيها بالمشاركة بالعدوان كالروس، أو بالانسحاب كالولايات المتحدة وبريطانيا، فعل ما يجب أن يعقب جريمة المدينة، أما إن مضى الحدث، وفقدنا مرارته، فلننتظر مزيداً من جرائم «داعش» والتكفير والتطرف. لقد أصابنا الفيروس ولا سبيل لاستئصاله بنصيحة، الحرب هي الحل.

(صحيفة الحياة)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة